|
دراسة
موضوعية في ظلال سورة الحمد
* اية الله الدكتور حاتم نوري
الساعدي
الاسم: في اللغة بمعنى
العلامة وهو مأخوذ من السمو ، ويراد به ارتفاع المعنى بالاسم
وحضوره عند السامع، أو خروج المعنى من عالم الإهمال إلى عالم
الاستعمال بالوضع (1) وذهب صاحب الكشاف إلى هذا الرأي حيث قال:
إن اشتقاق الاسم من السمو (لأن التسمية تنونه بالمسى وإشادة
بذكره)(2) وقيل: إنه مشتق من السمة أي العلامة حيث يكون الاسم
علامة على المسمى، وهذا الرأي الثاني ضعيف، ورسم اللفظة هو (أسم)
أضيف إليها باء الابتداء فصارت (باسم) وحذفت الهمزة للابتداء
فصارت (بِسْمِ) أما (اللهِ) فهو أسم للذات المقدسة وليست صفة
(3) وهو أسم جامد مأخوذ من كلمة (لاه) بمعنى الاحتجاب
والارتفاع فهو مصدر مبني للفاعل(4) وذهب إلى هذا الرأي الرازي
ونسبه إلى الخليل وسيبويه أكثر الأصوليين والفقهاء (5) وقيل هو
مشتق، وأُختلف في أصله فقال القرطبي إنه مشتق من (وله) إذا
تحير، والوله: ذهاب العقل رجل واله وامرأة ولهى ومولوهة إذا
أرسل في الصحراء فالله تعالى تحير أولئك في الفكر في حقائق
صفاته فعلى هذا يكون أصل اللفظ (ولاه) فبدلت الواو همزة كما
قالوا في وشاح ووسادة أسادة، وقال الرازي (وقيل:إنه مشتق من
ألهت إلى فلان أي سكنت إليه فالعقول لا تسكن إلا إلى ذكره
والأرواح لا تفرح إلا بمعرفته لأنه الكامل على الإطلاق)(6) أما
متعلق الباء في (بسم)فهو محذوف واختلف في تقديره فمنهم من قدره
بالفعل ابتدئ (7) أو قرأ اتلو (8) ومنهم من قدره باسم (9) هو (ابتدائي)
أما لفظي (الرَّحْمنِ والرَّحِيمِ) فإن(الرحمن)مأخوذ من (الرحمة)
(10) أو من رحم على زنة غضبان وسكران من غضب وسكر(11) وهو وصف
إذا أطلق على الله تعالى، فان معناها يندرج تحت مفاهيم الصفات
الفعلية وليست رقة القلب مأخوذة في مفهومها، بل هي من لوازمها
في البشر (12) وهناك رأي آخر هو أنها (وصف انفعالي وتأثر خاص
يلم بالقلب عند مشاهدة من يفقد أو يحتاج إلى ما يتم به أمرة
فيبعث الإنسان إلى تتميم بقصة ورفعه حاجته) (13) وعلى هذا
الرأى (الثاني) فان معنى وصفة الله تعالى بالرحمن أو الرحمة هو
عن إنعامه على عباده لأن الملك إذا عطف على رعيته ورق لهم
أصابهم بمعروفه وإنعامه كما إذا أدركته الفظاظة والقسوة عنف
بهم ومنعهم خيره ومعروفة (14) وصيغة الرحيم مبالغة في الرحمة
(15) وبعضهم جعل لفظة (الرحيم) من صيغ المبالغة أيضا، وإن كانت
صيغة (الرحمن) أكثر مبالغة من صيغة (الرحيم) (16) وذهب البعض
إلى أن (الرحيم) من الصفات المشبهة أو جعلها مرددة بين صيغة
المبالغة وبين الصفة المشبهة (17)، البيان أو (الرحمن) فهو
مأخوذة من الرحمة ومعناها معروف وهي ضد القسوة والشدة وهي أسم
اختص بالله سبحانه فصار هذا الوصف بمنزلة اللقب فلا تطلق على
غيرة (18)، وقد كان هذا الاختصاص معروفا في الجاهلية.
قال سلامة بن جندل الطهوي التميمي :عجلتم علينا إذ عجلنا عليكم
وما يشاء الرحمن يعقد ويطق (19)
فالرحمن إذن من الصفات الغالبة التي لم تستعمل في غير الله
تعالى (20).
والرحمن -كماقلنا-أكثر مبالغة من صيغة الرحيم فالرحمن صيغة
مبالغة تدل على الكثرة والرحيم فعيل صفة مشبهة تدل على الثبات
والبقاء وبتعبير أدق أن الرحمن صيغة مبالغة والرحيم صفة مشبهة
أو صيغة مبالغة ومن خصائص هذه الصيغة أنها تستعمل غالبا في
الغرائز واللوازم غير المنفكة عن ألذات كالعليم والقدير
والشريف. فالفارق بين الصفتين أن الرحيم يدل على لزوم الرحمة
للذات وعدم انفكاكها عنها والرحمن يدل على ثبوت الرحمة فقط
(21) وهناك رأي آخر اكتفى ببيان الفارق بين الصفتين حيث قال:
صيغة الرحمن أكثر مبالغة من صيغة الرحيم وكلاهما من صيغ
المبالغة (22) ورأي ثالث للفارق بين الصيغتين حاصلة: أن الرحمن
تدل على مطلق الرحمة في الدنيا والآخرة أما صيغة الرحيم فهي
تخص الرحمة بالمؤمنين أو بعالم الآخرة والأرجح هو الرأي الأول
إذ لابد من فارق بين الصيغتين يرجع إلى الموصوف بهذه الصفة
خصوصا وأنهما استعملتا في البسملة وفي الآية الثالثة من سورة
الحمد متقارنتين أما ما قيل من أن الفارق في متعلق الرحمة فإنه
ضعيف وفي ضوء هذا البحث يتضح أن البسملة تدرجت في الابتداء
بأسماء الله وصفاته من الاسم المختص بالذات المستجمعة لجميع
صفات الكمال وهو (الله) وتبعتها بالاسم الذي صار كاللقب لله
فلا يصح إطلاقه على غيره هو(الرحمن) وتبعتها بصفة (الرحيم)
لبيان أن الرحمة ملازمة لا تنفك عنه لا في الدنيا ولا في
الآخرة فيكون الابتداء باسم الذات المستجمعة لصفات الكمال
المتصفة بالرحمة ومن الواضح أن ذكر أسماء الرحمة بعد ذكر الاسم
الجامع لها في بسملة الحمد من باب بيان الصفة التي استوجبت خلق
الخلق ورعايته وهي الرحمة الإلهية.
هدف البسملة
تكررت البسملة في كل سور القرآن ماعدا سورة براءة التي تهدف
رفع الأمن عن الكفار والبسملة أمن فلم يبتدئ بها فقد روى ابن
عباس قائلا: سالت علي بن أبي طالب (عليه السلام) لمَِ لم تكتب
في براءة بسم الله الرحمن الرحيم؟ (قال: لأنها أمان وبراءة
نزلت بالسيف ليس فيها أمان)(23) والذي بصدده البحث هو هدف
تكرار هذه الآية المباركة في ابتداء السور باستثناء براءة وهنا
نذكر وجهين الوجه الأول ما ذكره صاحب البيان من أن هدف القران
وهدف السور هو هداية الناس إلى الله وتعريفهم به والبسملة حيث
تتضمن أشرف الألفاظ وأقربها إلى اسمه العظيم من ناظر العين إلى
بياضها وحيث إنها كاشفة عن ذاته المقدسة ناسب البدء بها في كل
سورة (24) ولكن هنا ثمة ملاحظتان الأولى: إذا كان الأمر كذلك
فلازمه أن يبدأ بالبسملة في سورة براءة بلا فرق عن السور
الأخرى إذ ان سورة براءة تهدف الى بيان صفات القهر والغلبة
والغضب الإلهي فناسب ذلكم الابتداء بها بالبسملة أيضا من حيث
إن اسم الله للذات الجامعة لتمام الصفات
الثانية:حتى لو سلمنا تلك النكتة فإنه لا يلزم منه تكرار
البسملة بمقدار السور حتى السور ذات الآيات القليلة فمثلا
لماذا لم تدمج المعوذتان ببسملة واحدة مع وحدة مساق السورتين
ووحدة غرضهما وهو الاستعاذة بالله من شر الوسواس الخناس ومن شر
ما خلق إذن تعدد البسملة مع تعدد السور كاشف عن ملاك آخر غير
وحدة الهدف المذكور وسيشار إليه في البحث ان شاء الله تعالى.
الوجه الثاني: إن هدف ذكر البسملة يتحد مع غرض وهدف كل سورة
على حدة فمثلا غرض سورة الحمد إعلان العبودية لله فيكون غرض
البسملة إظهار العبودية لله باسم الله وهدف سورة النصر هو
إظهار نصر الله وفتحه فيكون هدف البسملة هو تحقق النصر باسم
الله وهكذا (25) ولكن يرد هنا أن بعض السور الطويلة تتعدد فيها
الأغراض والأهداف فلابد أن لا يكتفي ذكر البسملة واحدة ولا بد
من تعددها فان قلت يكفي ذكر البسملة أول السورة للدلالة على
إنجاز تلك الأعمال وتحقق تلك الأهداف باسم الله قلت إذا كان
الأمر كذلك فيصح حينئذٍ الاكتفاء ببسملة سورة الحمد لجميع سور
القران والتحقيق أن غرض تعدد البسملة في سور القران هو تربية
المؤمن على الشروع بالأعمال والأقوال باسم الله فإذا كان الله
مبدأ في كل سورة حتى ذات الأربع آيات مثلا بالبسملة فيجدر
بالمؤمن الشروع بأعماله باسم الله والقران يحكي لنا كيف أن نبي
الله سليمان (عليه السلام) بدأ رسالته التي كتبها إلى بلقيس
والتي لم تتجاوز الجملتين بالبسملة وكذلك ينقل لنا القران كيف
يبدأ نوح رحلته في السفينة باسم الله (بِسْمِ اللّهِ
مَجْرَاهَا وَمُرْسَاهَا) (هود : 41) وعن أمير المؤمنين(عليه
السلام) عن رسول الله (صلى الله عليه وآله وسلم) عن الله عز
وجل (كل أمر ذي بال لم يذكر فيه بسم الله فهو أبتر) (26)،
الغرض الثاني هو تكرار هذه الأسماء المباركة مع كل سورة حتى
تتجذر في أعماق الأرواح وتطمئن بها النفوس، إعلام الرسول
بنهاية السورة السابقة على البسملة وبداية الجديد بعد البسملة،
تشكيل السور القرآنية إذ بدون البسملة يقع قطعة واحدة فالدخول
في كل سورة ببسملة مستقلة لبيان أنها سورة متميزة عن سور
القران ووحدة من وحدات القران حيث يسهل بهذا التقسيم معالجة
القضايا والأحداث التي تقع.
آية البسملة من الناحية الفقهية
اختلف الفقهاء في البسملة فذهب مالك والأوزاعي إلى أنها ليست
من القرآن ولا يجوز قراءتها إلا في النافلة وفي شهر رمضان
المبارك أما أبو حنيفة والثوري وأتباعهما فقد قرءوها قبل سورة
الحمد وأوجبوا الاخفات بها في جميع ذلك أما الشافعي فقد ثبت
عنه أنه يرى أنها جزء من سورة الحمد واختلف النقل عنه في سائر
السور فبعض محققي الشافعية يرى أنها جزء في سائر السور أيضا
وبعض آخر يرى عدم ذلك (27) وذهب ابن عباس وابن المبارك وابن
كثير وعاصم والكسائي والشافعي وأصحابه وقراء مكة والكوفة كما
حكى الجزئية عن ابن الزبير وأبي هريرة وعطاء وطاووس وسعيد بن
جبير ومكحول والزهري وغيرهم، نعم ذهب إلى الخلاف طائفة لا يعتد
بخلافهم، والبحث في هذه المسالة ينبغي أن يتناول قضيتين الأولى
هل أن البسملة جزء من سورة الحمد أم لا والثانية هل أن البسملة
جزء من سائر السور أم لا، فالقضية الأولى ذهب فريق من فقهاء
السنة إلى أن البسملة ليست من سورة الحمد ولابد من تناول
الوجوه التي ذكرت لإثبات ذلك وهي الوجه الأول: ما قيل: بأن
طريق ثبوت القرآن ينحصر بالتواتر فكل ما وقع النزاع في ثبوته
فهو ليس من القرآن والبسملة مما وقع النزاع فيه (28) ويرد على
هذا الوجه، لقد تواتر عن النبي (صلى الله عليه واله وسلم) أنه
كان يقرأ البسملة حين قراءة السورة وهو في مقام بيان تلك
السورة وهذا دليل على أنها جزء من السورة وإلا لزم أن يبين ذلك
(29).
الوجه الثاني: ما نقله الشيخ الطوسي في التبيان بالقول(إنها لو
كانت من نفس الحمد لوجب أن يكون قبلها مثلها لتكون أحداهما
افتتاحا للسورة حسب الواجب في سائر السور والأخرى أول آية منها)(30)،
والجواب وألا لو تم هذا الإشكال فإنه لا يختص بسورة الحمد، بل
يجري في جميع السور والقائل لا يريد ذلك ثانيا لا مانع من أن
تكون من نفس السورة وأن تكون في بداية كل سورة كما ورد في بعض
الآيات المتشابهة باللفظ على أنها تحسب آية في كل سورة وردت
فيها.
الوجه الثالث: لو كانت البسملة من الحمد من الحمد لزم التكرار
في قوله (الرحمن الرحيم) حيث قال تعالى الرحمن الرحيم في
البسملة فتكررت الرحمن الرحيم في قوله:(الْحَمْدُ للّهِ رَبِّ
الْعَالَمِينَ). والجواب أولا أن ذلك يلزم عدم تكرار صفات الله
ومسائل الجنة والنار لأنها كلها ذكرت مرارا وتكرار في القران
وثانيا لا مانع من التكرار إذا كان لحكم وأغراض نافعة وهي
موجودة في القران الحكيم قطعا لأنه بعيد عن الحشو واللغو فهو
كلام الحكيم العليم.
الوجه الرابع: وهي الروايات الكثيرة ونذكر فيما يلي واحدة منها،
ما أخر مسلم من حديث أبي هريرة (قال سمعت رسول الله(صلى الله
عليه واله وسلم) يقول قال الله تعالى قسًّمت الصلاة بيني وبين
عبدي نصفين ولعبدي ما سأل، فإذا قال العبد الحمد لله رب
العالمين قال الله تعالى حمدني عبدي، وإذا قال الرحمن الرحيم
قال أثنى عليّ عبدي وإذا قال مالك يوم الدين قال الله تعالى
مجدني عبدي وإذا قال العبد إياك نعبد وإياك نستعين، قال الله
تعالى: هذا بيني وبين عبدي ولعبدي ما سأل، فإذا قال أهدنا
الصراط المستقيم صراط الذين أنعمت عليهم غير الغضوب عليهم ولا
الضالين قال هذا لعبدي ما سأل)(31) قوله تعالى:(الحمد الله رب
العالمين) وهذه (الآية) وما بعدها إلى (مالك يوم الدين إرشاد
للعبد للقول بها في مقام حمد لله والثناء عليه فأعبد الذي لا
يدرك كنه الله حيث لا تدركه الأبصار ولا تحيط به العقول لا
يعرف كيف يحمد الله ويثني عليه فقد يحمده بجمد يحده به فاحتاج
إلى إرشاد وتعليم لصيغة الحمد وكيفية إظهار العبودية لله تعالى
وقد ورد في الحديث عن النبي (صلى الله عليه وآله وسلم):(لا
أحصي ثناءً عليك أنت كما أثنيت على نفسك)(32)(والحمد) ضد اللوم
وهو لا يكون إلا الفعل الاختياري الحسن سواء كان إحسانا أم لم
يكن والشكر مقابل الكفران وهو ولا يكون على الإنعام الإحسان
والمدح يقابل الذم ولا يعتبر أن يكون على الفعل الاختياري فضلا
عن كونه إحسانا والألف واللام في كلمة الحمد للجنس إذ لا
عهد(33) والحمد باللسان وحده وأما الشكر فعلى النعمة خاصة وهو
بالقلب واللسان والجوارح(34) تقدم لفظ الحمد على لفظ الجلالة
لإفادة حصر جنس الحمد له، حيث لا يقع فعل أو وصف محمودا عليه
إلا هو له أو يرجع إليه وفي الحديث المروي عن أنس بن مالك قال:
قال رسول الله (صلى الله عليه وآله وسلم):(ما أنعم الله على
عبد نعمة فقال: الحمد لله إلا كان أعطى أفضل مما أخذ)( 35) وعن
أبي عبد الله عن أبيه (عليه السلام)أنه قال في حديث (..الحمد
لله ولم يزد ثم قال ما تركت ولا أبقيت شياء جعلت جميع أنواع
المحامد لله عز وجل فما من حمد إلا وهو داخل فيما قلت )(36)
وبعبارة مختصرة يختص الله بالحمد، لأنه الذات المستجمعة لصفات
الكمال وكل كمال منه وأصله يعود إلية فهو منبع الكمالات
الوجودية والمعنوية، قال تعالى (رب العالمين ) لفظة (الرب)
تطلق ويراد بها معنيين هنا:
الأول: معنى الخلق والإيجاد
ويدل عليها قوله تعالى(بِرَبِّ الْفَلَقِ) (37) حيث وصف الله
نفسه بأنه رب الفلق، والفلق هو الصبح ومن الواضح أن الصبح لا
يراد به الملك إنما يراد به خلق وايجاد الصبح ويدل عليه قوله
تعالى(قُلْ أَغَيْرَ اللّهِ أَبْغِي رَبّاً وَهُوَ رَبُّ كُلِّ
شَيْءٍ) (الأنعام : 164).
الثاني: العناية والعطاء المادي
وقد تطلق كلمة الرب ويراد بها المالك أو السيد كما في قوله: (فَلْيَعْبُدُوا
رَبَّ هَذَا الْبَيْتِ)(قريش : 3) فإنه هنا لا يراد معنى
الإيجاد والخلق-إلا بعناية لأن رافع قواعد البيت هو إبراهيم (عليه
السلام) بأمره تعالى كما لا يصح معنى المربي إذ البيت ليس
كائنا حيا يحتاج إلى العناية والعطاء الرباني.
وفي ضوء ذلك يكون المراد برب العالمين -هنا- هو أحد المعنيين
الأوليين أو كليهما حيث إن مقتضى الرحمة الربانية الواسعة هي
خلق العالمين ثم تأمين وسائل نمو الحياة لهما أما معنى المالك
فقد يستبعد إرادته من لفظة (رَبِّ الْعَالَمِينَ) حيث إن لفظة
مالك جاءت في الآية التي بعدها (مَالِكِ يَوْمِ الدِّينِ) وهذا
بحد ذاته قرينة على عدم إرادة المالكية من لفظة (رَبِّ
الْعَالَمِين) إذ لو كانت مقصودة لجمع بين الآيتين في آية
واحدة لضرورات البلاغة مثلا يقول مالك العالمين ومالك يوم
الدين أو مالك العالمين ويوم الدين نعم. إن الرب المطلق هو
المالك المطلق فرب العالمين هو مالك العالمين بالضرورة
التكوينية وبعبارة أخرى إرادة معنى الإيجاد والعناية من لفظ (رَبِّ
الْعَالَمِينَ) لا ينفي المالكية ولفظة(العالمين) قد مختلفة
مجتمعة في عمود الزمان أو المكان أو مجموع الناس فقد وردت آيات
عديدة أريد بها من لفظ العالمين فيها مجموع الناس أو فئة خاصة
منهم كما في قوله تعالى:(إِنَّ اللّهَ اصْطَفَاكِ وَطَهَّرَكِ
وَاصْطَفَاكِ عَلَى نِسَاء الْعَالَمِينَ) (آل عمران : 42) حيث
لا يراد بالعالمين -هنا - إلا مجموع نساء الدنيا والمعاصرات
لمريم حيث يصح أن يقال إنها اصطفيت من بينهن ولا يراد
بالعالمين هنا عالم الجماد أو عالم مطلق الأحياء أو عالم
الرجال والنساء إنما يراد به عالم النساء فقط وقوله عز وجل:(
نَنْهَكَ عَنِ الْعَالَمِينَ) (الحجر : 70) حيث يراد بالعالمين
هنا مجموع الناس الذكور الذين يتعامل معهم لوط (عليه السلام)
وأطلق عليه لفظ العالمين للدلالة على استغراق النهي لجميع
أفراد الذكور الذين يتعامل معهم لوط (عليه السلام) وقوله
سبحانه:(أَوَلَيْسَ اللَّهُ بِأَعْلَمَ بِمَا فِي صُدُورِ
الْعَالَمِينَ) (العنكبوت : 10) حيث أطلق العالمين هنا على
مجموع الناس بدلالة المضاف حيث إن الإنسان هو صاحب الصدر وقوله
تعالى:(وَلَقَدِ اخْتَرْنَاهُمْ عَلَى عِلْمٍ عَلَى
الْعَالَمِينَ) (الدخان : 32) حيث يراد بالعالمين هنا مجموع
الناس الذين يليقون بحسب تكونهم على تحمل مسؤولية (التبليغ)
فلفظة (العالمين) في هذه الآيات أريد بها إما مجموع الناس وإما
طائفة من الناس متماثلين في النوع أو مشتركين في المكان وقد
تطلق ويراد بها مطلق الوجود كقوله تعالى:(قَالَ فِرْعَوْنُ
وَمَا رَبُّ الْعَالَمِينَ * قَالَ رَبُّ السَّمَاوَاتِ
وَالْأَرْضِ وَمَا بَيْنَهُمَا إن كُنتُم مُّوقِنِينَ) (الشعراء
: 23-24) فلفظة رب العالمين هنا أريد بها رب جميع الموجودات
بما فيها الإنسان وفي ضوء هذين الاستعمالين للفظة (رب العالمين)
نتناول اللفظة في سورة الحمد فنقول إن المراد بها في هذه
السورة هو مطلق أنواع الوجود وذلك للقرائن التالية:-
-إن الحمد للرب إنما يكون مستوعبا وتاما ومطلقا بلحاظ وشمول
نعمة الرب وإحسانه واتصافه بمطلق الرحمة والقوة والجبروت، ومن
الواضح أن الحمد على خلق العالمين بالمعنى الأعم أتم وأعمق من
الحمد على خلق مجموع الناس مثلا وبما أن لله مطلق الحمد وبما
أن الحمد لله ترتب على وصف ربو بيته للعالمين فلابد أن يراد
بالعالمين هنا مطلق الوجود.
-إن لفظة (رب العالمين) هنا تعقبها قوله تعالى: (الرَّحْمنِ
الرَّحِيمِ) ومن الواضح أن مقتضى الرحمة الإلهية لا تختص فقط
في خلق الإنسان أو عالم الأحياء إنما تقتضي خلق الوجود بجميع
أنواعه وألوانه.
-إن السورة في سياق بيان (الإله) الذي يستحق العبادة أو يستحق
الحمد ويطلب منه العون والهداية ومن الواضح أن إرادة المعنى
الأوسع لرب العالمين هنا أبلغ في الدلالة على أنه وحده الذي
يجب أن يطلب منه العون والهداية ووحده يختص بالحمد المطلق
والعبادة المطلقة وعلى هذا الأساس قد يقال إن المعنى الذي أريد
بــ(العالمين) في سورة الحمد هو مطلق أنواع الوجود وليس وجودا
خاصا (مَالِكِ يَوْمِ الدِّينِ) أما اللفظة الأولى (مالك)
فإنها مأخوذة من الملك وهي الإحاطة والسلطة وأما لفظة (الدين)
فمعناها الجزاء والحساب (38) والمراد بهذه الجملة استحقاق الله
للحمد حيث إنه مالك ليوم الجزاء والحساب ولا مالك غيره فيحمد
على ذلك والذي يظهر أن الملك هنا لا يراد به معنى الإحاطة وإن
كان هذا المعنى مدلولا للفظ إنما يراد به إظهار اختصاص الله
تعالى بالسلطة والأمر والنهي والقرار في يوم الدين فيكون
المعنى أن الله هو صاحب الأمر والنهي في ذلك اليوم يوم الجزاء
والذي يؤيده هو إن لفظة مالك أضيفت إلى يوم الدين ومن الواضح
أن مالكية يوم الجزاء والحساب إنما تتجلى في أظهر مصاديقها في
الأمر والنهي والعفو والمغفرة والعقاب أي حين يقال مالك يوم
الحساب لا يراد به بشكل مباشر معنى الإحاطة إنما يراد به معنى
السلطة والأمر والنهي.
أما سياق استعمالات هذه اللفظة حيث جاءت في عدة موارد بمعنى
السلطة والقرار أي الأمر والنهي ومنها قوله تعالى:(قَالَ رَبِّ
إِنِّي لا أَمْلِكُ إِلاَّ نَفْسِي وَأَخِي..)(المائدة : 25)
ومن الواضح أن الملك هنا يراد به السلطة ولا يراد به الإحاطة
إذ لا يحيط موسى بأخيه ومنها قوله تعالى: (إِنِّي وَجَدتُّ
امْرَأَةً تَمْلِكُهُمْ وَأُوتِيَتْ مِن كُلِّ شَيْءٍ )(النمل
: 23) ومن الواضح أن ملكية بلقيس لا يراد بها إلا السلطة
وتفردها بالأمر والنهي على قومها ويؤيده قول قومها لها(قَالُوا
نَحْنُ أُوْلُوا قُوَّةٍ وَأُولُوا بَأْسٍ شَدِيدٍ) (النمل :
33) ومنها قوله تعالى:(..لِّمَنِ الْمُلْكُ الْيَوْمَ لِلَّهِ
الْوَاحِدِ الْقَهَّارِ [غافر : 16) حيث إن معنى الملك هنا
السلطة المطلقة لله الثابتة في ذلك اليوم وقبل ذلك اليوم ولكن
هذه السلطة الإلهية في عالم الدنيا لا يعتقد الكافرون بالله
بخلاف واقع الحال في يوم الجزاء، حيث تكشفت الحقائق وبانت
الأمور وتحقق للكافرين أن السلطة المطلقة لله وهذا لا يعني أن
المالكية ليوم الدين لإيراد معنى الإحاطة إنما المراد بها
السلطة والسلطان المطلق.إذ قد يكون هذا السلطان والسلطة ناشئ
من الملكية الحقانية، بمعنى الإحاطة بعد الإيجاد، وهذا متحققة
في الله سبحانه وتعالى إذ هو (رب العالمين) فهو صاحب السلطان
والسلطة فيما خلق وأنعم وقد يكون السلطان ناشئ من مجرد تملك
الأمر والنهي كما هي الحال في ملوك الأرض ومن الواضح أن مالكية
الله ليوم الدين إنما هي من النوع الأول أي تفرده بالقرار
والأمر والنهي وكذلك أن صفة الربوبية متحققة لله يوم الدين حيث
إنه يخلق الموتى من جديد بعد تلاشيهم في ذرات الأرض ويبعثهم
بعد عدمهم مرة أخرى فهذا لون آخر من ألوان الخلق فهو إيجاد في
دفعة واحدة بخلاف الحال في عالم الدنيا حيث إن تربيته تعالى
لمخلوقاته تمر بعدة مراحل ولكن لم يعبر هنا بــ(رب يوم الدين)
لأن النص لا يريد أن يظهر اختصاص الله بالحمد بهذا الوصف في
فقرة حيث تقدم اختصاصه بالحمد بهذا الوصف في فقرة (الحمد الله
رب العالمين) إنما يريد أن يبرز اختصاصه بالحمد في جملة (مالك
يوم الدين) من حيث إنه صاحب السلطان والسلطة المطلقة في الوجود
الآخر للإنسان حيث يحتاج الإنسان الى رحمته ومغفرته وإنعامه
كما يحتاجها في الدنيا فيختص الله بالحمد حيث إنه رب العالمين
في الدنيا والآخرة وهو صاحب السلطان المطلق في الآخرة والدنيا
وقد تدرجت الآيات تدرجا طبيعيا فالله هو الذي خلق الأشياء وهو
الذي يحوطها بعنايته وكرمه فهو رب العالمين ونشأ خلق العالم
إنما هو رحمته المطلقة التي لا تنفك عن ذاته حيث هو (الرحمن
الرحيم) وربوبيته ورحمته المطلقة لا تختص بعالم الدنيا إنما
تشمل عالم الآخرة أيضا حيث يبعث الإنسان وهذا اللون من الإيجاد
هو تربية على دفعة واحدة بينما التربية في عالم الدنيا تربية
على مراحل وفواصل زمانية ولما كان المنظور في لم الآخرة هو
سلطان الله المطلق وعدله الشامل فجيء بجملة (مالك يوم الدين)
للتعبير عن هذه المعاني بدل لفظة (رب) لتكون الجملة مثلا (رب
يوم الدين) كما جيء بهذه اللفظة في آية (رب العالمين) فالرب في
(رب العالمين) إنما لإظهار ربوبية الله للعالمين مع أن الرب
مالك أيضا، بل هو أعمق ملكية من المالك غير الرب وجيء بلفظة
مالك في آية(مالك يوم الدين) لإظهار ملكية الله المطلقة في يوم
الدين فلا يملك أحد خطابا فضلا عن أن يملك شيئا آخرا والمالك
هو الرب وهكذا تضمنت هذه الآيات أعمق الحقائق (الله الرحمن
الرحيم رب العالمين)وطوت أعمق الحقائق(عالم الآخرة وعدل الله
وسلطانه المطلق في الآخرة من حيث إنه مالك ليوم الدين) كما
تضمنت فقرة (رب العالمين) مالكية الله للعالمين من حيث إنه رب
العالمين وواهب الوجود له وموصلة إلى كمالاته المختلفة
والمقدرة له. قوله تعالى (إِيَّاكَ نَعْبُدُ وإِيَّاكَ
نَسْتَعِينُ) اختلف السياق في هذه الجملة عن سياق الآيات
السابقة من صيغ الغائب إلى صيغ الحاضر وذكر في ذلك أنه من باب
الكلام لنشاط السامع (39) وإيقاظا للإصغاء إلية من إبرامه على
سياق واحد والصحيح -كما ذكر صاحب الكشاف والبيان- أن الآيات
السابقة على هذه الآية إنما دلت على أن الله هو الذات
المستجمعة لصفات الكمال (ومنها العالم الشامل والقدرة الشاملة)
هو سبحانه المربي لجميع المخلوقات وخالق كل الأشياء فهو الحاضر
الذي لا يغرب عن علمه وقدرته وأحاطته شيء في السماء أو في
الأرض فلا بد من المجيء بصيغة الخطاب بدل صيغة الغائب السابقة
وهناك وجه آخر لاختلاف الصيغة الحاصلة:إن غرض الآيات السابقة
هو بيان اختصاص الحمد لله وأنه هو الربي فهي آيات ثناء وحمد
وبيان ربوبية الله للعالمين في حين أن هذه الآية خطاب من
العابد وهو الإنسان على المعبود وهو الله فوجب اختلاف الصيغتين
حيث إن صيغ الثناء لا يشترط فيها حضور الحامد أمام المحمود
لتمام المديح بخلاف صيغة إظهار العبودية للمعبود واختصاصه بها
فإن حضور العابد بين يدي المعبود من تمام المعنى ولوازمه وجاءت
هذه الآية بعد الآيات الثلاث كالمعلول للعلة والنتيجة للسبب
فالله المستجمع لصفات الكمال والرحمن الرحمن والمربي للعام
يجدر بالإنسان -وبكل شيء- عبادته والخضوع له ... لا لغيره من
الذي لا يماك شيئا وإذا ملك فإن ملكه ناقص وفي طول ملك الله
وبإذنه وتقدم ضمير النصب المنفصل على الفعل لإفادة حصر العبادة
لله (نعبد) فإنها جيء بها بصيغة الجمع على الرغم من أن قراءة
السورة تتم على الإنفراد وقيل في ذلك أن القراءة قد تتم في
جماعة فجيء بصيغة الجمع للدلالة على أن صلاة الجماعة أرجح عند
الله من صلاة الإنفراد وقيل جيء بهذه الصيغة لتعظيم المصلي
الواقف بين يدي ربه حيث يتصل بالعظيم فيكتسب من عظمته وقيل غير
ذلك والتحقيق هو إن الآيات السابقة أبانت اختصاص الله بالحمد
وأنه الرحمن الرحيم وأنه رب العالمين فأورد الفعل الجمع (نعبد)
لتعميق المعنى السابق فالله رب العالمين ويجب على الناس عبادته
وحمده ولا يختص هذا الوجوب بأحد من الناس أو طائفة دون طائفة
فهو رب العالمين وعلى الناس إظهار الحمد لله وشكره وعبادته دون
استثناء معنى العبادة أما العبادة فهي تقع على معان عدة منها
الخضوع كما جاء في قوله تعالى: (فَقَالُوا أَنُؤْمِنُ
لِبَشَرَيْنِ مِثْلِنَا وَقَوْمُهُمَا لَنَا عَابِدُونَ) (المؤمنون
: 47) ومنها الطاعة كما في قوله تعالى:(أَلَمْ أَعْهَدْ
إِلَيْكُمْ يَا بَنِي آدَمَ أَن لَّا تَعْبُدُوا الشَّيْطَانَ
إِنَّهُ لَكُمْ عَدُوٌّ مُّبِينٌ) (يس : 60) ومعنى التأله هو
المراد في هذه الآية فالمعنى لا مؤله غيرك ولا نشرك معك أحدا
في الإلوهية وهذا لا ينفي عدم المعاني الأخرى إذ المعاني
الأخرى من أصول حصر الإلوهية في الله وقيل في معناها (العبادة
أقصى غاية الخضوع والتذلل ومنه طريق أي مذلل وثوب ذو عبدة إذا
كان في غاية الصفاقة ولذلك لا يستعمل إلا في الخضوع لله)(40)
المعنى يتطابق مع المعنى الأخير للعادة وهناك أقوال في مناشئ
العبادة نذكر منها وجهين:
الوجه الأول:
ما ذكره البعض من أن العبادة إنما تكون عبادة حقيقة إذا كانت
على خلوص من العبد وهو الخضوع الذي ذكرناه وقد ظهر أنه إنما
يتم إذا لم يشغل بغيره تعالى في عمله فيكون قد أعطاه الشركة مع
الله سبحانه في عبادته ولم يتعلق قبله في عبادته رجاءا أو خوفا
وهو الغاية في عبادته كجنة أو نار فتكون عبادته له لا لوجه
الله (41) وهذا الوجه غير صحيح إذ مانع من وقوع العبادة خوفا
أو رجاء كيف لا والقرآن مشحون بآيات الوعد والوعيد فإذا لم يصح
إعلان الإلوهية لا جل ذلك لما حصل هذا الاهتمام بسائل التخويف
والوعد بل الآيات صريحة في ذلك منها قوله تعالى:(إِنِّيَ
أَخَافُ إِنْ عَصَيْتُ رَبِّي عَذَابَ يَوْمٍ عَظِيمٍ) (الأنعام
: 15) وقوله تعالى: (إِنَّا نَخَافُ مِن رَّبِّنَا يَوْماً
عَبُوساً قَمْطَرِيراً) (الإنسان : 10) وقوله تعالى: (تَتَجَافَى
جُنُوبُهُمْ عَنِ الْمَضَاجِعِ يَدْعُونَ رَبَّهُمْ خَوْفاً
وَطَمَعاً وَمِمَّا رَزَقْنَاهُمْ يُنفِقُونَ) (السجدة : 16)،
وقوله تعالى: (يَبْتَغُونَ إِلَى رَبِّهِمُ الْوَسِيلَةَ
أَيُّهُمْ أَقْرَبُ وَيَرْجُونَ رَحْمَتَهُ وَيَخَافُونَ
عَذَابَهُ ) (الإسراء : 57) فضلا عن أن الإخلاص لله وعبادته
بداعي الخلوص بمعنى أنه الجامع لصفات الكمال أمر لا يمكن
تحصيله للخواص فضلا عن العوام اللهم إلا أن يريد بالخلوص
استشعار الله والإيمان بأن الإنسان حاضر بين يديه ولكن الحضور
لوحده لا يكون باعثا للعبادة إنما لابد من الاعتقاد بأنه أهل
للعبادة لأنه جامع صفات الكمال وهذا ما يصعب تحصيله.
الوجه الثاني:
ما ذكره البعض أن أقسام العبادة ثلاث: عبادة الخائفين : وهي
عبادة العبيد وعبادة الطامعين : وهي عبادة الأجراء وعبادة
الأحرار : وهي العبادة الناشئة من إدراك العابد كمال المعبود
واستحقاقه العبادة لذاته وهذا القسم من العبادة لا يتحقق إلا
ممن اندكت نفسيته فلم ير لذلته أنية إزاء خالقه ليقصد بها خيرا
أو يحذر لها من عقوبة وإنما ينظر إلى صانعه وموحده ولا يتوجه
إلا إليه، وهذه مرتبة لا يسعنا التصديق ببلوغها لغير المعصومين
(عليهم السلام) الذين اخلصوا لله في أنفسهم، فهم المخلصون
الذين لا يستطيع الشيطان أن يقترب من أحدهم (42). ويرد على هذا
الوجه بأن هذا اللون من العبادة ممكن في حق الصالحين من أولياء
الله الذين انقطعوا إليه ولم يروا غيره في الوجود من الذين لم
يرتكبوا مكروها في الشرعية فضلا عن عدم ارتكابهم للحرام وتركهم
للواجب والصحيح أن باعث العبادة يقع على المناشئ الثلاث نعم
الباعث الثالث لا يناله إلا الصفوة النادرة من عباد الله بخلاف
الأولين فان عامة الناس تعبده طمعا في ثوابه وخوفا من عقابه ..
ولا بأس بذلك كما أشرنا في قوله تعالى(وإياك نستعين) فأنها
تحصر الاستعانة بالله سبحانه ومن الواضح أن مطلق الاستعانة
بالغير ليست ممنوعة إذا استعانَ الإنسان بإنسان آخر أو بشيىء
آخر فهذا أمر مذكور في القران كما في قوله تعالى: (قَالَ مَا
مَكَّنِّي فِيهِ رَبِّي خَيْرٌ فَأَعِينُونِي بِقُوَّةٍ
أَجْعَلْ بَيْنَكُمْ وَبَيْنَهُمْ رَدْماً) (الكهف : 95) وإنما
حصرت الاستعانة بالله في أمور لا يمكن العون بها من أحد وهي
التوفيق للهداية الأيمان بالله فلولا إعانة الله على معرفته
لما توفق أحد للهداية وكيف يحاط الإنسان بالله العظيم قال
تعالى: (وَمَا كُنَّا لِنَهْتَدِيَ لَوْلا أَنْ هَدَانَا اللّهُ)
(الأعراف : 43)، وقوله تعالى: ( وَإِنِ اهْتَدَيْتُ فَبِمَا
يُوحِي إِلَيَّ رَبِّي) (سبأ : 50) ولذلك جاء بعد هذه الفقرة
قوله تعالى:(اهدِنَــــا الصِّرَاطَ المُستَقِيمَ) حيث تكون
الاستعانة بالله بطلت الهداية كما يكون إعلان العبودية بهداية
الله أن الاستعانة المذكورة هي في التوكل عليه في جميع الأمور
ويكون طلب الاهتداء لهذا المعنى أي للاهتداء أن الاستعانة منه
في الأمور لأنه الأحق أن يستعان به في كل الأمور وأن جميع
المعونات الأخرى التي تستحصل من الآخرين أومن الأشياء أنما هي
من الله فهو المعين الأول والأخير فيكون معنى (إياك نستعين)
حصر العون الحقيقي بك ومنك نطلبه لا من سواك وإن تعددت الوسائط
فيكون معنى الآية لك وحدك نؤله ونطيع ومنك فقط نطلب العون في
أمورنا المادية والمعنوية ومن الواضح أن هذا المعنى متفرع على
الآيات السابقة فلأن الإله الواحد للسموات والأرض هو الله فهو
يختص بالحمد والعبادة ولأنه رب العالمين الرحمن الرحيم يختص
بالمعونة المادية حتى لو كان المعين شخص أو شيء فان المعين
الأصلي هو الله فيطلب منه العون في جميع الأمور كما في قوله
تعالى:(اهدِنَــــا الصِّرَاطَ المُستَقِيمَ * صِرَاطَ
الَّذِينَ أَنعَمتَ عَلَيهِمْ غَيرِ المَغضُوبِ عَلَيهِمْ وَلاَ
الضَّالِّينَ) وفي هذه الآية يرشد الله العباد إلى طلب الهداية
منه سبحانه وتعالى إلى الصراط المستقيم (والهداية هي الإرشاد
والدلالة والهدى ضد الضلال) (43) (والصراط هو الجادة من سرط
الشيء إذا ابتلعه لأنه يسرط المارة إذا سلكوه كما سمي لقما
لأنه يلتقمهم) (44)، والاستقامة: هي الاعتدال وهو ضد الانحراف
إلى اليمين أو الشمال فيكون المراد بالصراط المستقيم المنهج
الذي يصل بسالكه إلى النعيم الأبدي وإلى رضوان الله وهو أن
يطيع المخلوق خالقه ولا نعصيه في شيء من أوامره ونواهيه (45)
فيكون طلب الهداية السؤال من الله لارشاده وهدايته للصراط
المستقيم إن قلت كيف الهدى ممن هو في مقام الهداية كما هو
المفروض حيث ان الله يحكي عن العابد القارئ لهذه السورة. قلت
‘إن الهداية مراتب تختلف بعض عن بعض شدة وضعفا والعابد يسأل
الله دائما لزيادة هدايته وبصيرته ومعرفته وهي أمور قابلة
للزيادة بل قابلة للنقصان أيضا وبشكل عام يقسم القران أصناف
الناس وموقعهم من(الصراط المستقيم) إلى ثلاثة أصناف الذين أنعم
الله عليهم بالهداية الحقة وهم الذين اهتدوا -بفضل الله ونعمته-
إلى الصراط المستقيم ولم ينفكوا عنه والذين غضب الله عليهم وهم
الذين عرفوا الحق وعاندوه والذين ضلوا الصراط المستقيم وهذه
المصاديق الثلاث صالحة للانطباق في كل زمان من الأزمنة إلا أن
أظهر ومصاديقها هم اليهود والمسيحيين من أهل الكتاب فاليهود
عاندوا الحق على الرغم من معرفتهم والمسيحيون ضلوا الطريق على
الرغم من إخلاصهم وميلهم لمعرفة الحق وبعض المحققين اعتقد أن
الآية السابقة (إياك نعبد وإياك نستعين) حيث يعبد الإنسان الله
ويستعين به يسأله الهداية والحق وانه بدون هداية الله إلى
الصراط المستقيم لا تقع العبادة والاستعانة فهما متفرعتان على
هداية الله وليس الهداية متفرعة من العبادة والاستعانة فالآية
سؤال الهداية وهذا السؤال متفرع على الأيمان بالله وأنه الرحمن
الرحيم وأنه رب العالمين وأنه مالك يوم الدين فحيث عرف العبد
هذه الحقائق وأن الله مالك يوم الدين وأنه سيحاسب العباد على
ما اقترفوه فانه سيندفع إلى السؤال عن طريق الهداية طريق
الصراط المستقيم الذي يرضاه الله في الدنيا ويجزي عليه أجمل
الجزاء في الآخرة ….
|