|
مصطلحات
قرآنية
(أحسن)
في القرآن
(الَّذِي خَلَقَ الْمَوْتَ
وَالْحَيَاةَ لِيَبْلُوَكُمْ أَيُّكُمْ أَحْسَنُ عَمَلاً)
• أبو الاء البحراني
لما كان تعالى مبدأ الخير، ومنبع الجود،
وأصل الكمال والجمال الذي ليس كمثله شيىء في كمال ذاته وسمو
صفاته، وإتقان أفعاله، فما صدر منه تعالى إلا أحسن على صعيد
الخلق والتشريع. ثم أنه تعالى دعا عباده إلى ما هو أحسن ونهاهم
عما دون ذلك.
قال تعالى: ( وَأَنَّ هَـذَا صِرَاطِي مُسْتَقِيماً
فَاتَّبِعُوهُ وَلاَ تَتَّبِعُواْ السُّبُلَ.. ) ( الأنعام:
153 ) فسبيله أحسن السبل؛ لأنه الحق الذي ليس بعده الضلال إلا
غيره.
إن الصراط المستقيم الذي نسأل الله تعالى أن يهدينا إليه
ويوفقنا لسلوكه هو صراط لا ظلم فيه ولا شرك، على حد ما ذكره
العلامة الطباطبائي في تفسير سورة الحمد. وهذا أمر لا نقوى
عليه وأين نحن من هذا الصراط الذي لا شائبة فيه من أصول
المهلكات الثلاث، غير أن التدقيق في الأمر له وجه آخر فأن الله
تعالى ما دعانا إلى أمر إلا وكانت هناك إمكانية لسلوكه فأن كان
المعصوم ( عليه السلام ) مصداقاً للصراط المستقيم فأن غيره
يمكن أن يسلك سبيلاً ينتهي به إلى الصراط المستقيم، قال الامام
الصادق ( عليه السلام ) ( الصراط المستقيم أمير المؤمنين ) (
تفسير الميزان سورة الحمد ) فهو ( عليه السلام ) يمثل الكمالات
البشرية وغيره من المؤمنين يتصف بنصيب ما من الكمال، ثم إن
معرفة المؤمن بعجزه عن إحراز كمالات الصراط المستقيم يخلق في
نفسه حالة من الانكسار أمام الله وهو تعالى عند المنكسرة
قلوبهم وهذا ارتقاء روحي بمظهر آخر والنفس هنا لوامة مع ما
تأتي به من الخيرات، قال تعالى: ( وَالَّذِينَ يُؤْتُونَ مَا
آتَوا وَّقُلُوبُهُمْ وَجِلَةٌ أَنَّهُمْ إِلَى رَبِّهِمْ
رَاجِعُونَ ) ( المؤمنون:60 )، ومن هنا يزداد التعلق بالرحمة
الإلهية دون الاتكاء على أعمالنا وإن كثرت.
موارد أحسن بالقرآن
إن لأحسن في كتاب الله العزيز أبعاداً متعددة تبعاً لزاوية
النظر ومورد التأمل في الآيات الكريمة وكما يأتي:-
أولاً: أحسن من الله
أ ـ أحسن في مجال الخلق والتكوين والصنع والإبداع.
قال تعالى: ( الَّذِي أَحْسَنَ كُلَّ شَيْءٍ خَلَقَهُ.. ) (
السجدة: 7 ) فالإنسان بحسب الخلقة والصياغة والتكوين مقولب
بأحسن قوام، قال تعالى: ( لَقَدْ خَلَقْنَا الْإِنسَانَ فِي
أَحْسَنِ تَقْوِيمٍ ) ( التين: 4 )، بمعنى وجدانه ولياقته
الروحية للارتقاء والفوز بحياة سعيدة لا شقاء فيها من خلال
العلم النافع والعمل الصالح. ولا ينحصر الخلق في أحسن تقويم
باعتدال القامة ومرونة الجوارح وحسن الصورة وما إلى ذلك، بل
المقصود فعلاً هو اللياقة الروحية للارتقاء والاستعداد العقلي
للسفر الرباني عند الانصباغ بصبغة الله التي لا أحسن منها.
والدليل على ذلك أن الذين أمنوا وعملوا الصالحات لو يُردوا إلى
أسفل سافلين ولم يحرموا من التوفيق الإلهي والقيوضات الربانية
لوجدناهم حسن السيرة وصلاح السريرة.
فمن رُدَّ أسفل سافلين وحل عليه غضب الله يشارك الذين أمنوا
وعملوا الصالحات بالصورة الإنسانية الخارجية ولكن لا يشاركهم
في الصورة الباطنية والنفس المزكاة. فليس مدار الأمر حسن
الظاهر فإنك إذا رأيت أجسام المنافقين تعجبك غير إن منطقهم
يكشف عن سرائرهم بحيث وصفهم القرآن بالخُشُب المسندة.
واليد الإلهية أحسنت ما صورت قال تعالى: ( ..وَصَوَّرَكُمْ
فَأَحْسَنَ صُوَرَكُمْ.. ) ( غافر:64 ). فأحسن الصور تنطوي على
جنبة روحية هي التي تصعد إلى ربها وترتقي أعلى عليين، أما أحسن
صورة فقد رجعت إلى التراب. إن صفحة الوجود بكل مفرداتها
التكوينية قد أحسن الله خلقها بمعنى ملائمة المخلوقات لما خلقت
له بحيث تسير إلى الغاية النهائية بكل طواعية واستسلام من دون
شائبة عصيان أو تمرد. إن شبكة التكوين متقنة مترابطة ومحكمة في
تدبيرها وليس هناك من تفاوت في خلق الرحمن ( ..فَتَبَارَكَ
اللَّهُ أَحْسَنُ الْخَالِقِينَ ) ( المؤمنون: 14 )، وهذه
الحقيقة تحتم على العقلاء التوجه إلى الخالق بالعبادة والإعراض
عما سواه قال تعالى: ( أَتَدْعُونَ بَعْلاً وَتَذَرُونَ
أَحْسَنَ الْخَالِقِينَ ) ( الصافات: 125 ).
ب ـ أحسن على الصعيد التشريعي والهداية إلى الحق
قال تعالى: ( اللَّهُ نَزَّلَ أَحْسَنَ الْحَدِيثِ كِتَاباً
مُّتَشَابِهاً مَّثَانِيَ.. ) ( الزمر:23 ) فهو القرآن الذي
لاعوج فيه، فيه شفاء للصدور، ولا يلائم الإنسان إلا أحسن
الحديث فهو الذي إن إتبعه أوصله إلى الغاية وأورده منازل
السعداء في جنات النعيم. وفي القرآن أحسن حُكُم وأحسن منهاج
للسعادة قال تعالى: ( أَفَحُكْمَ الْجَاهِلِيَّةِ يَبْغُونَ
وَمَنْ أَحْسَنُ مِنَ اللّهِ حُكْماً لِّقَوْمٍ يُوقِنُونَ ) (
المائدة: 50 ) فحكمُه تعالى أحسن حُكم وقد قضى أن لا يعبد
الناس إلا إياه.
ثم دعا تعالى عباده وأمرهم بإحياء شرعه بالإتباع والعمل قال
تعالى: ( ..وَاتَّبِعُوا أَحْسَنَ مَا أُنزِلَ إِلَيْكُم مِّن
رَّبِّكُم ) ( الزمر:55 )، وهذا الإتباع بقوة القلوب إيماناً
وبقوة الأبدان عملاً وهؤلاء لهم البشرى قال تعالى: ( الَّذِينَ
يَسْتَمِعُونَ الْقَوْلَ فَيَتَّبِعُونَ أَحْسَنَه.. ) (
الزمر:18 ) أي أولاه بالقبول والعمل به وأرشده إلى الحق.
ويضرب تعالى لعباده الأمثال والقصص ليأخذوا منها العبر والدروس
وكل ما يقربهم إلى الله ورحمته قال تعالى: ( نَحْنُ نَقُصُّ
عَلَيْكَ أَحْسَنَ الْقَصَصِ.. ) ( يوسف:3 ). وأحسن القصص
يمّكن من العلاقة بين العبد وربه بالإخلاص والتقوى والإحسان
قال تعالى: ( قَالُواْ أَإِنَّكَ لَأَنتَ يُوسُفُ قَالَ أَنَاْ
يُوسُفُ وَهَـذَا أَخِي قَدْ مَنَّ اللّهُ عَلَيْنَا إِنَّهُ
مَن يَتَّقِ وَيِصْبِرْ فَإِنَّ اللّهَ لاَ يُضِيعُ أَجْرَ
الْمُحْسِنِينَ ) ( يوسف:90 ). إن أحسن القصص سلوك عملي
لأولياء الله بالصبر والتقوى في خضم الفتن والبلاء متى يُخرجوا
من الاختبار بالفوز والفلاح، إنها رحلة من قعر غياهب الجب إلى
أن ( وَرَفَعَ أَبَوَيْهِ عَلَى الْعَرْشِ.. ) ( يوسف:100 )
وكل ذلك فعل الله بالأولياء ( ..وَقَدْ أَحْسَنَ بَي إِذْ
أَخْرَجَنِي مِنَ السِّجْنِ وَجَاء بِكُم مِّنَ الْبَدْوِ.. )
( يوسف:100 ).
المراد من الإنسان أحسن
رأينا كيف أن الله خلق فأحسن وشرع فأحسن فأراد منا ما هو أحسن
والضرورة الأخلاقية تدعو إلى ذلك وتحكم به، فليس للإحسان من
جزاء إلا الإحسان.
لقد أراد تعالى من عباده نشر الكلمة الطيبة في المجتمع
وتجسيدها بالسلوك والأخلاق الحميدة، قال تعالى: ( وَقُل
لِّعِبَادِي يَقُولُواْ الَّتِي هِيَ أَحْسَنُ.. ) (
الإسراء:53 )، إن قول ما هو أحسن يبعث في النفوس جوانب الخير
ويرتقي بالمجتمع إلى مستوى أفضل. أما الاختلاف في المواقف حيال
الأمور فإنه بالإمكان حسمه بأحسن السبل قال تعالى: ( ..وَجَادِلْهُم
بِالَّتِي هِيَ أَحْسَنُ.. ) ( النحل:125 ) من أجل الوصول إلى
الحق دون إساءة وخدش مشاعر الآخرين وعواطفهم.
إن طبيعة الدين الإسلامي تحتم على المسلمين مراعاة جوانب
الرحمة واللين في المعاملة والتعايش حتى مع من يكّن العداء،
قال تعالى: ( ..ادْفَعْ بِالَّتِي هِيَ أَحْسَنُ.. ) (
المؤمنون:96 ). إن الفطرة السليمة تقضي بأن يحسن الإنسان لمن
أحسن إليه وأول المحسنين هو الله ومن أحسن إلى عباد الله فقد
أحسن إلى الله والأمر واضح قال تعالى: ( ..وَأَحْسِن كَمَا
أَحْسَنَ اللَّهُ إِلَيْكَ.. ) ( القصص:77 )، ثم أثنى تعالى
على طائفة من عباده المحسنين الذين اتصفوا بإسلام الوجه لله
تعالى: ( وَمَنْ أَحْسَنُ دِيناً مِّمَّنْ أَسْلَمَ وَجْهَهُ
لله وَهُوَ مُحْسِنٌ.. ) ( النساء:125 ) فمن استقام على طريق
الحق فأنه تعالى يأخذ بيده في أشد الظروف وأصعبها كما نلاحظ
شمول العناية الإلهية بيوسف ( عليه السلام ) وصرف تعالى عنه
السوء والفحشاء فهو في مأمن من دنسهما. ويوسف ( عليه السلام )
يعيش عن وعي برعاية الله له ودفع الأعزاء وهو يقول: ( ..إِنَّهُ
رَبِّي أَحْسَنَ مَثْوَايَ.. ) ( يوسف:23 ) وليس من كرم
الأخلاق مقابلة الإحسان بالعصيان.
وأثنى تعالى على طائفة من عباده طابق فعلهم قولهم الحسن في
دعوتهم إلى الله وقرنوا النظرية بالتطبيق قال تعالى: ( وَمَنْ
أَحْسَنُ قَوْلاً مِّمَّن دَعَا إِلَى اللَّهِ وَعَمِلَ
صَالِحاً.. ) ( فصلت:33 ).
وقد أولى الإسلام اهتماما كبيراً لمسألة بث روح الأخوة والمحبة
والألفة على مختلف طبقات المجتمع وأراد تماسكهم بوسائل مختلفة
خارج نطاق المساعدات والمعونات المادية ومن تلك السبل إشاعة
السلام وتحية الإسلام قال تعالى: ( وَإِذَا حُيِّيْتُم
بِتَحِيَّةٍ فَحَيُّواْ بِأَحْسَنَ مِنْهَا.. ) ( النساء:86 )،
إن الرد بأحسن له ثمرات نفسية إيجابية على الطرفين.
وأكد القرآن على إتباع أحسن سلوك ومعاملة تحفظ مال اليتيم قال
تعالى: ( وَلاَ تَقْرَبُواْ مَالَ الْيَتِيمِ إِلاَّ بِالَّتِي
هِيَ أَحْسَنُ.. ) ( الأنعام:152 ) لحفظ ماله حتى يبلغ أشده.
إن أفضل الأعمال إلى الله بعد معرفته هو العمل الصالح المقصود
به وجهه طلباً لمرضاته ونيل الثواب من عنده، لكن الناس
يتفاوتون في كمال أعمالهم ونقصها وخلوصها وشوبها ومع ذلك فأنه
سبحانه يتجاوز عن جوانب النقص في أعمال عباده ويأخذ ما كان
أحسنها ويرفع الناقص إلى مستوى التام قال تعالى: ( وَالَّذِينَ
آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ لَنُكَفِّرَنَّ عَنْهُمْ
سَيِّئَاتِهِمْ وَلَنَجْزِيَنَّهُمْ أَحْسَنَ الَّذِي كَانُوا
يَعْمَلُونَ ) ( العنكبوت:7 ) وكل ذلك بحكم سعة رحمته ودوام
فضله وسوابق كرمه.
ثم يتقبلها تعالى بأحسن القبول ويعطي عليها أجزل الثواب ويورد
أصحابها دار كرامته وفاءً منه سبحانه بوعده وهو لا يخلف
الميعاد قال تعالى: ( وَوَصَّيْنَا الْإِنسَانَ بِوَالِدَيْهِ
إِحْسَاناً حَمَلَتْهُ أُمُّهُ كُرْهاً وَوَضَعَتْهُ كُرْهاً
وَحَمْلُهُ وَفِصَالُهُ ثَلَاثُونَ شَهْراً حَتَّى إِذَا بَلَغَ
أَشُدَّهُ وَبَلَغَ أَرْبَعِينَ سَنَةً قَالَ رَبِّ
أَوْزِعْنِي أَنْ أَشْكُرَ نِعْمَتَكَ الَّتِي أَنْعَمْتَ
عَلَيَّ وَعَلَى وَالِدَيَّ وَأَنْ أَعْمَلَ صَالِحاً تَرْضَاهُ
وَأَصْلِحْ لِي فِي ذُرِّيَّتِي إِنِّي تُبْتُ إِلَيْكَ
وَإِنِّي مِنَ الْمُسْلِمِينَ * أُوْلَئِكَ الَّذِينَ
نَتَقَبَّلُ عَنْهُمْ أَحْسَنَ مَا عَمِلُوا وَنَتَجاوَزُ عَن
سَيِّئَاتِهِمْ فِي أَصْحَابِ الْجَنَّةِ وَعْدَ الصِّدْقِ
الَّذِي كَانُوا يُوعَدُونَ ) ( الاحقاف:15ـ16 )، فأخذ تعالى
أحسن أعمالهم بأحسن قبول وتجاوز عن سيئاتهم وأدخلهم دار كرامته.
|