الرئيسية

مفاهيم قرآنية

التسبيح في القرآن الكريم

* د. قاسم كتاب عطا الله

التسبيح في اللغة هو التنزيه، وسبَّح الله نزَّهه عن كل ما لا يليق به تعالى (وسبحان الله: معناه تنزيهاً لله من الصاحبة والولد، وقيل: تنزيه الله تعالى عن كل ما لا ينبغي له أَن يوصف به تقول: سَبَّحْتُ الله تسبيحاً له أَي نزهته تنزيهاً (1).
أمـا في الاصطلاح فجُعل (عاما في العبادات قولا كان، أو فعلا، أو نية، قال: (فَلَوْلَا أَنَّهُ كَانَ مِنْ الْمُسَبِّحِينَ) (الصافات: 143)، قيل من المصلين، والأولى أن يحمل على ثلاثتها) (2)، وقيل هو (قول أو مجموع قول مـع عمـل يدل على تعظيم الله تعالى وتنزيهه) (3). لذلك ورد الأمر بتسبيحه تعالى في القرآن الكريم في عدة آيات، وقد جاء هذا الأمر على ثلاث صور هي (4):-
1- الأمر بتسبيح الله تعالى مباشرة، نحو قوله: (يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اذْكُرُوا اللَّهَ ذِكْـراً كَثِيراً * وَسَبِّحُـوهُ بُكْـرَةً وَأَصِيلا) (الأحزاب:41-42)، وقوله جل وعلا (سُبْحَانَ اللَّهِ عَمَّـا يَصِفُونَ) (الصافات:159).
2- الأمر بتسبيح اسم الله تعالى، كقوله جل علا: (سَبِّحِ اسْمَ رَبِّكَ الأَعْلَى) (الأعلى:1).
3- الأمر بتسبيح صفة من صفات الله تعالى، وهو ما اختصت به صفة الحمد فقط كقوله تعالى: (فَسَبِّحْ بِحَمْدِ رَبِّكَ وَكُن مِّـنَ السَّاجِدِينَ) (الحجر:98).
وفرَّق ابن عاشور بين الأول والثاني اعتماداً على القول والتفكُّر، (فتسبيح اسم الله النطق بتنزيله في الخويصة وبين الناس بذكر يليق بجلاله من العقائد والأعمال كالسجود والحمد. ويشمل ذلك استحضار الناطق بألفاظ التسبيح معاني تلك الألفاظ، إذ المقصود من الكلام معناه. وبتظاهر النطق مع استحضار المعنى يتكرر المعنى على ذهن المتكلم ويتجدد ما في نفسه من تعظيم الله تعالى. وأما تفكر العبد في عظمة الله تعالى وترديد تنزيهه في ذهنه، فهو تسبيح لذات الله ومسمى اسمه ولا يُسمى تسبيح اسم الله لأنَّ ذلك لا يجري على لفظ من أسماء الله تعالى فهذا تسبيح ذات الله وليس تسبيحاً لاسمه) (5). وأشار السيد الطباطبائي إلى أنَّ تنزيه الاسم (إنَّما يقع في القول) (6).
وذهب شهيد المحراب السيد محمد باقر الحكيم (قدس سره) إلى (أنَّ المراد من التسبيح في شكله الأول هو تنزيه الله عز وجل بحسب مضمون التسبيح وواقعه، أي تسبيحه بالحمل الشائع الصناعي كما يُقال في علم المنطق، فإذا أردنا أنْ نذكر واقع التنزيه والتسبيح لله تبارك وتعالى فلا بد أنْ نأتي بالتسبيح منسوباً إليه مباشرةً (سبحان ربك.. سبحان الله..)، ويكون العبد حينئذ ٍفي مقام تنزيه الباري عز وجل تنزيهاً واقعياً خارجياً، وأما إذا أراد العبد تنزيه البارئ عز وجل ضمّن شعيرة معينة وضمّن إطاراً وشكلاً معيناً للتنزيه والتسبيح بحيث يُؤخذ الشكل والصورة والصيغة والهيكلية بعين الاعتبار أي تسبيحه (بالحمل المفهومي) ولا يكتفي فيه بمجرد واقعه، بل يُنظر فيه إلى مفهوم التسبيح ولا يقتصر على مضمونه، فحينئذٍ تستخدم كلمة (الاسم) وينسب إليها التسبيح لتحصيل هذا الأمر) (7).
ونرى أنَّ رأي شهيد المحراب السيد محمد باقر الحكيم (قدس سره) هو الأرجح في هذه المسألة، فالأمر لا يتعلق بالعبد وكيفية تسبيحه، سواءًً كان بالقول أم بالتفكر، إنَّما يتعلق بالله سبحانه وتعالى، والمراد من ذلك التسبيح. فتسبيح الله تعالى أعم وأشمل؛ لأنَّه يعني تسبيحه بكل صفاته وأفعاله، وهو تسبيح غير مقيد بزمان أو مكان، ولا بفعل أو بقول، أما تسبيح (اسم الرب) فهو مقيد بالصفة المذكورة، فـ (سبح اسم ربك الأعلى) يعني سبِّحه في صفة العلو و القدرة خاصة، و (سبِّح اسم ربك العظيم) سبِّحه في صفة العظمة خاصة.
وعلة ذلك أنَّ تسبيحه تعالى في تلك الصفة هو المطلوب، لبيان بديع فعله متصفاً بها، وهو شبيه بدعاء العبد إذا احتاج إلى عطاء ربه متصفاً بإحدى صفاته، فالمريض يدعوه بالمشافي ليشافيه، والمكروب يدعوه بالمفرِّج ليفرِّج عنه، وهكذا، فـ (سبح اسم ربك الأعلى) يعني سبِّحه في صفة العلو والقدرة، لأنَّها دليل تمكنه وقهره وغلبته، لذلك جاءت الآيات بعدها تبين ذلك التمكن وتلك الغلبة، فهو (الَّذِي خَلَقَ فَسَوَّى * وَالَّذِي قَدَّرَ فَهَدَى * وَالَّذِي أَخْرَجَ المَرْعَى * فَجَعَلَهُ غُثَاءً أَحْوَى) (الأعلى:2-5).
وكل ذلك مما تفرد به سبحانه وتعالى، فاقتضت الحكمة (أنْ تلحظ هذه الأسماء لحاظاً واضحاً، وأنْ تُقصد بعناوينها التفصيلية ولا تكون لمجرد الإشارة إلى الذات المقدسة، فالتركيز على هذه الأسماء لمدى أهميتها، لا على الذات. ولو كان التركيز على الذات لانمحت استقلالية، وتفاصيل هذه الأسماء وهذا خلاف الحكمة) (8).
يدل علـى ذلك أنَّ الاسم دائماً يُضاف إلـى الرب لا إلى الله تعالى، وفي هذا حكمة تناسب المقام. ذلك أنَّ اسم الرب من صفات الفعل لا من أسماء الذات كاسم الله. فالربوبية صفة فعلية تتعلق بتدبير الخلق وتستلزم وجودهم، أما الإلوهية فصفة ذاتية خاصة بالله سبحانه دون علاقة فعلية صادرة من الله نحو خلقه) (9). وبعيداً عن كل ذلك فالنغم الموسيقي الهادئ الذي ينبعث من لفظة (سبِّح) بمهموسيها (السين والحاء) يُشيع طمأنينة غامرة، وسكوناً نفسياً نجد صداه في تمام الآية، وما بعدها من الآيات، فتسبيح الله تعالى بصفة العلو والقدرة المطلقة التي تجلت بتفرده بأفعال الخلق والهداية وغيرهما يزيد النفس قوة ومنعة، ويجعل الإنسان لا يخشى أحداً سواه، فكل ما عداه تعالى ضعيف مهما استقوى، وفقير مهما استغنى، فهو العلي القاهر فوق عباده، فافتتاح السورة بهذا المطلع الرخي المديد، ليطلق في الجو ابتداءً أصداء التسبيح، إلى جانب معنى التسبيح، وأنَّ هذه الصفات التي تلي الأمر بالتسبيح الأعلى (الَّذِي خَلَقَ فَسَوَّى * وَالَّذِي قَدَّرَ فَهَدَى * وَالَّذِي أَخْرَجَ المَرْعَى * فَجَعَلَهُ غُثَاءً أَحْوَى) (الأعلى:2-5) لتحيل الوجود كله معبداً تتجاوب جنباته بتلك الأصداء، ومعرضاً تتجلى فيه آثار الصانع المبدع (10).
أما النوع الثالث وهو تسبيح إحدى صفات الله تعالى، فيدخل في النوع الثاني، ولكنه خُص تعظيماً لصفة الحمد، وحث العبد على حمد ربه حمداً كما ينبغي لجلال وجهه وعظيم سلطانه، فسبح بحمد ربك، يعني سبح اسم ربك الحميد، والحمد من الصفات التي نُدب العبد إلى إجلالها وإعظامها. لقد كان مجيؤها في مطلع الفاتحة بصيغة الاسم التي تدل على الثبات والدوام دليلا على ذلك، والله اعلم.
واختُلف في معنى التسبيح وسبحان، فقيل هما (بمعنى واحد، فالمصدر تسبيح، والاسم سُبْحان يقوم مقام المصدر) (11)، وقيل: إن سبحان مصدر سبح بالتخفيف، وقيل: إن سبحان من المصادر التي أُميت فعلها، وسبح لغة في سبَّح، وجعل ابن جني سبحان اسم علم لمعنى البراءة والتنزيه بمنزلة عثمان (12). والراجح أن سبحان اسم مصدر وليس بمصدر، فمعلوم أن المقصود (باسم المصدر ما ساوى المصدر في الدلالة على معناه وخالفه بخلوه لفظا وتقديرا من بعض ما في فعله دون تعويض كعطاء فإنه مساو لإعطاء معنى ومخالف له بخلوه من الهمزة الموجودة في فعله وهو خال منها لفظا وتقديرا ولم يعوض عنها شيىء) (13)، وهذا ما ينطبق على سبحان وتسبيح، فكلاهما يدل على تنزيه الله تعالى وتعظيمه، ولكن سبحان يخلو من التضعيف في سبَّح.



الهوامش:
1-لسان العرب ابن منظور: (سبح) 250/2
2-المفردات للراغب الأصفهاني: (سبح)
3-التحرير والتنوير 405/1
4-ذكر السيد محمد باقر الحكيم الصورتين الأولى والثانية، ينظر تفسير سورة الحمد:161.
5-التحرير والتنوير 273/30
6-الميزان للعلامة الطباطبائي 264/20
7-تفسير سورة الحمد: 162.
8-منة المنان في الدفاع عن القرآن: السيد محمد محمد صادق الصدر: 38.
9-بحوث في تفسير القران: سورة العلق: جمال الدين عياد: 48.
10-في ظلال القرآن: سيد قطب 125/30
11-ينظر تهذيب اللغة للأزهري (سبح)
12-ينظر تاج العروس للزبيدي (سبح)
13-شرح ابن عقيل ج2 محمد محي الدين عبد الحميد 98/3

-------------------------------------------------------------------

الدعوة واساليبها في القرآن الكريم

* اعداد: م .م خالد توفيق

تُعد الدعوة القرآنية موضوعا في غاية الأهمية والقيمة المضمونية في عصرنا الحاضر والعصور السابقة، وهذه الأهمية تستدعي اقتضاءً الوقوف على مفهوم الدعوة ومنطلقاتها في النص القرآني، عبر المجالات الموصلة إليه، والمتمثلة في استقصاء المعنى اللغوي والاصطلاحي للدعوة ثم البحث في مستويات التقارب بين هذين المعنيين، ليتسنى لنا فهمها فهما أوليا نجعله مرقاة للوصول إلى مفهوم الدعوة في القرآن الكريم، والتعرف على الأساليب الـتي ارتكز عليها النص القرآني في أداء هذا المضمون المعرفي وكيفية إيصاله إلى عقول الناس وقلوبهم.
فالدعوة في اللغة أن (تقول دعا يدعو دعاءً، وفلان داعي قوم وداعية قوم: يدعو إلى بيعتهم دعوة. والجميع دعاة) (1) وجاء في (تهذيب اللغة) إن الدعوى اسم لما تدعيه، والدعوى تصلح أن تكون في معنى الدعاء لو قلت: اللهم أشركنا في صالح دعاء المسلمين، والدعوة كما نُقِلَ عن الليث: الدعاء والادّعاء والدعوة هي الحلف يُقال: دعوة فلان في بني فلان، والدعوة كذلك الوليمة، والدعاة: قوم يدعون إلى بيعة هدى أو ضلالة، واحدهم داع، ورجل داعية إذا كان يدعو الناس إلى بدعة أو دين (2). وذكر صاحب (لسان العرب) معنى الدعوة بقوله (دعا الرجل دعوا ودعاءً: ناداه، والاسم الدعوة. ودعوت فلانا أي صحت به واستدعيته، وتداعى القوم، دعا بعضهم بعضا حتى يجتمعوا، ودعاه إلى الأمير: ساقه. وقوله تعالى: (وَدَاعِياً إِلَى اللَّهِ بِإِذْنِهِ وَسِرَاجاً مُّنِيراً) (الأحزاب : 46)، (معناه داعيا إلى توحيد الله وما يقرِّب منه ) (3).
نستشف من هذا أن المعنى اللغوي للدعوة يضم مجموعة من المفاهيم التي تجعل من الدعوة قاسما مشتركا بينها، فهي تأتي بمعنى طلب البيعة وعقد الحلف بين قوم وقوم آخرين، وتأتي بمعنى الادِّعاء، وأخرى بمعنى الدعوة للوليمة، وتكون بمعنى المناداة للشخص، ودعوة الناس إلى بدعة أو دين.
أما الدعوة في الاصطلاح فهي: (محاولة الداعي استمالة الناس نحو هدف مـعـيـن وإقناعهم به إقناعا تطمئن إليه عقولهم، وترضى عنه قلوبهم، وتنشرح لـه صدورهم ويخـالط وجدانهم، ويسري في مشاعرهم، ويمتزج بكيانهم، ويصبح إيمانا راسخا، كي يتهيأ لهذا الإيمان أن يكون محركا لكل ما يصدر عنهم من فكر وعاطفة وسلوك به يؤمنون وبتوجيهه يعملون وفي سبيله يبذلون وعنه ينافحون ومن أجله يستشهدون) (4).
وإذا ما نظرنا في النص القرآني نجده قد تناول الدعوة بطريقة تتساوق ومتطلبات المرحلة الانتقالية في المجتمع البشري، على وفق سنن اجتماعية وعقائد دينية جديدة، صاغها النص القرآني في آياته ضمن رؤية شمولية محكمة، تهدف إلى التغيير الجذري للمعتقدات السائدة في ذلك المجتمع ولكثير من أعرافه الاجتماعية، هذه الرؤية تمثلت بالدعوة إلى الإسلام والدين الجديد الذي يشاطر الأديان السابقة عليه بأربعة أهداف، مثّلت هذه الأهداف المحور العام الذي دارت حوله الدعوات السابقة جميعها، ثم جاء الإسلام ليؤكدها ويزيد عليها الكثير من القضايا الأساسية للنهوض بواقع المجتمع البشري، وهذه الأهداف هي:
1- توحيد الله تعالى وعبادته.
2- تصديق الرسالات.
3- الترغيب في نعيم الدنيا والآخرة.
4- الترهيب من عذاب الدنيا والآخرة.
هذه هي الأهداف العامة للرسالات السماوية كافة، مهما اختلفت شرائعها(5)، وتباينت أزمانها وأساليبها، فقد جاء القرآن الكريم مؤكدا على أن يكون إبلاغ الدعوة وإيصالها إلى أذهان الناس قائما على قاعدة تعاملية تقتضي الابتعاد عن العنف والإجبار على الامتثال لمضمون الدعوة، وهذا يدل على أن الدعوة الإسلامية هي (محاولة تغيير الرأي العام نحو سلوك أخلاقي يكون عليه مجتمع ما إلى سلوك إسلامي مؤسس على الإيمان بالله والتلقي من النبي (صلى الله عليه وآله وسلم) كل القوانين والنظم التي لها ارتباط بشؤون الحياة)(6)، وهذا المعنى لمفهوم الدعوة الإسلامية ما هو إلا نتيجة حتمية تمخضت عن التواؤم القائم بين مجموعة من أساليب التعبير في النص القرآني، أخذت على عاتقها مهمة تثبيت هذه الدعوة، ونشرها في المجتمع الإنساني، لتكون الأداة الفاعلة في عملية التغييــر الجذري لذلك المجتمع.
أنماط الأساليب الدَعَويَّة في القرآن الكريم
يمثل النص القرآني الوعاء الذي ضم بين دفتيه مضامين الدعوة الإسلامية، ذلك أن الدارس للدعوة الإسلامية، يجد نفسه أمام ظاهرة متفرّدة في طبيعتها وخصائصها، لم تسبق بمثلها، ولم يأتِ بعدها ما يماثلها أو يقرب منها؛ لأن كتابها -القرآن الكريم- قد جمع في نصه الرباني بين جوانب ثلاثة من المستحيل أن تجتمع لغيره. فهو أولا الدين والرسالة، وهو ثانيا أسلوب العرض والتبليغ للرسالة، وهو ثالثا وفي الوقت نفسه دليل صدق الرسالة(7) ومن هنا نقول إن القرآن الكريم في عرضه للدعوة وإيضاح مضامينها اعتمد مجموعة من أساليب التعبير، استطاع من خلالها مخاطبة العقل والوجدان في آن واحد، فخاطب حاسة الوجدان الدينية بلغة الجمال الفنية؛ لأن عملية إدراك الجمال الفني الرفيع تشي بحسن الاستعداد لتلقي التأثير الديني، حين يرتفع الفن إلى هذا المستوى الرفيع، مستوى التعبير عن العقيدة، وحين تصفو النفس لتلقي رسالة الجمال التي تبلغ في العقيدة حدَّ الكمال(8). وخاطب العقل بما احتوى ذلك التعبير من مضامين مكتنزة بتراكيب إبداعية وألفاظ تمتهن مهمة النفاذ إلى العقل لاتسامها بقدرة الإقناع، وبما ضمَّ النص المقدس أيضا من صيغ تؤدي الغرض على أكمل وجه لتظهر به الدلالة للمتلقي. من هنا كان التعبير القرآني في بلورته لأفكار الدعوة يقوم على مسار الفن حينما يخاطب العقل والوجدان، لذا جاءت أساليب الدعوة منتشرة على مسار النص القرآني وفي موضوعات مختلفة, فكانت أهم الأساليب التي اعتمدها النص القرآني في مجال الدعوة هي:
1- أسلوب الحوار.
2- أسلوب المحاجَّة.
3- أسلوب ضرب الأمثال.
4- أسلوب التذكير.
5- أسلوب الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر(9).
أولا : أسلوب الحوار:
يُعَدُّ الحوار من الأساليب التي أخذت حيزا كبيرا في النص القرآني، ذلك لأنه من الأساليب العربية الأصيلة التي وظّفها النص القرآني لخدمة الدعوة الإسلامية.
ولو أردنا أن نقف على مفهوم الحوار في القرآن الكريم، لا بد لنا ابتداءً من استقصاء معناه اللغوي، ثم مفهومه في الاصطلاح، فهما بمثابة المنفذ الذي نمرر من خلاله بحثا عن مفهوم الحوار القرآني.
فالحوار في اللغة مراجعة الكلام بين طرفين تخاطبا(10) وذكر الأزهري (ت370هـ) في تهذيب اللغة معنى المحاورة فقال (المحاورة: مراجعة الكلام في المخاطبة تقول: حاورته في المنطق وأحرت له جوابا، وما أحار بكلمة)(11) ولم يجانب ابن منظور مقولة الأزهري في معنى (الحوار) عندما قال (وكلمته فما رَجَعَ إليَّ حَوَاراً ومحاورة، وأحار عليه جوابه: ردّه، وأحرت له جوابا وما أحار بكلمةٍ، والاسم من المحاورة الحوير، تقول: سمعت حَويرَهما وحِوارَهما، والمحاورة: المجاوبة، والتحاور: التجاوب، وتقول: كلمته فما أحار إليّ جواباً وما رجع إليَّ حويراً ولا حويرة ولا محورَة ولا حواراً، أي ما ردّ جواباً، والمحاورة: مراجعة المنطق والكلام في المخاطبة)(12).
ونخلص مما تقدم إلى أن (الحوار، والحوير، والمحاورة) بمعنى واحد لأنها مشتقة من الفعل (حار) بمعنى رجع، فالحوار لغة هو تبادل الكلام بين شخصين على سبيل التخاطب والمراجعة، فلا يتحقق الحوار إلا بإرجاع الكلام من أحد الطرفين على الآخر.
أما الحوار في الاصطلاح (فهو أن يتناول الحديث طرفان فأكثر، عن طريق السؤال والجواب، بشرط وحدة الموضوع أو الهدف، فيتبادلا النقاش حول أمر معين، وقد يصلان إلى نتيجة، وقد لا يقنع أحدهما الآخر، ولكن السامع يأخذ العبرة ويكوّن لنفسه موقفا)(13)، والمحاورة (هي المراجعة في الكلام بين طرفين، لبث شكوى أو غرام، أو تفصيل أمر، أو تهدئة خاطر، أو نحو ذلك من الأغراض التي تقتضيها الحال والمقام )(14).
وإذا ما انتقلنا إلى النص القرآني بحثا عن مادة (الحوار) فإننا نجدها قد وردت في ثلاث آيات فقط، وهي قوله تعالى حكاية على لسان صاحب الجنتين: (فَقَالَ لِصَاحِبِهِ وَهُوَ يُحَاوِرُهُ أَنَا أَكْثَرُ مِنكَ مَالاً وَأَعَزُّ نَفَراً) (الكهف : 34)، وقوله تعالى: (قَالَ لَهُ صَاحِبُهُ وَهُوَ يُحَاوِرُهُ أَكَفَرْتَ بِالَّذِي خَلَقَكَ مِن تُرَابٍ ثُمَّ مِن نُّطْفَةٍ ثُمَّ سَوَّاكَ رَجُلاً) (الكهف : 37)، وقوله تعالى : (قَدْ سَمِعَ اللَّهُ قَوْلَ الَّتِي تُجَادِلُكَ فِي زَوْجِهَا وَتَشْتَكِي إِلَى اللَّهِ وَاللَّهُ يَسْمَعُ تَحَاوُرَكُمَا إِنَّ اللَّهَ سَمِيعٌ بَصِيرٌ) (المجادلة : 1).
ومن هذه الآيات وما سبقها يتحدد مفهوم الحوار في القرآن الكريم بأنه (أسلوب قرآني يحكي محاورة كلامية بين طرفين أو يخبر عنها، هادف إلى بيان معان إسلامية مقصودة ومحددة)(15) وهذا يعني أن (غاية الحوار القرآني رد العقل إلى التفكير المنظم الهادئ، وبيان فساد موقف الخصم... وأكثر ما يكون ذلك للرد على قول قاله الكافرون، أو على موقف غير منطقي من مواقفهم، يتسم بالزيغ والضلال)(16)، فقد تعامل النص القرآني مع العقل الإنساني على وفق رؤية أسلوبية تسعى إلى إدخال العقل في نطاق الوجدان، وجعل التلقّي مشتركا بينهما في ضوء تعبير فنّي يعمل على إقامة الموازنة بين طرفي المعادلة، عن طريق مخاطبة حاسة الوجدان الدينية بلغة الجمال الفنية، مما يؤدي إلى ترجمتها من لدن العقل إلى استجابة محضة، قائمة على أساس التأثر الوجداني.
وبعد استقراء الباحث للنصوص القرآنية المشتملة على أسلوب الحوار وجد أنه ينقسم على قسمين:
1- حوار دنيوي (أرضي).
2- حوار آخروي (غيبي).
وهذا التقسيم قائم بالأساس على ثنائية الزمان والمكان التي يجري الحوار ضمن إطارها في النص القرآني.
فالحوار الدنيوي (الأرضي): هو حكاية القرآن لحوار أرضي واقع في عالم الشهادة، ونقله لمقولات القائلين على ألسنتهم نقلا تلقائيا، لا مبالغة فيه ولا افتعال، فتصاغ المعاني على ما يقتضيه أسلوب إعجازه (17). وأمثلة هذا النمط من الحوار كثيرة في القرآن الكريم، فقد شغل مساحة أكبر من نظيره على أرضية الحوار القرآني، من ذلك قوله تعالى: (أَمْ كُنتُمْ شُهَدَاء إِذْ حَضَرَ يَعْقُوبَ الْمَوْتُ إِذْ قَالَ لِبَنِيهِ مَا تَعْبُدُونَ مِن بَعْدِي قَالُواْ نَعْبُدُ إِلَـهَكَ وَإِلَـهَ آبَائِكَ إِبْرَاهِيمَ وَإِسْمَاعِيلَ وَإِسْحَاقَ إِلَـهاً وَاحِداً وَنَحْنُ لَهُ مُسْلِمُونَ)(البقرة : 133)
أما الحوار الآخروي (الغيبي): فهو عبارة عن نمط من الحوار ابتكره القرآن الكريم إذ لم يكن معهودا في أنماط الحوار مثيل له، وهذا النمط الحواري يحكي أحوال النعيم والعذاب في الآخرة كما في سورة الأعراف من وصف أهل الجنة وأهل النار, وأصحاب الأعراف، فلما جاء القرآن بهذه الأوصاف التي لم تكن معهودة في الأساليب العربية انماز منها بذلك (18).
يتضح مما تقدم أن هناك رابطا موضوعيا يؤسس عليه الحوار القرآني، وهذا الرابط يقوم على ثلاثة مرتكزات: الأول: هو الواقع الخارجي ومقتضياته السياقية، والثاني: هو موضوع الحوار أو فكرته التي يرمي إلى طرحها والعمل على معالجتها، والثالث: بيان المستوى الفكري للمتحاورين، وبتوافق هذه الجوانب الثلاثة يتكون النسق الحواري بتشكلاته الصياغية ودلالاته المضمونية، ويكون أسلوبا ذا أهمية كبيرة في بلورة الأفكار الدَعَويَّة في النص القرآني، وإيصالها إلى الناس، عن طريق مخاطبة العقل وتحريك الوجدان نحو الاستجابة للمفاهيم والأفكار المطروحة على أرضية ذلك الحوار.
ثانيا: أسلوب المحاجَّة: تُعد المحاجة أسلوباً تعبيرياً له طاقات فاعلة في شحذ العقل وجمع شتات أفكاره المبعثرة، وتصويبها نحو قضية معينة قابلة للعرض والنقاش، في حلقة محكمة من الأفكار التي تعمل المحاجّة على بلورتها بشكل تطمئن إليه النفس، وتؤمن بصحته. والمحاجة اسلوب ورد في النص القرآني وهو يحمل شحنة من الأفكار الدعوية التي يرمي إلى مخاطبة عقل المتلقي بها، وحمله على التفاعل معها، وإدراك أبعادها الموضوعية التي تسعى إلى الكشف عما يحتويه الوجود من خفايا ومعجزات دالة على قدرة صانعها وعظمتـه في إنشاء ذلك الوجود.
والمحاجة في اللغة: مأخوذة من مادة (حجّ) وهذه الأخيرة تدل على القصد، فقد جاء في معجم مقاييس اللغة (الحاء والجيم أصول أربعة، فالأول: القصد، وكل قصد حج، ثم اختص بهذا الاسم القصد إلى البيت الحرام للنسك، ومن الباب المحجة، وهي جادة الطريق، وممكن أن تكون الحجّة مشتقة من هذا لأنها تُقصَد أو بها يُقصَد الحق المطلوب، يقال: حاججت فلانا فحججته أي غلبته بالحجة، وذلك الظفر يكون عند الخصومة والجمع حجج والمصدر الحجاج) (19) فتكون الحجة بذلك وسيلة لإثبات غاية فهي قصد مشفوع بالدليل لتوثيق فكرة يسعى الشخص المحاجج إلى إقناع الآخر بها.
المحاجة في الاصطلاح: (الحجاج (gumentation20): جملة من الحجج التي يُؤتى بها للبرهان على رأي أو إبطاله، أو هو طريقة تقديم الحجج والاستفادة منها. والحجة هي البينة ومنها قولهم: البيِّنة على المدعي.
وقد وردت مادة (حاجّ) في آيات كثيرة من النص القرآني، ويبـدو أن أغلـب الآيات التي ورد فيها الفعل (حاجّ) كانت في الحديث عن توحيد الله في دينه(21)، من ذلك قوله تعالى: (وَحَآجَّهُ قَوْمُهُ قَالَ أَتُحَاجُّونِّي فِي اللّهِ وَقَدْ هَدَانِ وَلاَ أَخَافُ مَا تُشْرِكُونَ بِهِ إِلاَّ أَن يَشَاءَ رَبِّي شَيْئاً وَسِعَ رَبِّي كُلَّ شَيْءٍ عِلْماً أَفَلاَ تَتَذَكَّرُونَ) (الأنعام : 80)، وقوله تعالى: (وَالَّذِينَ يُحَاجُّونَ فِي اللَّهِ مِن بَعْدِ مَا اسْتُجِيبَ لَهُ حُجَّتُهُمْ دَاحِضَةٌ عِندَ رَبِّهِمْ وَعَلَيْهِمْ غَضَبٌ وَلَهُمْ عَذَابٌ شَدِيدٌ) (الشورى : 16)، وقوله تعالى: (فَإنْ حَآجُّوكَ فَقُلْ أَسْلَمْتُ وَجْهِيَ لِلّهِ وَمَنِ اتَّبَعَنِ) (آل عمران : 20).
وتأسيسا على هذه النصوص المقدسة وما سبقها يتجلى مفهوم المحاجة في القرآن الكريم بأنها أسلوب تعبيري قائم على أساس عرض الفكرة في إطار مكوناته النصيّة، قصد الإفهام والتأثير في المتلقي، من خلال نقض أفكاره بطريقة أسلوبية تتناسب مع مقتضيات المقام وطبيعة الموضوع، حتى يأتي الأسلوب محيطا بفكرته ويحقق الغاية المبتغاة من وراء هذه الصياغة التي تنطوي على الدليل الذي يثبت الحجة.
ثالثا : أسلوب ضرب الأمثال :
الأمثال جمع مثل، وهذه الكلمة لها جذر لغوي في اللغات الاخرى، وهي جميعها أفعال دالة على المشابهة (22).
ولو بحثنا عن المعنى اللغوي للمثل في العربية لوجدنا أقوال المعجميين تتراوح بين خمسة مداليل في تحديد معنى (المَثَل) بفتحتين وهذه المداليل هي (23):
1- الشبه.
2- المِثل ( بالكسر) والنظير .
3- الصفة .
4- العبرة والحجة والآية والحديث .
5- المثال والحذو والشاخص .
أما معنى المثل في الاصطلاح: فقد اختلف العلماء في وضع تحديد موحّد له، لذا جاءت تحديداتهم متباينة تبعا لاختلافهم في وجهات النظر (24)، وينحصر مجمل الخلاف باتجاهين: (اتجاه تفسيري، يُعنى بإبراز جوانب من خصائص المعنى المصطلح عليه. واتجاه بياني، يبرز جوانب أخرى تغفل ما ذكره الآخرون) (25).
نفهم من هذا أن هذه التعاريف على اختلافها ضيقا واتساعا ترجع إلى طائفتين تؤكد الأولى اعتبار المورد والمضرب، والغرابة والسيرورة في المثل، في حين تتجاوز الأخرى هذه القضايا مؤكدة على الجوانب البلاغية فيه(26).
وقد عرض الدكتور الصغير تعريفات كلتا الطائفتين فيما أقامه من موازنة بين تلك التعريفات، فخرج من هذه الموازنة بتعريف اصطلاحي ينص على أن المثل (صورة حية ماثلة لمشهد واقعي أو متخيل، مرسومة بكلمات معبرة موجزة، يؤتى بها غالبا لتقريب ما يضرب له من طريق الاستعارة أو الكناية أو التشبيه، مع لحاظ بعض الشروط:
الأول: وجود علاقة المشابهة بين الحالتين: الأولى والثانية.
الثاني: السيرورة والتداول بين الناس. الثالث: عدم التغيير في لفظه الموضوع له.
ولعل هذا التعريف الجامع بين آراء الطائفتين يخرج ما ليس من المثل منه، ويثبت ما يقتضيه التبادر في العرف العام من لفظ المثل، والتبادر علاقة الحقيقة كما يقول الأصوليون) (27).
أمَّا مفهوم المثل في القرآن الكريم، فقد تعددت الأقوال في تحديده هو الآخر، وتباينت ضيقا واتساعا، وقد قام الدكتور الصغير بعرض هذه الآراء أيضا، والموازنة بينها للخروج بتحديد شامل لمفهوم المثل في القرآن (28) فحدده بقوله (ويرجّح عندي أن يكون المثل في القرآن قد استعير لكل شأن ذي بال ولكل حدث مستغرب، ولكل قصة أُريد بها العبرة، ولكل وصف لم يتعارف عليه العرب من ذي قبل، ولكل معنى لم تستطع الإفهام سبر غوره، وتشخيص فحواه إلا بتقريبه تنظيرا وتمثيلا حتى تداوله الناس، واستوعبته العقول. وهو بهذا التحديد، يصاحب المثل في اللغة من وجه، والمثل في الاصطلاح من وجوه، فالمشابهة والتنظير والوصف والإبانة من اللغة في التبادر إلى إدراك معنى اللفظ والعظة والعبرة - باعتبارهما سببين لضرب المثل - والشأن العجيب - والغرابة, والسيرورة من الاصطلاح. وزاد المثل القرآني على هذه المعطيات بما له من رصيد مجازي، وأفق استعاري، وطبيعة تشبيهية مضافا إلى الاستعمال في المورد الحقيقي) (30). ولعل هذا التحديد يحمل في طياته صفة الشمولية، إذ إنه أوضح الموضوعات التي سيق المثل القرآني لمعالجتها والتي أوضحت - هي الأخرى - الهدف المبتغى من وراء سوق المثل في القرآن، ثم بيّن أوجه الالتقاء بين المثل بمعناه اللغوي والاصطلاحي والمثل القرآني، وزاد على ذلك إيضاح الميزة التي انماز بها المثل القرآني وهي الأداء البياني القائم على أساس ما يمتلكه من رصيد مجازي، وأفق استعاري، وطبيعة تشبيهية، فضلا عن ذلك فإن التحديد أوضح أن المثل في القرآن مورده حقيقي وليس افتراضياً.
أما طبيعة الموضوعات التي عالجها المثل القرآني، فإنها تكمن في أن المثل جاء متساوقا والظروف الموضوعية ومقتضيات المصلحة العليا للدعوة الإسلامية فقد عاد متماسكا كالحلقة المحيطة ببيئته العامة التي اتسمت بطابعين حسب المراحل الزمنية للدعوة الإسلامية: الأول: طابع البيئة المكي، وقد جاء فيه المثل مراعيا المستوى البدائي الذي كان عليه الناس وقتذاك، والأصل التشريعي الذي تقتضيه الرسالة السماوية في حثها على ضرورة الاهتداء، والتغيير الجذري في العقائد، والتذكير بالآخرة وتوحيد الله تعالى (31).
الثاني: طابع البيئة المدني، وقد انصبّ الاهتمام فيه على عملية تقويم المجتمع وإصلاحه، وحثه على الفضائل حينا، وكشف خطط المنافقين ومن ظاهرهم من اليهود وشراذم المشركين حينا آخر، ووصف الجنة وما فيها من نعيم دائم، والاعتداد بقيادة الأمة، وتوجيه العناية لكتاب الله في أغلب الأحيان (32). وتأسيساً على هذا يكون المثل القرآني قام بعملية رصد لمشكلات الواقع البشري، ثم وضع الحلول لهذه المشكلات على أساس رؤية موضوعية شاملة صيغت في تعابير فنية محكمة.
رابعا: أسلوب التذكير: أسلوب التذكير من الأساليب التعبيرية التي مثّلت أحدى المحاور التي دارت حولها مفاهيم الدعوة في القرآن الكريم، فقد انماز النص القرآني من الأساليب العربية المعهودة بابتكاره أسلوبا لم يكن معهودا فيها وهو أسلوب التذكير الذي يُعد موعظة لأهل الدين فهو بالخطابة أشبه ولكنه يخالفها بعض المخالفة (33).
ولمعرفة معنى التذكير في اللغة، ننظر إلى قول الأزهري في تهذيبه إذ يقول: (الاستذكار: الدراسة للحفظ، والتذكّر تذكُّر ما أُنسيته، وقال الفراء: يكون الذكرى بمعنى الذكر، ويكون بمعنى التذكير في قوله: (إِنَّا أَخْلَصْنَاهُم بِخَالِصَةٍ ذِكْرَى الدَّارِ) (ص : 46) (34).
نفهم من المعنى اللغوي أن لفظتي (التذكير والذكرى) أصل لمعنى واحد وهو تذكير الشخص بشيء نسيه، وكلتاهما تأتي بمعنى الوعظ والإرشاد. وهذا المعنى للتذكير يتواءم ومعنى (التذكُّر) الذي يعني (استحضار المعلومات والمعارف والأخبار التي سبق وأن اقتناها الإنسان أو العقل ثم غفل عنها أو نسيها... وهو نوع من المراجعة الفكرية والتأملية الجادة لحقائق ومعادلات ومعارف مطروحة من أجل اكتشاف حقيقة أعمق) (35) إذ (يلاحظ على قوى الإدراك الحسي أنها تنقسم على قسمين قسم للإدراك والقسم الآخر للحفظ، فالخيال (خزانة للصور) والحافظة الذاكرة (خزانة المعاني) (36) فيعمل التذكُّر على (استحضار الصورة المخزونة في الذهن بعد غيبة عن الإدراك أو حفظه من أن يغيب عن الإدراك) (37) وبهذا تتضافر عملية التذكير مع التذكُّر في استحضار مكونات المعادلة المبتغاة من أجل الوصول إلى النتيجة والهدف الذي سيقت المعادلة من أجلهما.
أما الاتجاهات الموضوعية لأسلوب التذكير في القرآن الكريم, فإنه يصب اهتمامه في اتجاهين:
1- التذكير بنعم الله تعالى على عباده، فالله تعالى أنعم على خلقه بنعم كثيرة ذَكّرهم بها في القرآن الكريم بغاية إرجاعهم إلى فطرتهم التي جبلوا عليها، إذ إن (التذكير بنعم الله يوقظ القلب الغافل وينبهه إلى ما يرتع فيه من خيرات عظيمة ونعم جليلة فيكون ذلك أدعى للاستجابة لهدي الله والدخول في طاعته) (38) من ذلك قوله عزّ وجلّ : (يَا بَنِي آدَمَ قَدْ أَنزَلْنَا عَلَيْكُمْ لِبَاساً يُوَارِي سَوْءَاتِكُمْ وَرِيشاً وَلِبَاسُ التَّقْوَىَ ذَلِكَ خَيْرٌ ذَلِكَ مِنْ آيَاتِ اللّهِ لَعَلَّهُمْ يَذَّكَّرُونَ) (الأعراف : 26).
2- التذكير بأحوال الأمم السابقة وما جرى عليها من أهوال، مثل قوله تعالى: (لَقَدْ أَنْزَلْنا إِلَيْكُمْ كِتاباً فِيهِ ذِكْرُكُمْ أَ فَلا تَعْقِلُونَ * وَكَمْ قَصَمْنا مِنْ قَرْيــة كانَتْ ظالِمَةً وَأَنْشَأْنا بَعْدَها قَوْماً آخَرِينَ * فَلَمَّا أَحَسُّوا بَأْسَنا إِذا هُمْ مِنْها يَرْكُضُونَ * لا تَرْكُضُوا وَارْجِعُوا إِلى ما أُتْـرِفْـتــُمْ فِيهِ وَمَساكِنِكُمْ لَعَلَّكُمْ تُسْئَلُونَ * قالُوا يا وَيْلَنا إِنَّا كُنَّا ظالِمِينَ * فَما زالَتْ تِلْكَ دَعْواهُمْ حَتَّى جَعَلْناهُمْ حَصِيداً خامِدِينَ) (الأنبياء :9- 15). مما تقدم يتضح لنا مفهوم التذكير في القرآن الكريم بأنه قانون الهي يعمل على تنشيط واستحضار آصرة الترابط بين ذهن الإنسان وخزينه المعرفي، والعمل على تقليص المسافات المتباعدة بينهما، على وفق معادلة تتخذ من النظام العلائقي بين الإنسان ومدبر شؤونه (الله تعالى) أساسا لها.
خامسا: أسلوب الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر:
لقد رافق هذا الأسلوب نزول القرآن الكريم في مراحله كافة، وفي سوره جميعا، فهو لم يقتصر على مدة زمنية محددة كانت مدعاة للتعامل بهذا الأسلوب مع الواقع الاجتماعي، ولم يقتصر على سورة دون أخرى، بل جاء مواكبا للمراحل والأحداث التي مرّت بها الدعوة الإسلامية وهي تعمل على استئصال الفكر الوثني من جذوره، وتجذير الفكر التوحيدي والإيمان المطلق بالله تعالى بدلا عن عبادة الأوثان والأصنام. وهذا الأمر يظهر أهمية هذا الأسلوب ومدى فاعليته في نشر الدعوة الإسلامية.
ويبدو من النصوص الواردة في المعجمات اللغوية التي تناولت المفهوم اللغوي لمفردتي المعروف والمنكر، أن المعروف جاء مقترنا بالمنكر على سبيل التضاد.
ولو بحثنا عن تحديد أدق لمفهوم المعروف والمنكر بانفصال كل واحد منهما عن الآخر لوجدنا الشريف الجرجاني (ت816هـ) يحدد (العرف) بأنه (ما استقرت النفوس عليه بشهادة العقول وتلقته الطبائع بالقبول وهو حجة أيضا لكنه أسرع إلى الفهم وكذا العادة وهي ما استمر الناس عليه على حكم العقول وعادوا إليه مرة بعد أخرى) (39) ثم نجد الراغب الأصفهاني (ت 502هـ) يحدد المنكر بأنه (كلُّ فعل تحكم العقول الصحيحة بقبحه، أو تتوقف في استقبـاحه واستحسـانه العقـول فتـحكم بقبـحه الشريعة) (40).
ومن هذه التعريفات لمفهومي المعروف والمنكر، يتضح لنا أنها بُنيت على قاعدة التضاد بين هاتين المفردتين من حيث الكينونة، فأينما وُجد المعروف وُجد المنكر قرينا له على سبيل التضاد في المعنى.
وأما النص القرآني فقد ورد فيه المعروف والمنكر في مواضع كثيرة مؤكدا الضدية بينهما ومتخذا من الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر أسلوبا لنشر الدعوة الإسلامية (ولعل أوضح ما يمثل اعتماد الدعوة على الأمر بالمعروف قوله تعالى: (خُذِ الْعَفْوَ وَأْمُرْ بِالْعُرْفِ وَأَعْرِضْ عَنِ الْجَاهِلِينَ) (الأعراف : 199)، وقد حفّ بالعرف في هذه الآية العفو والإعراض عن الجاهلين حتى لكأنهما شرح المقصود بالعرف الذي كلف النبي (صلى الله عليه وآله وسلم) أن يأمر به) (41)
ومما تقدم يتجلى مفهوم الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر في النص القرآني بأنه أسلوب ذو رؤية تعبيرية تتسم بالشمولية لماهيات الأمور المتعارف على حسنها وما يناقضها من الأمور المستقبحة، وعرضها في سياق وحدة نصيّة مكثفة تعمل على استقطاب مكونات تلك الأمور ووضعها في نسق تعبيري يحمل شحنات متضادة تسهم في بيان ماهيتها وتجليها للعقل البشري بوضوح من خلال الموازنة بينها فيختار العقل منها ما هو حسن ويدع ما هو مستهجن قبيح.
وبعد هذا العرض الذي تضمن إيضاحا لمفهوم الدعوة وأساليبها في القرآن الكريم، لا بد لنا من تسليط الضوء على حقيقة ذات أهمية عالية وهي أن القرآن الكريم خاطب العقل البشري في هذه الأساليب بطريقتين، أمّا بطريقة الخطاب المباشر للعقل، وأما مخاطبته عن طريق الحواس التي تقوم بمهمة نقل الشعور المادي المحسوس إلى العقل وهو يقوم بتحليل الآثار الواصلة إليه من الحواس وعرض المادة المنقولة للتعامل معها على أساس الرفض أو القبول. وهذا الشيء بحد ذاته ينقض ادعاءات القائلين بأن الإسلام قد انتشر بحد السيف وقام على أساس الجبر والإكراه, فالدين الإسلامي مُؤسس على مرتكز الدعوة بأساليبها وصياغاتها وصورها، فهو يخاطب (العقل والوجدان) معا فلا إكراه في الدين البتة, وهذا ما يفسر لنا كون الإسلام رسالة خالدة على مرّ العصور واختلاف الأجيال، بالنظر إلى شمولية القرآن الكريم لجميع الأزمان والعصور بوصفه دستورا عمليا للدين الإسلامي.

------------------------------------------------------------------


التدبر في آيات الله
أَفَلَا يَتَدَبَّرُونَ الْقُرْآنَ أَمْ عَلَى قُلُوبٍ أَقْفَالُهَا
صدق الله العظيم

* اسراء الموسوي

التدبر: عبارة عن النظر في عواقب الأمور وهو قريب من التفكر إلا أن التفكر: تصرف القلب بالنظر في الدليل، والتدبر تصرفه بالنظر في العواقب (1).
والتدبر: هو النظر في أدبار الأمور، أي أواخرها ونتائجها وعواقبها، وتدبر الكلام هو النظر والتفكر في غاياته ومقاصده التي يرمي إليها، وعاقبة العامل به والمخالف له، وقد استعملت كلمة (التدبر) في كل تأمل، سواء كان النظر في حقيقة الشيء وأجزائه، أم في سوابقه وأسبابه، أم في لواحقه وأعقابه. وتدبر فلان الأمر ودبره تدبيراً: نظر في عواقبه وأدباره ليقع على الوجه المحمود ولذلك يقال: التدبير هو النظر في عواقب الأمور، أو التفكر في دبر الأمور (2).
مما يؤسف له أصبح كثير من المسلمين ينظرون إلى القرآن الكريم نظرة سطحية عابرة من غير تفكر وأنه كتاب أوراد وبركة ويهتم بقراءته وتجويده وتحسين الصوت في قراءته، بل والاهتمام في القراءة على مستوى الإذاعة والتلفزيون والفضائيات وطباعته بشكل ممتاز وإن كان هذا بحد ذاته من الأمور الحسنة والمهمة المطلوبة إلا أن هذا كله لم يكن هو الهدف لإنزال القرآن، بل ولا يمنع من التركيز على الهدف الأساسي للقرآن؛ المغزى والهدف من القرآن هو الهداية للبشرية وإخراجهم من الظلمات إلى النور وتحقيق هذه المهمة وإبرازها إلى الخارج لا يتأتى إلا بالتدبر والتفكر في آياته واستخراج تلك الخزائن، وقد تحدث القرآن نفسه عن ذلك في عشرات الآيات بقوله: أولي الألباب، ويعقلون، ويتفكرون، والعالمون. وعبر عن القلب غير المنفتح للذكر والتفكر من أنه مقفل({أَفَلا يَتَدَبَّرُونَ الْقُرْآنَ أَمْ عَلَى قُلُوبٍ أَقْفَالُهَا}) (محمد : 24) أي أفلا يلاحظون معاني القرآن ودقائقه ورقائقه، وما فيه من المواعظ والزواجر حتى لا يقعوا فيما وقعوا فيه من الموبقات، أم أن قلوبهم قد قست أو استغلقت، فهي لا يصل إليها الذكر، ولا ينكشف لها الأمر، فكأنها مقفلة، لا تقبل التدبر والاعتبار؟(3)، وحول هذه الآية جاء عن سليمان بن خالد قال: قال أبو عبد الله الصادق (عليه السلام): (يا سليمان إن لك قلباً ومسامع، وإن الله إذا أراد أن يهدي عبداً فتح مسامع قلبه، وإذا أراد به غير ذلك ختم مسامع قلبه، فلا يصلح أبداً وهو قول الله عزّ وجلّ: ({أَمْ عَلَى قُلُوبٍ أَقْفَالُهَا)} (سورة محمد:24) (4).
وهذا ليس على نحو الإجبار وإنما هو نتائج الأعمال للعبد الذي يؤدي به إلى الهداية أو الغواية. حيث يتحول التدبر والتفكر في الآيات القرآنية إلى خُلق راسخ فيه، يتربى عليه الإنسان ويعصمه من الخطأ والسوء وإذا ترك الإنسان التدبر في القرآن أصح في معرض الانحراف والضلال.
يقول الشرباصي: إن التدبر إذا صار للإنسان خُلقاً يتحلى به، وفضيلة يتزين بجماله، فإن هذا التدبر يعصم صاحبه من السوء، ويقرنه بالخير؛ وهذا التدبر إنما يثيره في الإنسان قلب حي يقظ، وعقل منفتح مستجيب، وإحساس دقيق مرهف، وبهذا الاستعداد يتمكن الإنسان أن يحسن التدبر الدنيوي والديني (5).
مما تقدم وغيره نعرف أهمية التدبر في جميع الأمور والتفكير في عواقبها وبالأخص التدبر في الآيات القرآنية والتفكير في نتائجها الإيجابية والسلبية:
1- التعرف على عظمة المولى سبحانه وقدرته في خلق العالم الدنيوي والأخروي.
2- الهداية إلى الحق وإلى الصراط المستقيم.
3- معرفة الأخطاء السابقة التي وقع فيها الإنسان وربما قادته إلى خسران الدنيا والآخرة والظلم والعدوان على الآخرين.
4- معرفة التأريخ الصحيح للأمم السابقة وما حل عليها من عذاب ونقمة نتيجة ظلمها وعصيانها لله وكفرها به.
5- معرفة الأمور الغيبية التي سوف تحل في يوم القيامة والحساب والعقاب
6- الإطلاع على ما ذكر فيها من وصف الجنة ونعيمها ومن يدخل فيها وما كانت أعمالهم في دار الدنيا وكيف استحقوا لهذه الدار الكريمة
7- الإطلاع على النار وعذابها ومن يدخل فيها وأوصافهم وما عملوا في دار الدنيا حتى استحقوا أن يدخلوها.
8- التعرف على حال أصحاب الجنة وأصحاب النار وما يدور بينهم من محاورات فرح القسم الأول وفوزه وخسران القسم الثاني وندامته حيث لا ينفع الندم.
9- التعرف على ضعف الإنسان وتقصيره أمام المولى مهما عمل.
10- التعرف على الهدف الذي خلق الإنسان من أجله.
11- التعرف على قيمة الحياة الدنيا وحقيقتها وأنها مزرعة الآخرة وأنها وسيلة وليست غاية.
12- التعرف على الآخرة وأنها دار القرار والمحطة الأخيرة والمسكن الدائم لكل الناس والعمل من أجلها والاستعداد لها .
13- التعرف على القرآن نفسه وعلى عظمته وأنه من عند الله ولو كان من عند غيره لوجدوا فيه اختلافاً كثيرا .
وقد وردت مادة التدبر في القرآن في أكثر من آية والتي تنص على وجوب التدبر في القرآن الكريم حتى يتمكن المسلمون أن يميزوا بين الحق والباطل ويكونوا على ثقة من أن هذا الكتاب هو من عند الله ولا يستطيع الاتيان به غيره وإلا لوجدوا آثار الخلاف قائمة ظاهرة عليه قال تعالى: ({أَفَلاَ يَتَدَبَّرُونَ الْقُرْآنَ وَلَوْ كَانَ مِنْ عِندِ غَيْرِ اللّهِ لَوَجَدُواْ فِيهِ اخْتِلاَفًا كَثِيرًا{) (النساء:82).

14- خزائن القرآن:
بالقراءة السطحية للقرآن لا تنكشف خزائنه، بل بالتدبر تنكشف خزائن وأسرار بعض آيات القرآن. كلُ فردٍ بحسب ادراكه العقلي، كذلك ويُفيد منه العلماء والمفكرون كما قال تعالى:(كِتَابٌ أَنزَلْنَاهُ إِلَيْكَ مُبَارَكٌ لِّيَدَّبَّرُوا آيَاتِهِ وَلِيَتَذَكَّرَ أُوْلُوا الْأَلْبَابِ) (ص:29)، بل سائر الناس أيضاً يفيدون منه فعَنِ الزُّهْرِيِّ قَالَ سَمِعْتُ عَلِيَّ بْنَ الْحُسَيْنِ (عليه السلام) يَقُولُ: ( آيَاتُ الْقُرْآنِ خَزَائِنُ فَكُلَّمَا فُتِحَتْ خِزَانَةٌ يَنْبَغِي لَكَ أَنْ تَنْظُرَ مَا فِيهَا ) (6).
15- القرآن دستور الأمة الإسلامية جمعاء وعهد الله للأمة فلا بد من النظر والتدبر والتفكر فيه حتى تتمكن من تطبيقه والعمل بما فيه، ففي الخبر الصحيح عَنْ حَرِيزٍ عَنْ أَبِي عَبْدِ اللَّهِ (عليه السلام) قَال:(الْقُرْآنُ عَهْدُ اللَّهِ إِلَى خَلْقِهِ فَقَدْ يَنْبَغِي لِلْمَرْءِ الْمُسْلِمِ أَنْ يَنْظُرَ فِي عَهْدِهِ وَ أَنْ يَقْرَأَ مِنْهُ فِي كُلِّ يَوْمٍ خَمْسِينَ آيَةً ) (7).
16- التدبر حياة القلب:
عَنْ طَلْحَةَ بْنِ زَيْدٍ عَنْ أَبِي عَبْدِ اللَّهِ (عليه السلام) قَالَ: (إِنَّ هَذَا الْقُرْآنَ فِيهِ مَنَارُ الْهُدَى وَ مَصَابِيحُ الدُّجَى فَلْيَجْلُ جَالٍ بَصَرَهُ وَ يَفْتَحُ لِلضِّيَاءِ نَظَرَهُ فَإِنَّ التَّفَكُّرَ حَيَاةُ قَلْبِ الْبَصِيرِ كَمَا يَمْشِي الْمُسْتَنِيرُ فِي الظُّلُمَاتِ بِالنُّورِ) (8)
17- القرآن أنسٌ عن الوحشة:
عَنِ الزُّهْرِيِّ قَالَ: قَالَ عَلِيُّ بْنُ الْحُسَينِْ (عليه السلام): (لَوْ مَاتَ مَنْ بَيْنَ الْمَشْرِقِ وَ الْمَغْرِبِ لَمَا اسْتَوْحَشْتُ بَعْدَ أَنْ يَكُونَ الْقُرْآنُ مَعِي)، وَ كَانَ (عليه السلام) إِذَا قَرَأَ مالِكِ يَوْمِ الدِّينِ يُكَرِّرُهَا حَتَّى كَادَ أَنْ يَمُوتَ (9).
إنما يكون القرآن أنساً عن الوحشة كما في القراءة له مع التفكر والتدبر وإلا لم يؤدِ مفعوله وكذلك تكراره للآية والتأثر بها في حالة التدبر والتفكر. وقد تحدثت بعض الروايات عن أهمية التدبر في القرآن ولا يقرأ هدرمة، بل ينبغي التركيز على القراءة وعدم الإسراع وفرقت بعض الروايات بين القراءة في شهر رمضان وبين غيره ففي سائر الشهور يختم في كل شهر مرة وأما في شهر رمضان ففي كل ثلاث ليالٍ مرة.

شروط التدبر في آيات الله
لكي يكون التدبر في القرآن مثمراً ومفيداً، ولكي يكون متكاملاً وسليماً لابد أن تتوفر مجموعة من الشروط في من يتدبر في آيات القرآن الكريم، والشروط هي كالاتي:
1- الملاحظة العلمية الدقيقة: إن قسطاً كبيراً من التقدم العلمي الحديث يعود إلى روح البحث والملاحظة التي توفرت في هذا العصر، فربما كان الرجل القديم يمر على ظواهر طبيعية كثيرة دون أن يفكر فيها ليكتشف القوانين الكامنة وراءها، بل كان يمر عليها مرور الكرام. بينما امتلك الإنسان -في بدايات العصور الحديثة -روح البحث العلمي والملاحظة الدقيقة، فبدأ يحقق في كل شيء في هذا الكون، وتوصل من خلال ذلك إلى اكتشافات هائلة.
والتدبر في القرآن لابد أن تتوفر فيه الملاحظة الدقيقة حتى يكون مفيداً مثمراً، وذلك بأن يطرح الإنسان أسئلة مختلفة على نفسه حول مختلف الظواهر القرآنية: لماذا جاءت الكلمة هنا بشكل وجاءت في مكان ثان بشكل آخر؟ لماذا تقدمت هذه الكلمة على تلك؟ ما هي الحكمة في إنزال العقاب أو الثواب بأسلوب معين؟ وهكذا، وهلم جرا.
إن الانتباه إلى أمثال هذه الملاحظات يضع الإنسان على بداية الطريق لفهم قرآني متين، ولكن ذلك لا يكفي، إذ يجب أن يعقب الملاحظة العلمية شرط آخر هو:
2- التروي والأناة: فبعد أن تقودنا الملاحظة العلمية إلى طرح مجموعة من التساؤلات حول الآيات القرآنية علينا أن نبدأ تفكيراً معمقاً للوصول إلى الإجابة.
ان الفكر الإنساني يشبه -إلى حد ما-أشعة الشمس التي توجد في كل مكان، ولكنها لا تستطيع أن تحرق ورقة واحدة، ولكن عندما تركز هذه الأشعة من خلال زجاجة مقعرة فإنها تستطيع أن تقوم بعملية الإحراق، وهكذا الفكر عندما يتركز على نقطة معينة.
وليس من المهم أن تكون كمية أفكار الإنسان كثيرة، المهم أن تكون كيفيتها ممتازة وجيدة.
وهنا نذكر ملاحظة مهمة هي: في بعض الأحيان لا يصل الإنسان إلى أجوبة للتساؤلات المطروحة حول الظواهر القرآنية، وفي هذه الحالة لا يجوز أن يصاب باليأس، بل عليه أن يواصل التفكير، وكثيراً ما يعثر على الإجابة - اليوم أو غداً.
3- عدم التسرع في تقبل الأفكار: إن للفكرة في بدايتها بريقاً خاصاً لا يقاوم. ومن هنا نجد الكثيرين يبادرون إلى تقبل الأفكار بمجرد أن تلوح لهم من بعيد، من دون أن يحققوا في مدى صحتها أو سقمها، لذلك فإنهم كثيراً ما يجدون أنفسهم وقد سقطوا في الضلال والانحراف، ولكن بعد فوات الاوان.
وهنا نخص بالذكر ضرورة الحذر -الأكثر -من التسرع في تقبل نوعين من الأفكار خلال التدبر في القرآن الكريم:
أ-الأفكار الجاهزة: ونعني بها تلك الأفكار المصبوبة في قوالب لطيفة وظريفة. إن على الإنسان أن يهتم بمضمون الفكرة ومحتواها وليس بشكلها الخارجي، وفي سبيل ذلك لابد من التفكير الدقيق المعمق.
ب-الأفكار الشخصية: إن الإنسان يحابي ذاته ويتحيز لها، ولذلك فإنه يتسرع في قبول ما أبدعه عقله وتفكيره، دون أن يفكر جدياً في الأمر، ودون أن يرى جوانب القضية المختلفة. من هنا كان على الإنسان أن يتهم ما خطر على قلبه، بمعنى أن لا يتقبله بسرعة، بل يفكر فيه بدقة، فإن كان حقاً قبله، وإن كان باطلاً طرحه بعيداً.
4- التتلمذ على يد القرآن: فعلى الإنسان أن يكون التلميذ المتواضع أمام القرآن، عليه أن يسيّر نفسه على وفق ما يريده القرآن، لا أن يسيّر القرآن على وفق ما يريده هو. عليه أن يحكم القرآن في أفكاره ورؤاه وليس العكس. ومن دون ذلك سيكون مصير الإنسان الضلال والانحراف.
5- الرجوع إلى المصادر، وهي: اللغة والتفاسير وروايات الأئمة الطاهرين (عليهم الصلاة والسلام).
6- الثقة بالنفس: فعلى الإنسان -في تدبره للقرآن الكريم- أن لا يستصغر ذاته، ولا يحقر أفكاره، وأن لا يسمح لنفسه بالذوبان في أفكار الآخرين وآرائهم. إن آراء المفسرين السابقين قد تكون ضوءا على الطريق، ولكنها لا يجوز أن تقفل أبواب التفكير أمام الفرد، ويصيب تفكيره التحجر والجمود. وبعد الثقة يأتي دور:
7- الإبداع: فعلى الإنسان أن يربّي عقليته على الإبداع، ويحاول أن يستنبط أفكاراً جديدة ورؤى مبتكرة وذلك ضمن حدود الدين وليس خارجاً عليها، لأن ذلك يعني البدعة المنهي عنها في الشرع.
ولنعلم أن التطور الثقافي والحضاري والصناعي إنما توفر بفضل أصحاب العقول المبدعة، فينبغي أن نكون منهم.
وأخيراً نؤكد -من جديد- على أن استنباط الأحكام الشرعية ونحوها من القرآن الكريم يتوقف على خبروية خاصة - كما في العلوم الأخرى - فيجب الرجوع في ذلك إلى أهل الخبرة وهم المجتهدون الجامعون للشرائط، وفي غير هذه الحالة يمكن أن يستنبط الإنسان مفاهيم خاطئة، فُُيضَل، ويَضِل.

الهوامش:
1-التعريفات للجرجاني ص 58
2- موسوعة أخلاق القرآن ص 220
3-المصدر السابق ص 222
4-البرهان في تفسير القرآن ج 7 ص 217
5-موسوعة أخلاق القرآن ص 222
6-الكافي ج : 2 ص : 606
7-المصدر السابق ج : 2 ص : 606
8-المصدر السابق ج : 2 ص : 600
9-المصدر السابق ج : 2 ص : 602
 

مجلة تعنى بشؤون القرآن الكريم تصدر عن مؤسسة الثقافة والاعلام لمنظمة بدر/دار القرآن الكريم المركزي              الرئيسية

      Design by:    internetbadr@yahoo.com