|
حول
الفرد والمجتمع في ضوء القرآن
المرأة
ودورها في المجتمع القرآني
(فاستجاب لهم ربهم اني لا اضيع عمل عاملٍ منكم كم ذكرٍ او انثى
بعضكم من بعضٍ)
ال عمران: 195
* صباح الموسوي
تؤكد هذه الآية الكريمة على دور المرأة
في المجتمع منذ انطلاقته الأولى ودورها في الحياة وتحملها
المسؤوليّة في بناء الحضارة الإنسانية وإذ كانت المرأة في
مجتمع الجاهلية كائنا مهملا يرزح تحت قيم العار والدونية،
فإنها عادت في مجتمع الإسلام شخصية تكون في معراجها القدوة
والأسوة لسائر المؤمنين، وشهد التاريخ الإسلامي أدوارا هامة
لشخصيات نسائية بارزة كأمهات المؤمنين، وسيدة النساء (فاطمة) (عليها
السلام) والسيدة (سمية) أم الصحابي الجليل عمار بن ياسر التي
قتلها قائد الشرك والرجعية، فقد دفعت حياتها ثمنا لمبادئ
الرسالة الإسلامية حين بدأت المواجهة بين الإرهاب والطاغوت،
وبين النبي محمد ( صلى الله عليه واله وسلم) والمستضعفين
والعبيد الذين وجدوا في رسالة الإسلام المنقذ لحقوق الإنسان
والمحرر من الجهل واستعباد الإنسان لأخيه الإنسان. وكما سارع
العديد من النساء المستضعفات لتصديق النبي (صلى الله عليه واله
وسلم) في بدء دعوته وتحملن الأذى والتعذيب والاضطهاد، فهاجرن
إلى الحبشة وإلى المدينة المنورة ونصرن الله ورسوله ( صلى الله
عليه والهو وسلم ) بكل ما أوتين من قوة. وتتألق شخصية المرأة
الصالحة حين نطل على المشهد المحيط بالشهداء من تصوير القرآن
وإخباره عنه بقوله تعالى: (وَأَشْرَقَتِ الْأَرْضُ بِنُورِ
رَبِّهَا وَوُضِعَ الْكِتَابُ وَجِيءَ بِالنَّبِيِّينَ
وَالشُّهَدَاء وَقُضِيَ بَيْنَهُم بِالْحَقِّ وَهُمْ لَا
يُظْلَمُونَ ) (الزمر : 69).
إن المرأة المسلمة لماّ تكتشف مكانتها الحقيقية في الإسلام بعد،
وانّ الرّجل المسلم لماّ يعرف مكانة المرأة في الإسلام على
حقيقتها أيضا، لذا اختل ميزان التعامل والعلاقة الذي لا يستقر
إلّا بالعودة إلى مبادئ القرآن ليعرف كلّ منهم حقهّ ومكانته
ومسؤوليّته تجاه الآخر وعلاقته به.
وأن المرأة اللاّهثة وراء سراب الحضارة المادية الذي يخفي
وراءه مستنقع السقوط والاضطهاد للمرأة، لو عرفت ما لها في
الإسلام من قيمة وحق وتقدير لما نادت إلاّ بالإسلام ولعرفت أنّ
المنقذ لكرامة المرأة وحقها هي مبادئ القرآن، والقانون
المستنبط من القرآن الكريم والسنة المطهرة لتنظيم المجتمع
الإسلامي على وفق الرؤية والمقاصد الإسلامية لتكوين معالجته
قائمة على أسس علمية لا يرى المتطرفون الجدد بواتقهم وأفكارهم
التي بعيدة عن الفكر الإنساني والمشاعر الإنسانية بأجمعها وكما
في صحيح البخاري (1). عبر عنها الحديث النبوي الشريف بنصه: (ترى
المؤمنين في تراحمهم وتوادهم وتعاطفهم كمثل الجسد إذا اشتكى
منه عضو تداعى له سائر جيده بالسهر والحمى)، وهذه هي السلوكية
العلمية في العلاقة الإنسانية جميعها تمتد آثارها من البناء
إلى الإصلاح والحفاظ على البنية الاجتماعية لذا نجد القرآن
الكريم يوضح هذه الرابطة بقوله: (وَالْمُؤْمِنُونَ
وَالْمُؤْمِنَاتُ بَعْضُهُمْ أَوْلِيَاء بَعْضٍ يَأْمُرُونَ
بِالْمَعْرُوفِ وَيَنْهَوْنَ عَنِ الْمُنكَرِ وَيُقِيمُونَ
الصَّلاَةَ وَيُؤْتُونَ الزَّكَاةَ وَيُطِيعُونَ اللّهَ ) (التوبة
: 71)، الآية المباركة تثبت مبدأ الولاء بين المؤمنين
والمؤمنات بالله سبحانه ورسالته وتثبيت قاعدة فكرية ونفسية من
أقوى قواعد البناء الاجتماعي، وفي هذه الرابطة تدخل المرأة
عنصرا أساسا مشخصا في الآية الكريمة، تدخل في دائرة الولاء،
وتتحمل مسؤولية البناء والتغيير والإصلاح الاجتماعي.
كما يتحمل الرجل بشكل متعادل، ويظهر ذلك جلياّ واضحا في النص
القرآني الآنف الذكر. وبذا تحتل المرأة الموقع ذاته في هيكلية
البنية الاجتماعية وتحمل المسؤولية من خلال رابطة الولاء
للأفراد والمجتمع والتي تحملهم السّلطة العامة فيه على
احترامها، ولو بالقوة عند الضرورة لمتطلبات الفرد والجماعة.
وانه من الطبيعي أن تختلف تبعا لذلك الوظيفة الاجتماعية للمرأة
عن وظيفة الرجل. لذا فانّ استقامة الحياة الاجتماعية تحتاج إلى
أن يحافظ كل من الرجل والمرأة على انتمائه الجنسي فتحافظ
المرأة على أنوثتها، ويحافظ الرجل على رجولته، وتشير الدراسات
العلمية إلى أن الهرمونات التي تفرزها الغدد الصماء تساهم في
تكوين الفروق النفسية والسلوكية بين الرجل والمرأة كما يساهم
الجهاز العصبي.
ولقد وضح القرآن الكريم الفارق التكويني بين الجنسين الذي تبنى
عليه الفوارق الوظيفية كما بين المشتركات التكوينية بين
الجنسين أيضا قال تعالى: ( وَلاَ َتَمَنَّوْاْ مَا فَضَّلَ
اللّهُ بِهِ بَعْضَكُمْ عَلَى بَعْضٍ لِّلرِّجَالِ نَصِيبٌ
مِّمَّا اكْتَسَبُواْ وَلِلنِّسَاء نَصِيبٌ مِّمَّا اكْتَسَبْنَ
وَاسْأَلُواْ اللّهَ مِن فَضْلِهِ إِنَّ اللّهَ كَانَ بِكُلِّ
شَيْءٍ عَلِيماً) (النساء : 32).
وأكدت السنة أن مظاهر التكامل في شخصية كل من الرجل والمرأة
ترتبط بتركيز الخصائص النوعية لدى كل منهما ومحافظتهما عليها
واعتزازهما بها. لذلك نهت السنة عن أن يتشبه أفراد الجنس
الأُنثوي بالرجال، كما نهت الرجل عن ذلك. وتفيد الدراسات
النفسية والتجارب التي أجريت على بعض حالات الانحراف النفسي
عند الجنسين، أن ميل بعض الذكور إلى التشبه بالإناث، وميل بعض
الإُناث إلى التشبه بالذكور هو حالة انحرافية، وأن هذه الحالة
يمكن السيطرة عليها ومعالجتها بالتربية والإجراءات الاجتماعية
وإعادة تنظيم شخصيتهما. وقد جاء في الحديث الشريف النهي والزجر
العنيف واللعن لهذا الصنف من الناس (2).
عن ابن عباس انه قال: (لعن رسول الله (صلى الله عليه واله وسلم)
المتشبهين من الرجال بالنساء والمتشبهات من النساء بالرجال)،
وروي عن الإمام الصادق (عليه السلام)، عن رسول الله (صلى الله
عليه واله وسلم) قوله: (كان رسول الله يزجر الرجل أن يتشبه
بالنساء، وينهى المرأة أن تتشبه بالرجال في لباسها). وأن تشخيص
تلك الفوارق يترتب عليه التسليم العلمي بالفارق الوظيفي في بعض
المجالات والتكاليف الحيوية التي كلف بها من الرجل والمرأة،
وتأسيساً على ذلك تتحدد الفوارق والمشتركات في الوظيفة
الاجتماعية. وأنّ السياسة في الفكر الإسلامي تعني شؤون الجامعة
في مجالاتها الحيوية كافة وقيادة مسيرتها في طريق الإسلام لذا
فهي مسؤولية اجتماعية عامة كلف بها الجميع، وتلك المسؤولية هي
في مصطلح العلماء واجب كفائي فيه الأمر والخطاب لعموم المسلمين
بغض النظر عن كونهم رجالاً أو نساءً إلاّ ما ورد من استثناء
مثل قوله تعالى: (أَنْ أَقِيمُوا الدِّينَ وَلَا تَتَفَرَّقُوا
فِيهِ) (الشورى : 13)، ومثل قوله تعالى: (وَعَدَ اللَّهُ
الَّذِينَ آمَنُوا مِنكُمْ وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ
لَيَسْتَخْلِفَنَّهُم فِي الْأَرْضِ كَمَا اسْتَخْلَفَ
الَّذِينَ مِن قَبْلِهِمْ) (النور : 55)، وقوله: (وَأَطِيعُواْ
الرَّسُولَ وَأُوْلِي الأَمْرِ مِنكُمْ) (النساء : 59)، وفي كل
تلك الآيات يتوجه الخطاب فيها إلى عموم الجماعة رجالاً ونساءً،
فإقامة الدين بعقيدته وبكامل أنظمته السياسية والاجتماعية
والتعّبدية..الخ هي مسؤولية الجميع، وخطاب الطاعة لأُولي الأمر
الوارد في الآية التي تحدثت عن الطاعة هو متوجه إلى جميع
المكلفين، والوعد بالاستخلاف متوجه إلى كل الذين آمنوا وعملوا
الصالحات رجالاً ونساءً وقوله تعالى: (يَا أَيُّهَا النَّبِيُّ
إِذَا جَاءكَ الْمُؤْمِنَاتُ يُبَايِعْنَكَ عَلَى أَن لَّا
يُشْرِكْنَ بِاللَّهِ شَيْئاً وَلَا يَسْرِقْنَ وَلَا يَزْنِينَ
وَلَا يَقْتُلْنَ أَوْلَادَهُنَّ وَلَا يَأْتِينَ بِبُهْتَانٍ
يَفْتَرِينَهُ بَيْنَ أَيْدِيهِنَّ وَأَرْجُلِهِنَّ وَلَا
يَعْصِينَكَ فِي مَعْرُوفٍ فَبَايِعْهُنَّ وَاسْتَغْفِرْ لَهُنَّ
اللَّهَ إِنَّ اللَّهَ غَفُورٌ رَّحِيمٌ ) (الممتحنة : 12).
ممارسة عملية ودليل قرآني نفذه الرسول (صلى الله عليه واله
وسلم) في حياته التبليغية والسياسية على قبول بيعة المرأة لولي
الأمر، بل ووجوبها، فانّ البيعة في هذه الآية هي بيعة طاعة
لولي الأمر، على الالتزام بأحكام الشريعة وقوانينها والإقرار
بولايته وتمثل البيعة أبرز مصاديق الحقوق السياسية في المجتمع
الإنساني.
ولعل من أوضح الأدلة على دور المرأة السياسي وحقوقها السياسية
في الإسلام ما جاء في آيات الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر
وآيات الولاية والولاء العامة الدلالة والشاملة للرجال والنساء.
ومن هذه الأُسس القرآنية نفهم أن الحياة السياسية مفتوحة أمام
المرأة في الإسلام كما هي مفتوحة أمام الرجل وعلى المستويين ـ
الواجب العيني والكفائي ـ أو إباحة المشاركة في الحياة
السياسية كلها ونستطيع أن نورد مثلاً علمياً لحقوق المرأة
السياسية في الإسلام، هو مشاركة المرأة الفعلية في الحياة
السياسية في كثير من البلدان الإسلامية والعربية والعالم، وهذا
حقها المطلوب في شرع الله والإنسانية فليس أمام المرأة إلاّ أن
تطالب بحقها كما حمله القرآن إليها، وتلتزم بواجبها كما حدده
القرآن لها كأم وبنت وزوجة وفرد له حق الولاء والحبّ في
المجتمع والطهر والصلاح بعد أن جربت مرارة العيش في متاهات
الحياة الغريزية المبتذلة في عصر الجاهلية والمختلفين الإعراب
والمجوس وغيرها من حضارات هدتها الرسالة الخالدة.
الهوامش:
1-كتاب الأدب /باب (27).
2-صحيح البخاري ج7/ص55.
--------------------------------------------------------------------
الأخلاق
والقرآن
* آمال علي الشوكي
قبل الدخول في بيان البعد الأخلاقي في
القرآن لابد من الوقوف على ما هو من الأخلاق لغة واصطلاحاً.
المعنى اللغوي: جاء لفظ (خُلق)، وصيغها المختلفة، في أمهات
معاجم اللغة العربية، فقد أورد (ابن منظور) في(لسان العرب)،
هذه اللفظة بصيغ عدة منها: الخِلقة (بكسر الخاء، وسكون اللام)
بمعنى الفطرة، والخُلْق (بضم الخاء وسكون اللام)، والخُلُق (بضم
الخاء واللام)، بمعنى السجية والطبع والدين(1).والسجية هي ما
خلق عليه من الطبع، وحقيقة الخلق أنها صورة الإنسان الباطنة،
هي نفسه، واوصافها، ومعانيها المختصة بها، بمنزلة الخلق لصورته
الظاهرة، وأوصافها، ومعانيها، ولهما -صورة الإنسان الباطنة
أكثر مما يتعلقان بأوصاف الصورة الظاهرة(2).
أما الأخلاق اصطلاحاً: هي بصفة عامة توضح معنى الخير والشر وما
ينبغي أن تكون عليه معاملة الناس بعضهم البعض وفق قواعد
ومعايير من شأنها أن تتيح لنا أن نحكم على أعمال الناس بالخير
والشر وهكذا تهتم الأخلاق بتحديد الشيء الذي يمكن أن نعده خيراً
أقصى، ومعنى الإلزام الخلقي وتحديد الملكة أو القدرة أو القوة
التي يستطيع المرء عن طريقها التعرف على معنى الإلزام الخلقي،
وقد عرفها الغزالي في أحياء علوم الدين حيث قال (الخُلق: عبارة
عن هيئة في النفس راسخة تصدر عنها الأفعال بسهولة ويسر من غير
حاجة إلى فكر وروّية فإن كانت الهيئة بحيث تصدر عنها الأفعال
الجميلة المحمودة عقلاً وشرعاً، سميت تلك الهيئة خُلقاً حسناً).
تأكيد البعد الأخلاقي في القرآن
أهتم القرآن الكريم اهتمام واسع بالجانب الأخلاقي ولأهمية هذا
الجانب فقد أفردت له آيات عديدة بينما هناك أحكام أفردت لها
آية ونصف آية فقط، لعل السر في عناية القرآن الكريم بهذا الأصل
، هو ما ذكره في قوله تعالى: (فَبِمَا رَحْمَةٍ مِّنَ اللّهِ
لِنتَ لَهُمْ وَلَوْ كُنتَ فَظّاً غَلِيظَ الْقَلْبِ
لاَنفَضُّواْ مِنْ حَوْلِكَ فَاعْفُ عَنْهُمْ وَاسْتَغْفِرْ
لَهُمْ وَشَاوِرْهُمْ فِي الأَمْرِ فَإِذَا عَزَمْتَ
فَتَوَكَّلْ عَلَى اللّهِ إِنَّ اللّهَ يُحِبُّ
الْمُتَوَكِّلِينَ)(آل عمران : 159)(3). هنا التأكيد على الدور
الذي لعبه الجانب الأخلاقي في تثبيت ونشر الدعوة الإسلامية
فلولا الأخلاق الحسنة لشخص الرسول الأعظم (صلى الله عليه وآله
وسلم) لتفرق المسلمين من حوله فالإنسان يميل إلى من يكون رحيماً
يصفح عن الزلات ويعين الضعفاء، ويبتعد عن الفض الغليظ القلب،
إذن لولا خُلُق الرسول الأعظم لانفضوا من حوله ولم يبلغ الرسول
تعاليم الله وفات المقصود من البعثة. وهناك آيات قرآنية أكدت
على سمو أخلاق النبي محمد (صلى الله عليه وآله وسلم) وهي كثير
منها ما ذكر في سورة القلم (وَإِنَّكَ لَعَلى خُلُقٍ عَظِيمٍ)
(القلم : 4)، وكذلك قوله تعالى في سورة الحج (إِنَّكَ لَعَلَى
هُدًى مُّسْتَقِيمٍ) (الحج : 67)، وقال تعالى في سورة الزخرف (إِنَّكَ
عَلَى صِرَاطٍ مُّسْتَقِيمٍ) (الزخرف : 43). وهكذا يتبين لنا
أن الرسول الأعظم هو المثل الأعلى للمؤمنين فهو يحمل هذا النور
الأخلاقي الساطع الذي لابد أن يكون هو ذاته النور الذي نقتدي
به، لهذا ندعو دعوة صادقة إلى التحلي بالأخلاق الحميدة والتخلي
عن الأخلاق وذمائمها وليكن رسول الله لنا اسوة كي ننهض
بمجتمعنا نحو الأفضل نحو نهج الرسول والأئمة الأطهار (عليهم
السلام)، فأخلاق الإنسان قابلة للتغير كما ورد في القرآن
الكريم قوله تعالى: (قَدْ أَفْلَحَ مَن زَكَّاهَا * وَقَدْ
خَابَ مَن دَسَّاهَا) (الشمس:9،8) تؤكد هاتان الآيتان حقيقة
مهمة وهي: إن بإمكان الإنسان أن ينمي نفسه ويكملها من خلال
طلبه للأخلاق الحسنة، وإلاّ لو لم يكن ذلك مقدوراً لهُ، لما
أشارت الآيتان إلى فلاح من يزكي نفسه وخيبة من يدسها.
فالإنسان قادر على أن يختار الأخلاق الحميدة والحسنة وأن يتجنب
الأخلاق الرذيلة والسيئة، وأنه ليس مجبوراً على إحداهما ولا
فاقداً لاختياره تجاههما، والأخلاق الإنسانية قابلة للتغير من
خلال طرق مختلفة منها:
1-ـتهذيب الأخلاق بالغايات الدنيوية:
يقوم هذا المسلك على حثّ الإنسان ودفعة وإيجاد الداعي فيه إلى
القيام بالأعمال الحسنة وإلى إصلاح نفسه من خلال الجزاء
والمصالح الدنيوية من جاه أو مال أو ثناء أو ذكر حسن، وعلى
تحذيره من القيام بالأعمال السيئة وذمها من خلال بيان المساوئ
والمضارّ الدنيوية المترتبة عليها لكن الجزاء المترتب على
العمل يكون جزاءً دنيوياً ومن الواضح أن مثل هذا الجزاء مهما
طال به الزمن فهو منقطع الآخر وإلى زوال، وكذلك هو جزاء
اعتباري لا حقيقي، فالثناء الجميل والذكر الحسن والسمعة الطيبة
وغيرها كلها أمور اعتبارية لتنظيم الحياة الاجتماعية ليس إلا.
هذا الطريق الذي سلكه الفلاسفة وعلماء الأخلاق السابقون ولم
يستعمله القرآن والسر في القرآن ان القرآن الكريم لا يمكن أن
يدعو الناس إلى هذا الأمر على أساس دنيوي وجزاء زائل اعتباري.
2- تهذيب الأخلاق من خلال الغايات الأخروية:
يقوم هذا المسلك على دعوة الإنسان وحثه على الأنصاف بالخصال
الحسنة والحميدة وعلى اجتناب العادات الرديئة والسيئة وذلك من
خلال الجزاء الأخروي ثواباً أو عقاباً فهنا قد يكون معجلاً
ومرتبطاً كما في الطريق الأول، قد يكون مؤجلاً ويُعطى للإنسان
في الآخرة كما هو في الطريق الثاني. ولهذا الطريق خصائص أنه
يصلح ظاهر العمل وباطنه لأن المجازي هو الله سبحانه وتعالى
الذي لا يغيب عن علمه مثقال ذرة في الأرض ولا في السماء، وكذلك
في هذا الطريق جزاء دائم لأنه جزاء أخروي والآخرة لا تزول
لأنها باقية بإرادة الله سبحانه وتعالى وهذا الطريق في إصلاح
الأخلاق هو طريق الأنبياء، وهناك أمثلة كثيرة في القرآن
فالقرآن الكريم لم يتجاوز هذا الطريق بل أعتبره طريقاً جيداً
لإصلاح النفوس من خلال الترهيب والتحذير من النار والترغيب في
الجنة هناك آيات كثيرة أشارت إلى هذا الطريق، قال تعالى: (إِنَّ
اللّهَ اشْتَرَى مِنَ الْمُؤْمِنِينَ أَنفُسَهُمْ
وَأَمْوَالَهُم بِأَنَّ لَهُمُ الجَنَّةَ) (التوبة:111)، وقال
تعالى في سورة الزمر الآية (10) (إِنَّمَا يُوَفَّى
الصَّابِرُونَ أَجْرَهُم بِغَيْرِ حِسَابٍ) وكذلك قوله تعال: (إِنَّ
الظَّالِمِينَ لَهُمْ عَذَابٌ أَلِيمٌ) (ابراهيم:22) وهذا
الطريق هو الغالب على الناس في تهذيب أخلاقهم وإصلاحها.
3- الحب الإلهي يقوم هذا الطريق على ركنين:
الأول: هو ركن المعرفة والعلم بأن يعطي الإنسان علوماً ومعارف
توصله إلى التوحيد الخالص، فمن أراد العمل فعليه أن يعرف الله
أولاً فيعرف أن العزة والقوة والملك لله وحده تبارك وتعالى
وأنه لا يوجد شيء في العالم صغر أو كبر، إلاّ بإذنه تبارك
وتعالى وحينئذ لن يتوجه مثل هذا الإنسان إلى الناس وإلى ما في
أيديهم أنه يعرف حق المعرفة أن الغني منهم لا يملك و لا يعطي
ولا يمنع إلا بإذن الله فلا يرجوه وان القوي منهم لا يعز ولا
يذل ولا يضر ولا ينفع إلا بإذن الله.
الثاني: هو ركن العمل فبعد أن يتعلم الإنسان التوحيد، عليه أن
يتحقق بالتوحيد العملي والطريق إلى ذلك هو الحب فلا يحبّ غير
الله فالإنسان إذا أحب شيئاً أطاعه وعبده فإنّ من آثار الحب
الطاعة والعبادة فمن أحب الله عبده ومن أحب الدنيا الزائلة
عبدها، ولا يعني هذا حرمه الاستفادة من الدنيا أو أن يملك
الإنسان فيها شيئاً ما، فإنّ القرآن الكريم لم يحرم ولم يمنع
الإنسان المسلم من أن يتزوج أو أن يكون له مال أو ولد، بل له
كل ذلك، بشرط أن لا يتعلق قلبه بهذه الأمور لأنها إلى زوال
وفناء، فقال: (لَن تَنَالُواْ الْبِرَّ حَتَّى تُنفِقُواْ
مِمَّا تُحِبُّونَ وَمَا تُنفِقُواْ مِن شَيْءٍ فَإِنَّ اللّهَ
بِهِ عَلِيمٌ) (آل عمران : 92) إشارة إلى أن نيل البر لا يتم
حتى ينفق الإنسان مما يحبه بحيث لا يستطيع هذا الشيء الذي يحبه
أن يتملكه فيكون عبده ولا يتمكن من إنفاقه في سبيل الله.
والخلاصة ان على الإنسان يجعل قلبه متعلقاً بالله سبحانه
وتعالى وحده (مَّا جَعَلَ اللَّهُ لِرَجُلٍ مِّن قَلْبَيْنِ
فِي جَوْفِهِ) (الأحزاب:4) إذ لا يجتمع حب الله تبارك وتعالى
وحبّ الدنيا في قلب واحد، ومن يسلك هذا الطريق هم العلماء
بالله الذين لا يعبدونه خوفاً من عقابه ولا طمعاً في جنته
وإنما يعبدونه لأّنه أهل للعبادة ومن الواضح أن هذا المقام لا
يصله إلاّ النبي الأكرم وأهل بيته (عليهم السلام).
ومع هذا كله، فإنّ بإمكان الإنسان أن يروض نفسه من أجل
الارتقاء إلى ذلك المقام العالي، فلا يقرأ دعاء مثلاً ولا يصلي
صلاة و لا يفعل فعلاً ونظره المباشر إلى ثواب تلك الأعمال التي
يقوم بها بل ينظر إلى العمل بذاته وإلى محتواه، وأنّ ما يقوم
به هو عبادة الله سبحانه وتعالى قبل كل شيىء، وهكذا وبتكرار
هذا العمل يحصل على القدرات التي تؤهله لأن يرتقي وأن يصل إلى
ما يصبو إليه.
فضائل الأخلاق ورذائلها
فضائل الأخلاق من المنجيات الموصلة إلى السعادة الأبدية،
ورذائلها من المهلكات الموجبة للشقاوة السرمدية، فالتخلي عن
الثانية والتحلي بالأولى من أهم الواجبات. والوصول إلى الحياة
الحقيقة بدونهما من المحالات، فيجب على كل عاقل أن يجتهد في
اكتساب فضائل الأخلاق التي هي الأوساط إشارة إلى أن الفضيلة
وسط بين طرفين مرذ ولين ـ والابتعاد عن رذائلها وهي الأطراف ،
ولو قصّر أدركته الهلاكة الأبدية، إذ كما ان الجنين لو خرج عن
طاعة ملك الأرحام المتوسط في الخلق لم يخرج إلى الدنيا سوياً
سميعاً بصيراً ناطقاً، كذلك من خرج عن طاعة نبي الأحكام
المتوسط في الخلق لم يخرج إلى عالم الآخر كذلك قال تعالى: (وَمَن
كَانَ فِي هَـذِهِ أَعْمَى فَهُوَ فِي الآخِرَةِ أَعْمَى
وَأَضَلُّ سَبِيلاً) (الإسراء:72).
الأخلاق الذميمة تحجب عن المعارف
الأخلاق المذمومة هي الحجب المانعة عن المعارف الإلهية،
والنفحات القدسية إذ هي منزلة الغطاء للنفوس، فالقلوب كالأواني
فإذا كانت مملوءة بالماء لا يدخلها الهواء، فالقلوب المشغولة
بغير الله لا تدخلها معرفة الله وحبه وأنسه وإلى ذلك أشار
النبي (صلى الله عليه وآله سلم) بقوله: (لولا الشياطين يحرمون
إلى قلوب بني آدم لنظروا إلى ملكوت السموات والأرض)، فبقدر ما
تتطهر القلوب عن هذه الخبائث تتحاذى نحو الله وتتلألأ فيها
حقائقه كما أشار إليه (صلى الله عليه وآله سلم) (ان لربكم في
أيام دهركم نفحات ألا فتعرضوا لها) فأن التعرض لها إنما هو
بتطهير القلوب عن الكدورات الحاصلة عن الأخلاق الرديئة فكل
إقبال على طاعة وإعراض عن سيئة يوجب جلاء ونوراً للقلب يستعد
به إلى علم يقيني ولذا قال تعالى: (وَالَّذِينَ جَاهَدُوا
فِينَا لَنَهْدِيَنَّهُمْ سُبُلَنَا) (العنكبوت:69).
من هنا نصل إلى إن البحث في الجانب الخُلقي في القرآن واسع إلى
حد لو أعدنا له الكثير من البحوث لم نحصِ الجوانب الخلقية
بكاملها، فهذه الدراسة هي قطرة في بحر هذا الموضوع الكبير
المتشعب الجوانب ونرجو في المستقبل القريب أن نجد دراسات واسعة
في هذا الجانب الحياتي المهم.
المصادر والمراجع
1-القرآن الكريم.
2-ابن منظور ، لسان العرب ، مج1، دار لسان العرب، بيروت.
3-السيد مرتضى الزبيدي، تاج العروس من جواهر القاموس،ج6،
4-الحسن بن الفضل الطبرسي، مكارم الأخلاق،ط2، مؤسسة الاعلمي
للمطبوعات، بيروت، 2001م.
5-كمال الحيدري ، التربية الروحية بحوث في جهاد النفس ، النجف
، 2000م.
6-كمال الحيدري، في ظلال العقيدة والأخلاق، دار فراقد، 2004م.
7-محمد مهدي النراقي، جامع السعادات،ج1،ط5، مطبعة اسماعليان،
قم.
الهوامش
1-ابن منظور: لسان العرب: مج دار لسان العرب بيروت ص889 (مادة:خلق).
2-السيد مرتضى الزبيدي، تاج العروس من جواهر القاموس: ج6،
ص337، (مادة:خلق).
3-السيد كمال الحيدري، في العقيدة والأخلاق، دار الفرقد، ص7
|