|
القصة
في القرآن
محاجّة
النُّمْرُود لنبي الله إبراهيم (عليه السلام)
• محمد
مالك حديد
يجد المتتبع لحياة نبي
الله إبراهيم (عليه السلام) في القرآن الكريم أنها مرت بأربع
مراحل هي:
أولا: مرحلة الفتوة:
ولد إبراهيم (عليه السلام) في فدان آرام من أرض العراق أو بابل
وكان أبوه نجاراً ينحت الأصنام لمعبد العبيد ومعبد انليل
وغيرها من المعابد الكلدانية على بعض الروايات ومنجماً لنمرود
في روايات أخرى، وقيل جمع بين المهنتين. كان إبراهيم (عليه
السلام) منذ طفولته حتى وصوله إلى مرحلة التميز يعيش في معزل
عن قومه، وقد كانت فطرة إبراهيم طاهرة زكية، وقلبه سليم لم
يتلوث بالأدناس والأرجاس وعبادة الأوثان، وكان بعيداً عما كان
عليه قومه من فساد وانحراف.
ثانيا: مرحلة الدعوة والمواجهة:
وعندما دخل بيت أبيه آزر (1) أخذ يحاجّه في عبادة الأصنام، بعد
ذلك أخذ يدعوا قومه لترك عبادة الأصنام وكانت الدعوة إلى
التوحيد ثم وصل به الأمر في محاجّة النمرود نفسه في أن الله هو
المدبر وهو الخالق والمنظم لهذا الكون العظيم وكل ما دونه
عبيداً له، بعدها دخل مواجهة مباشرة مع أصنامهم فحّطمها مما
حدا بهم أن يحرقوه فأنجاه الله سبحانه وتعالى.
ثالثا: مرحلة الهجرة وإبلاغ رسالة التوحيد:
لقد قرر إبراهيم (عليه السلام) الهجرة المقدسة التي باركها
الله تعالى وهي أرض فلسطين، فقد كان ذا سعة من المال وأخذ معه
زوجته سارة ولم يذكر القران الكريم تفاصيل كثيرة عن هذه
الهجرة، وكانت لسارة خادمة وهبها لها الملك تدعى هاجر فلما
أبطأ على سيدنا إبراهيم الولد قال لسارة: لو شئت لبعتيني هاجر،
لعل الله يرزقنا منها بولد فيكون خلفاً لنا، فوهب الله له
إسماعيل (عليه السلام) ثم كانت البشارة فجاء إسحاق من سارة حيث
أن هذه المرحلة كانت بمثابة تأسيس لمبدأ الهجرة التي سار عليها
الرسل في ما بعد من أجل نشر الدعوة الإلهية والرسالة السماوية
حيث كانت من العلامات التأريخية المهمة في الأطروحة الإلهية
الأخيرة المتمثلة بالرسالة الخاتمة.
رابعا: مرحلة الإمامة وبناء الكعبة:
كانت هذه المرحلة بمثابة تأسيس مراكز لعبادة الله تعالى، وتكون
هذه المراكز خاصة بالتعبد كما هو شأن الكهوف والجبال والخلوة
بالله تعالى، حيث أصبحت هذه المراكز عامة يتعبد بها الناس بشكل
جماعي وتّكون شعيرة من شعائر الدين، والبيت الحرام أبرز تلك
المراكز (2).
بداية القصة
إن من القصص التي كانت لها حظوة واضحة في القرآن هي قصة نبينا
إبراهيم (عليه السلام) بشكل عام وبضمنها قصته مع الملك الظالم
النمرود الذي آتاه الله الملك. إذ تشكل هذه القصة مراحل الصراع
الأزلي بين الخير والشر، بين الحق والباطل شاخصاً بطرفيه
إبراهيم ( عليه السلام ) يمثل جانب الحق والنمرود يمثل جانب
الباطل.
وكانت المواجهة الحكيمة التي قصها الله سبحانه وتعالى في كتابه
العزيز: (أَلَمْ تَرَ إِلَى الَّذِي حَآجَّ إِبْرَاهِيمَ فِي
رِبِّهِ أَنْ آتَاهُ اللّهُ الْمُلْكَ إِذْ قَالَ إِبْرَاهِيمُ
رَبِّيَ الَّذِي يُحْيِـي وَيُمِيتُ قَالَ أَنَا أُحْيِـي
وَأُمِيتُ قَالَ إِبْرَاهِيمُ فَإِنَّ اللّهَ يَأْتِي
بِالشَّمْسِ مِنَ الْمَشْرِقِ فَأْتِ بِهَا مِنَ الْمَغْرِبِ
فَبُهِتَ الَّذِي كَفَرَ وَاللّهُ لاَ يَهْدِي الْقَوْمَ
الظَّالِمِينَ) (البقرة: 258).
وخليل الله هو:
(إبراهيم بن تارخ بن ناحور بن ساروغ بن أرغو بن فالغ بن عابر
بن شالخ بن قنيان بن أرفخشد بن سام بن نوح عليه السلام) (3)
(وقد سمّي إبراهيم (عليه السلام) (لأنه همّ فبر). وقد قيل كونه
(هّم بالآخرة وبرى من الدنيا) (4). وقد اختلف العلماء
والمفسرون والمؤرخون في اسم النمرود (النمرود).
منهم من قال أنه النمرود بن كنعان بن كوش بن سام بن نوح (عليه
السلام). وذهب آخرون إلى: أنه النمرود بن فالغ بن عابر بن
قنيان بن أرفخشد بن سام بن نوح (عليه السلام) والرأي الثاني
يدل على أن النمرود يرتبط مع نبينا إبراهيم (عليه السلام) في
النسب بالجد الرابع. (وقيل أن النمرود كان ملكاً على بابل حيث
آتاه الله الملك وأستمر ملكه قرابة أربعمائة عام حسب الروايات
والأحاديث التي ذكرت ذلك وكان ملكاً ظالماً جباراً طاغياً وقد
آثر الحياة الدنيا على الآخرة وكان وثنياً عابداً للأصنام)
(5).
ونلحظ أن من أهم ما يدفع الناس إلى الشرك وعدم التوحيد هم
الطواغيت الذين يكون لهم دور كبير في حث الناس على الشرك بالله
من خلال المكر الذي يمارسه هؤلاء الحكام في إجبار الناس على
تقديسهم وكذلك يكرهونهم على الطاعة والخضوع لهم. فإن الطغاة
والجبابرة يريدون أن يكون الناس عبيداً لهم وأن يأتمرون بأمرهم
دون اللجوء إلى الله سبحانه وتعالى كي يتمكنوا منهم ويجثموا
على صدورهم أطول فترة ممكنة.
كما في قوله تعالى: (وَتِلْكَ نِعْمَةٌ تَمُنُّهَا عَلَيَّ
أَنْ عَبَّدتَّ بَنِي إِسْرَائِيلَ) (الشعراء : 22).
تدرج نبي الله إبراهيم (عليه السلام) في المحاجّة فكانت مع
أبيه أولاً لقول الله تعالى: (.. يَا أَبَتِ لِمَ تَعْبُدُ مَا
لَا يَسْمَعُ وَلَا يُبْصِرُ وَلَا يُغْنِي عَنكَ شَيْئاً)
(مريم : 42) ثم كان حواره مع قومه كما جاء في قوله تعالى:
(وَحَآجَّهُ قَوْمُهُ قَالَ أَتُحَاجُّونِّي فِي اللّهِ وَقَدْ
هَدَانِ وَلاَ أَخَافُ مَا تُشْرِكُونَ بِهِ إِلاَّ أَن يَشَاء
رَبِّي شَيْئًا وَسِعَ رَبِّي كُلَّ شَيْءٍ عِلْمًا أَفَلاَ
تَتَذَكَّرُونَ وكيف أَخَافُ مَا أَشْرَكْتُمْ وَلاَ
تَخَافُونَ أَنَّكُمْ أَشْرَكْتُم بِاللّهِ مَا لَمْ يُنَزِّلْ
بِهِ عَلَيْكُمْ سُلْطَانًا فَأَيُّ الْفَرِيقَيْنِ أَحَقُّ
بِالأَمْنِ إِن كُنتُمْ تَعْلَمُونَ) (الأنعام : 80 -81 ).
وكانت الثالثة مختلفة تماماً عن سابقاتها حيث ان الذي آتاه
الله الملك هو الذي حاجه في ربه (أَلَمْ تَرَ إِلَى الَّذِي
حَآجَّ إِبْرَاهِيمَ فِي رِبِّهِ) (البقرة : 258 )، ومن
المناظرات الثلاث نلحظ أن الأولى والثانية كانت تصب لمصلحة
الطرف المحتج عليه لا في صالح الطرف المحتج حيث كان إبراهيم (
عليه السلام ) يريد أن يصل بهم إلى بر التوحيد وهو الذي فيه
فلاحهم ونجاحهم ، وترك ما كانوا عليه من عبادة الأوثان لأن
فيها انحطاطهم والثالثة على العكس تماماً حيث وظفها الملك
لخدمته وأراد من خلال هذه المناظرة إخماد تأثير المعجزة
الربانية التي حصلت لإبراهيم كي لا يكون لها وقع في نفوس الناس
آنذاك حيث قال لقومه من أراد أن يتبع إلهاً فليتبع إله إبراهيم
على أمل أنه يستطيع أن يثبت من خلال المحاورة بأنه مثل إله
إبراهيم إذا لم يكن أفضل منه فعليه يكون أحق بالعبادة ويكون
إلهاً لهم فيكونوا له عابدين. ولكن !! كانت إرادة الله حاضرة
ومتجلية في قول إبراهيم (عليه السلام) حيث أن النمرود أحس
بنشوة الانتصار في الوهلة الأولى عندما تساوى في عملية الاحياء
والإماتة مع الله سبحانه وتعالى ولكنه بهت ولم يتكلم حيث
ارتعدت كل أوصاله من هول المفاجأة حين طلب إبراهيم (عليه
السلام) من أن يأتي بالشمس من المغرب خلافاً لشروقها بأمر
خالقها. وكان الانتصار وتمت كلمة الله وانتصر الحق على الباطل
والخير على الشر.
(إن الأهمية الفكرية والفنية لهذه المناقشة تتمثل في جملة
حقائق منها : أن المتاع الدنيوي من المُلك ونحوه يحجز كثيراً
من الأغنياء عن التفكير السليم في اكتشاف الحقائق، فقد نقلت
قصة النمرود أنه آتاه الله الملك! وأوضح أن القصة لم تخلع هذه
السمة (سمة المُلك) عن النمرود عبثا، بل تستهدف من ذلك لفت
الانتباه إلى أن تعطيل العقل وانغلاق الفكر يقف وراء هؤلاء
الباحثين عن المتاع الدنيوي وقمتّه هي المُلك أو السيطرة
السياسية.
من الممكن أن يبهر قصيريّ النظر من الناس مُلك أو سيطرة على
الرقاب بحيث يعدّونها قمّةً لما يسمى في اللغة النفسية
(التقدير الاجتماعي) يعّد المُلك قمّة الدافع إلى السيطرة
والتفوق لأنه تملُّك لرقاب الناس بأكملهم )(6).
محتوى القصة:
أسهب العلماء والمفسرون في ذكر التفسير والمحتوى العام للقصة
وأدلى كل بدلوه حيث يمكن أن نشير إلى بعض ما ذكر:(أَلَمْ تَرَ
إِلَى الَّذِي حَآجَّ إِبْرَاهِيمَ فِي رِبِّهِ..) (البقرة :
258) تعجيب للسامع من أمر هذا الكافر، المجادل في قدرة الله أي
ألم ينته علمك إِلى ذلك المارد وهو (النمرود بن كنعان) الذي
جادل إِبراهيم في وجود الله؟ (..أَنْ آتَاهُ اللّهُ
الْمُلْكَ..) أي لأن آتاه الله الملك حيث حمله بطره بنعم الله
على إِنكار وجود الله، فقابل الجود والإِحسان بالكفر والطغيان.
(..إِذْ قَالَ إِبْرَاهِيمُ رَبِّيَ الَّذِي يُحْيِـي
وَيُمِيتُ..) أي حين قال له إِبراهيم مستدلاً على وجود الله
إِن ربي هو الذي يخلق الحياة والموت في الأجساد فهو وحده ربُّ
العالمين(..قَالَ أَنَا أُحْيِـي وَأُمِيتُ..) أي قال ذلك
الطاغية وأنا أيضاً أحيي وأميت، روي أنه دعا برجلين حكم عليهما
بالإِعدام فأمر بقتل أحدهما فقال: هذا قتلتُه، وأمر بإِطلاق
الآخر وقال: هذا أحييتُه، ولما رأى الخليل حماقته ومشاغبته في
الدليل عدل إِلى دليل آخر أجدى وأروع وأشد إِفحاماً.
(.. قَالَ إِبْرَاهِيمُ فَإِنَّ اللّهَ يَأْتِي بِالشَّمْسِ
مِنَ الْمَشْرِقِ فَأْتِ بِهَا مِنَ الْمَغْرِبِ ..) أي إِذا
كنت تدعي الألوهية وأنك تحيي وتميت كما يفعل رب العالمين جل
جلاله فهذه الشمس تطلع كل يوم من المشرق بأمر الله ومشيئته
فأطلعها من المغرب بقدرتك وسلطانك ولو مرة واحدة (.. فَبُهِتَ
الَّذِي كَفَرَ..) أي أُخرس ذلك الفاجر بالحجة القاطعة، وأصبح
مبهوتاً دهشاً لا يستطيع الجواب (..وَاللّهُ لاَ يَهْدِي
الْقَوْمَ الظَّالِمِينَ ) أي لا يلهمهم الحجة والبيان في مقام
المناظرة والبرهان بخلاف أوليائه المتقين) (7).
قيل أن هذه المناظرة تمت بعد أن من الله على نبيه إبراهيم
بالنجاة من الإحراق في النار.
(روي أن النمرود كان عنده طعام وكان الناس يفدون إليه للميرة
فوفد إبراهيم في جملة من وفدوا للميرة ولم يكن قد أجتمع به إلا
يومئذ فكانت بينهما هذه المناظرة: ولم يعط إبراهيم من الطعام
كما أعطى الناس، بل خرج وليس معه شيئٌ من الطعام. فلما قرب من
أهله عمد إلى كثيب من التراب فملأ منه عدليه وقال: أشغل أهلي
إذا قدمت عليهم، فلما قدم وضع رحاله وجاء فآتكأ فنام فقامت
امرأته سارة إلى العدلين فوجدتهما ملآنين طعاماً طيباً فعملت
منه طعاماً، فلما أستيقظ إبراهيم (عليه السلام) وجد الذي عملوه
فقال: أنى لكم هذا ؟ فقالت: أنت الذي جئت به، فعرف أنه رزق
رزقهموه الله عز وجل. وقال زيد بن أسلم: وبعث الله إلى ذلك
الملك الجبار ملكاً يأمره بالإيمان بالله فأبى عليه ثم دعاه
الثانية فأبى عليه ثم دعاه الثالثة فأبى عليه، قال: أجمع جموعك
وأجمع جموعي. فجمع النمرود جيشه وجنوده وقت طلوع الشمس فأرسل
الله عليه ذباباً من البعوض بحيث لم يروا عين الشمس وسلطها
الله عليهم فأكلت لحومهم ودماءَهم وتركتهم عظاماً بادية، ودخلت
واحدة في منخر الملك فمكثت في منخره أربعمائة سنة! عذبه الله
تعالى بها فكان يضرب رأسه بالمرازب في هذه المدة كلها حتى
أهلكه الله عز وجل ) (8).
الدلالات الفكرية للقصة
أولاً: الأفق الاجتماعي للقصة:
يلحظ من خلال الخط العام للقصة أن الناس هناك يدينون بدين
ملوكهم أو على دين ملوكهم فهم وثنيون على عبادة الأصنام
عاكفين، وهذا بسبب الجهل الذي كان مسيطرا عليهم وكان يكتنف
المجتمع النمرودي آنذاك والذي ساعد في نشره وديمومته الملك
نفسه لتحقيق مآرب شخصية وضيعة، فإنه أي الملك يستطيع بسط نفوذه
والسيطرة والتسلط مدة طويلة من الزمن في حال كون الشعب جاهل
مستكين خاضع، وهذه حال الطغاة من الملوك والرؤساء فإنهم إذا
أرادوا استعباد الناس وجعلهم ينقادون لطروحاتهم وأفكارهم
المريضة والخاطئة فأول شيء يفعلونه هو أن يجعلوا هذا المجتمع
جاهلا متخلفا لا يسمع ولا يبصر ولا يتكلم، فكان المجتمع
البابلي على هذه الصورة فأنه بعد المحاججة صار يمتلك جهلاً
مركباً وصاحب الجهل المركب من الصعب أن يعود إلى جادة الصواب
والاعتراف بالحقيقة بسهولة فيكون معانداً مجادلاً في أغلب
الأحيان. والدليل على أن إبراهيم (عليه السلام) عانى الكثير في
سبيل حث الناس وإرشادهم على التوحيد ودفعهم على أن يعبدوا الله
الواحد القهار ، ودعاهم إلى ترك عبادة الأصنام فما زاد دعاء
إبراهيم لهم إلا عناداً وإيغالاً في الكفر والابتعاد أكثر
وأكثر عن الله سبحانه وتعالى. وأنه (عليه السلام) أثبت لهم
بالدليل والبرهان صدق دعواه من خلال محاولته استنطاق الأصنام
على مرأى ومسمع من الناس فلم ينطقوا ولم يجيبوا فقال لهم: كيف
تعبدون إلهاً لا يملك لنفسه ضراً ولا نفعاً ولا يملك سؤالاُ
ولا جوابا. تعساً لهم من قوم فلم ينفع معهم هذا الخطاب فكانت
النتيجة أنهم تأمروا عليه وأجمعوا أن يرموه في كوة النار
بواسطة المنجنيق وكان لهم ما أرادوا وكان لله ما أراد!
( إن البعد الاجتماعي الذي كان يتمثل في اتخاذهم الأوثان
محوراً للعلاقات الاجتماعية في الولاء والمودة بدل الله تعالى،
مع أن هذا المحور في الولاء والمودة لا أصل له بل سوف يتحول
بعد ذلك إلى عداوة وبراءة بعضهم من بعض في يوم القيامة ) (8).
(وَقَالَ إِنَّمَا اتَّخَذْتُم مِّن دُونِ اللَّهِ أَوْثَانًا
مَّوَدَّةَ بَيْنِكُمْ فِي الْحَيَاةِ الدُّنْيَا ثُمَّ يَوْمَ
الْقِيَامَةِ يَكْفُر بَعْضُكُم بِبَعْضٍ وَيَلْعَنُ بَعْضُكُم
بَعْضًا وَمَأْوَاكُمُ النَّارُ وَمَا لَكُم مِّن نَّاصِرِينَ)
(العنكبوت : 25) مضافاً إلى وجود الحالة المدنية في حياتهم
الاجتماعية كالبناء والأعمال اليدوية) (9).
ثانياً: الأفق السياسي للقصة:
لقد صورت القصة أن نظام الحكم نظاماً ملكياً يحوي الكثير من
القوانين والأنظمة التي من خلالها تم إصدار الحكم على نبينا
إبراهيم (عليه السلام) بأن يحرقوه في النار انتصاراً لألهتهم
وكان الملك هو صاحب السطوة وصاحب القرار وهو الذي يمثل الجهة
التشريعية والتنفيذية معاً بدليل أنه من أمر برمي إبراهيم
(عليه السلام) في كوة النار وهو من أصدر قرار الإحراق، كان
الملك قد أستحوذ على الناس وجعلهم أشبه بالبيادق لا حول لهم
ولا قوة فكانوا في سبات عميق، فإن إبراهيم ( عليه السلام )
أراد أن يخرجهم من هذا السبات ليكونوا أحراراً كما خلقهم الله
سبحانه وتعالى لذلك دعاهم لعبادة الفرد الصمد، لأنهم حين
يقرروا أن يكونوا عبيداً لله وحده فإنه سبحانه و تعالى سيحررهم
من كل أنواع القيود التي قيدهم بها نمرود فليس أكثر من حرية
عبد مطيع لله سبحانه و تعالى حيث اننا لو نظرنا إلى أبعاد كلمة
التوحيد في عبارة ( لا أله إلا الله ) لوجدناها نافية لكل
أشكال العبودية التي تحدد كمال الإنسان وحريته.
ان غلبة الجانب الحسي في الإنسان وحرصه على توظيف الجانب
العقيدي لأغراضه السياسية، وانسياقه وراء شهواته هي التي حالت
دون قبول التصور التوحيدي الذي طرحه الأنبياء على الرغم من
وضوحه، وانسجامه مع الفطرة الإنسانية ) (10).
وحين يظل الطغاة والمفسدون والذين هم على نمط النمرود سادرين
في غيهم يتبعهم السُذج والجهلاء تبرز الأهمية القصوى لوجود
المنقذ الذي يأخذ بيد الأمة من الواقع المأساوي الذي تعيشه إلى
فجر الصحوة والنهوض.
( البعد السياسي الذي كان يتمثل في وجود نظام للحكم يرأسه
الملك وفيه قوانين، كما تشير إلى ذلك المناقشة التي جرت بين
إبراهيم ومن آتاه الله الملك:( أَلَمْ تَرَ إِلَى الَّذِي
حَآجَّ إِبْرَاهِيمَ فِي رِبِّهِ أَنْ آتَاهُ اللّهُ الْمُلْكَ
إِذْ قَالَ إِبْرَاهِيمُ رَبِّيَ الَّذِي يُحْيِـي وَيُمِيتُ
قَالَ أَنَا أُحْيِـي وَأُمِيتُ قَالَ إِبْرَاهِيمُ فَإِنَّ
اللّهَ يَأْتِي بِالشَّمْسِ مِنَ الْمَشْرِقِ فَأْتِ بِهَا
مِنَ الْمَغْرِبِ فَبُهِتَ الَّذِي كَفَرَ وَاللّهُ لاَ
يَهْدِي الْقَوْمَ الظَّالِمِينَ ) [البقرة : 258).
وكذلك محاكمة إبراهيم وقرار إلقائه في النار. وتؤكد ذلك النصوص
التوراتية والتأريخية والروايات الكثيرة المروية عن الصحابة
والتابعين وعن أئمة أهل البيت (عليهم السلام) حيث تذكر أن
ملكاً عظيماً يسمى أو يكنى بالنمرود كان يحكم بلاد بابل في
العراق، وأنه كان جباراً وهو الذي أمر بإحراق إبراهيم (عليه
السلام). كما ذكر في سياق القصة) (11).
ثالثاً: الأفق الأخلاقي للقصة:
إن أهم ما جاء به الخطاب القرآني بخصوص أخلاق قوم إبراهيم
(عليه السلام) هو أنهم كانوا يتبعون طريق التقليد الأعمى
لآبائهم وساداتهم وكبرائهم ولا يعطون للعقل فرصته في تعين
مواطن الخلل والصواب في عقيتدهم فكانوا أشبه بالقطيع الذي
يقوده أعمى، تخيل كيف يكون المصير! لذا لم يتحملوا عملية
الانقلاب الفكري والأخلاقي الذي جاء به إبراهيم (عليه السلام)،
لأنهم لم يكونوا مستعدين له ولم يهيئوا عقولهم لاستقباله أي
التغيير على الرغم من أنهم شهدوا معجزة إبراهيم الكبرى فلن
يتفاعلوا معها ولم يؤمنوا بها فإن الذي يشهد معجزة الرسل ولم
يؤمن بها فهو أما يكون في غفلة، أو يمتلكه حب المال والسلطة ،
أو تسيطر عليه شهواته بصورة كبيرة.
(وهكذا يمارس إبراهيم الحوار للبرهنة على عجز خصمه، كما يمارس
الفعل العنيف ( تحطيم الأصنام) لهز عقول أفراد المجتمع
لأعادتهم إلى جادة التوحيد والاستقامة) (12) ولكن لا حياة لمن
تنادي !!
قال الله تعالى: (مَا هَذِهِ التَّمَاثِيلُ الَّتِي أَنتُمْ
لَهَا عَاكِفُونَ) (الأنبياء : 52).
وقال تعالى: (قَالُوا وَجَدْنَا آبَاءنَا لَهَا عَابِدِينَ)
\(الأنبياء : 53).
وفي قوله تعالى: (قَالَ لَقَدْ كُنتُمْ أَنتُمْ وَآبَاؤُكُمْ
فِي ضَلَالٍ مُّبِينٍ) (الأنبياء : 54).
قد يتضح مما سبق وإن لم يصرح به القرآن من أن الابتعاد عن طريق
الحق والصواب الذي هو طريق الله عز وجل يوّلد كثيرا من
الانحرافات الأخلاقية في المجتمع وذلك لعد وجود الوازع والرادع
والمانع لحدوث مثل تلك الانحرافات المتمثل بمخافة الله سبحانه
وتعالى.
فالذي لا يخاف الله يفعل ما يشاء ولا سلطان على أفعاله (فإن لم
تستحي من الله ففعل ما شئت) يمكن أن نستشف من ذلك أن المجتمع
كان يعاني من أخلاق متردية وضحلة كثيرة نجهلها لأنها لم تصل
إلينا عن طريق الخطاب القرآني. على العموم أن الذي يهم في هذا
المقام هو عنوان (التقليد الأعمى) فالمراد من ذلك هدم نظرية أن
الأبناء يولدون على دين آبائهم لأن ذلك يكون مدعاة لتعطيل
العقل والبحث عن العقيدة السليمة والصحيحة التي يرضى بها الله
ورسوله.
الهوامش:
1- ذكرت بعض الروايات أن آزر أبو ابراهيم أو أخو أبيه أو صنمه
أو صفة لاسمه، وأصح الأقوال أن اسمه (تارح)، وآزر اسم أخو أبيه
أو جده لامه وأطلق عليه اسم الاب مجازا.
2- ينظر كتاب القصص القرآني ، السيد محمد باقر الحكيم ، قصة
إبراهيم ( ع).
3- تفسير ابن كثير ( القصص في القرآن ) ص 128
3-علل الشرائع : الشيخ الصدوق : ص 72
4-القصص القرآني : السيد الشهيد محمد باقر الحكيم : 180
5-قصص القرآن الكريم دلالياً وجمالياً : الدكتور محمود
البستاني : ج1 : 88
6-قرص مدمج : الموسوعة الإسلامية المعاصرة : البقرة
7-قصص القرآن : أبو الفداء إسماعيل بن كثير : 144
8-القصص القرآني : 180 .
9-حركة موسى (ع) في التاريخ : د . الشيخ نوري حاتم الساعدي :
27
10-القصص القرآني : 180 .
11-حركة موسى (ع) في التاريخ : 47
الطرح
القرآني لمحنة الأنبياء مع بني إسرائيل قصة موسى (عليه السلام)
(انموذجاً)
* السيد عبد اللطيف العميدي
تفاوت الطرح القصصي للقرآن بين الأنبياء من
حيث تفاصيل حياتهم وظروفهم مع محيطهم، فتجد أنه قد أكثر البيان
والاستشهاد لنبي دون آخر مع أن الخصائص العامة لحركتهم
وأطروحاتهم واحدة ، فكل الرسالات متشابهة في السرد القصصي
والذي يراد منه استنباط العبرة واستخلاص القوانين والسنن
الإلهية والسنن على مدى التاريخ {لقد كان في قصصهم عبرة لأولي
الالباب}..
غير أننا نجد القرآن قد ركز على أنبياء دون غيرهم وهو ما نلمسه
واضحاً في (إبراهيم وموسى) (عليه السلام) على وجه الخصوص
وأنبياء أولي العزم على وجه العموم، وطبيعي أن لهذه الميزة
أسباباً ، فبالإضافة إلى كونهم في طليعة الأنبياء من حيث الفضل
عدا خاتمهم فإنهم يمتلكون أقواماً وأتباعاً يرتبطون بهم روحياً
وعقائدياً فتحدث القرآن عنهم بإسهاب فبالنسبة لموسى (عليه
السلام) فأننا نلمس الميزات الآتية:
ـ موقعه من الديانة اليهودية والشعب الإسرائيلي والانجاز
السياسي والاجتماعي الذي حققه من خلال رسالة التوراة وسيرته
بين ظهرانيهم.
ـ المعاناة الطويلة التي مر بها كانت تشبه معاناة نبينا
المصطفى (صلى الله عليه وآله وسلم) سواء أكان تجاه الطغاة
الفراعنة أم المنافقين من بني إسرائيل.
لقد عاش الإسرائيليون في المجتمع المصري وتكاثروا إبان هجرة
النبي يوسف (عليه السلام) وقد أضطهدهم الفراعنة ولفترة طويلة
تجاوزت المئات من السنين وبلغ الاضطهاد درجات مريعة بذبح
أبنائهم، واستحياء نسائهم، فهيأ لهم سبحانه نبيه موسى فعمل على
إنقاذهم من الفراعنة وانتشالهم من المجتمع الوثني إلى مجتمع
التوحيد، لكنهم لم يبدءوا صفحتهم المشرقة تجاه كل ذلك البذل،
والمعانات النفسية، والجسدية، وحين يشير القرآن إلى ألوان تلك
المواجهة وأساليبها في قصة موسى فإنما يعبر عن مدى الآلام
والمحن التي اعترضت مسيرته الطويلة معهم والحافلة بالصدود
والعناد، بل والطعن والمحاربة ولعل هذه هي الأسباب المهمة التي
تفسر لنا مجيء قصة موسى بالتفصيل والسعة.
لقد تناول القرآن الكريم الأوضاع والصفات والمزايا العامة
للشعب الإسرائيلي والتي نحصرها بميزتين:
الميزة الأولى :
إن بني إسرائيل كانوا يعانون من ازدواجية كبيرة جاءت نتيجة
الظروف الاجتماعية المتراكمة عليهم والتي كان لها الأثر الكبير
في سلوكهم النفسي والروحي، فمن جهة كان شعور الامتياز والعظمة
والقربى من الله سبحانه بادياً عليهم، في حين نجد من جهة أخرى
أن أثار المآسي والاضطهاد قد أثرت في سلوكهم أيضاً فأصبحوا
نتيجة هذين العاملين يتميزون بازدواجية في التعامل والسلوك كما
في قوله تعالى: ({قَالُواْ يَا مُوسَى ادْعُ لَنَا رَبَّكَ
بِمَا عَهِدَ عِندَكَ لَئِن كَشَفْتَ عَنَّا الرِّجْزَ
لَنُؤْمِنَنَّ لَكَ وَلَنُرْسِلَنَّ مَعَكَ بَنِي إِسْرَائِيلَ
* فَلَمَّا كَشَفْنَا عَنْهُمُ الرِّجْزَ إِلَى أَجَلٍ هُم
بَالِغُوهُ إِذَا هُمْ يَنكُثُونَ) (الأعراف : 134-135).
الميزة الثانية:
تململهم وعدم تحملهم لأعباء الرسالة وعملية الخلاص ومطالبهم
التي لا تنتهي، ثم عدم تفاعلهم مع الأطروحة الإلهية التي جاء
بها نبيهم، فأصبحوا بذلك إلباً عليه بدل أن يكونوا دعاة له.
ويتضح ذلك في قوله تعالى: (قَالُواْ أُوذِينَا مِن قَبْلِ أَن
تَأْتِينَا وَمِن بَعْدِ مَا جِئْتَنَا قَالَ عَسَى رَبُّكُمْ
أَن يُهْلِكَ عَدُوَّكُمْ وَيَسْتَخْلِفَكُمْ فِي الأَرْضِ
فَيَنظُرَ كَيْفَ تَعْمَلُونَ) (الأعراف : 129)، يسلط القرآن
الكريم الضوء على هذه الميزة فيستعرض أحداثاً مختلفة الجوانب
عن سلوكهم معه كقضية البقرة، ونتق الجبل وامتناعهم تلبية
الدعوة بالدخول إلى الأرض المقدسة،ثم ما كتب عليهم من التيه
أربعين سنة، ثم ذهابهم للموادعة والتوبة، فإذا بهم يطلبون رؤية
الله جهراً ثم قصة قارون .. إلى غير ذلك من القصص والحوادث.
لقد ورد عنهم أنهم كانوا يقتلون عشرات الأنبياء في صباح يوم
واحد ثم يعودون إلى متاجرهم وكأن شيء لم يكن ؟ ولنرجع إلى محنة
موسى معهم، فبالرغم من أنه سبحانه وتعالى أنقذهم من البطش
والقتل الذي وقع عليهم من آل فرعون في قوله تعالى: (وَإِذْ
نَجَّيْنَاكُم مِّنْ آلِ فِرْعَوْنَ يَسُومُونَكُمْ سُوَءَ
الْعَذَابِ..) (البقرة : 49). حيث فلق لهم البحر وانجاهم،
وكانت أرجلهم ما تزال مبتلة بمائه شاهدوا قوماً يعكفون على
أصنام لهم ، فالتفتوا إلى موسى وبكل وقاحة طالبين منه الردة
إلى الكفر كما في قوله تعالى: (وَجَاوَزْنَا بِبَنِي
إِسْرَائِيلَ الْبَحْرَ فَأَتَوْاْ عَلَى قَوْمٍ يَعْكُفُونَ
عَلَى أَصْنَامٍ لَّهُمْ قَالُواْ يَا مُوسَى اجْعَل لَّنَا
إِلَـهاً كَمَا لَهُمْ آلِهَةٌ..) (الأعراف : 138)، والجدير
بالذكر أنه سبحانه عندما فلق لهم البحر بحكمته جعل لهم المسلك
فيه أثنا عشر درباً بعدد طوائفهم كي لا يتزاحمون، وعبروا
بأجمعهم ودخلوا أرض سيناء عندها قالوا يا موسى أشتد بنا العطش،
فدعا ربه أن ينزّل عليهم الطعام والشراب فكان ذلك أعجب ما يكون،
حيث كانوا يضعون أوانيهم مساءاً وعند الصباح يجدون بعضها
مملوءاً مناً (عسلاً أبيضا) والبعض الآخر سلوى (حماماً مشويا)
وكذلك أمر سبحانه موسى {أن (..اضْرِب بِّعَصَاكَ الْحَجَرَ
فَانفَجَرَتْ مِنْهُ اثْنَتَا عَشْرَةَ عَيْناً قَدْ عَلِمَ
كُلُّ أُنَاسٍ مَّشْرَبَهُمْ..) (البقرة:60)، انفجرت الصخرة
بقدرته سبحانه اثنتي عشر بعدد طوائفهم ماءاً سلسبيلاً صافياً
فهل قنعوا؟ ثم قالوا لموسى: يا موسى بلت ثيابنا من ماء العيون
وتردت فدعا نبيهم ربه أن يرسل لهم ثياباً، وعند الصباح
استيقظوا فوجدوها معلقة بأغصان الشجر، كل واحد منهم له ثيابه
مفصلة عليه. فهل آمنوا واطمأنت أنفسهم ؟ كلا لقد قالوا هذه
المرة: شمس سيناء شديدة الحر فادعوا لنا ربك، (لاحظ صيغة
الخطاب الغير مؤدب مع نبيهم، وكأن الله ليس بربهم، بل رب موسى)
يضلل علينا الغمام ليقنا حرها ويسأل موسى ربه ذلك فيستجيب
له،وكما وصفهم القرآن {(..وَظَلَّلْنَا عَلَيْكُمُ الْغَمَامَ
وَأَنزَلْنَا عَلَيْكُمُ الْمَنَّ وَالسَّلْوَى..) (البقرة :
57).
يأكلون المن والسلوى ويشربون ماءاً زلالاً ويلبسون ملابس الجنة
ويضللهم الغمام ويخلصهم من أعدائهم فهل آمنوا ؟ لقد قالوا
لموسى هذه المرة {(..لَن نَّصْبِرَ عَلَىَ طَعَامٍ وَاحِدٍ
فَادْعُ لَنَا رَبَّكَ يُخْرِجْ لَنَا مِمَّا تُنبِتُ الأَرْضُ
مِن بَقْلِهَا وَقِثَّآئِهَا وَفُومِهَا وَعَدَسِهَا..)
(البقرة:61)، عناداً وكبرياءاً على الله .. ثم قتلوا نفساً ولم
يعرفوا قاتلها، فسألوا نبيهم معرفته وبدوره سأل ربه فجاء
الجواب: (يا موسى مُرْهُم أن يذبحوا بقرة ويضربوه ببعض جسدها
فسينهض بأذن الله وينطق باسم قاتله.عندها أبلغهم نبيهم الأمر
(. إِنَّ اللّهَ يَأْمُرُكُمْ أَنْ تَذْبَحُواْ بَقَرَةً..) (البقرة
: 67)، فكان الواجب عليهم أن يأتوا بأية بقرة فيذبحوها امتثالاً
لأمر ربهم الواضح. إلا أنهم قالوا لموسى وبكل وقاحة (..أَتَتَّخِذُنَا
هُزُواً..) (البقرة : 67) فهل هذا منطق يوجه إلى نبي مرسل من
أولي العزم ؟ فأجابهم أعوذ بالله أن أكون من الجاهلين ثم بدأت
المماطلة والتسويف بغية عدم الامتثال للأمر و بحجج هزيلة مثل
لونها وصفتها، إلى أن ذبحوها وما كادوا يفعلون فضربوا قتيلهم
ببعضها فنطق باسم قاتله وعاد ميتاً ، فهل آمنوا وصدقوا بكل هذه
الدلائل؟ كلا بشهادة القرآن ( ثُمَّ قَسَتْ قُلُوبُكُم مِّن
بَعْدِ ذَلِكَ فَهِيَ كَالْحِجَارَةِ أَوْ أَشَدُّ قَسْوَةً..)
(البقرة : 74)، وعندما ذهب موسى (عليه السلام) لميقات ربه
وتلقى التوراة فما الذي فعلوه بغيابه ؟ لقد صنع لهم السامري
عجلاً من ذهب وجعله بمكان بحيث يصدر منه خوار وصوت كلما دخلت
الرياح من دبره إلى فمه، وبمجرد ان عرضه عليهم عبدوه مباشرة من
دون الله سبحانه عما يصفون . وعاد موسى فوجدهم على هذه الحال
فقال: (.. يَا قَوْمِ إِنَّكُمْ ظَلَمْتُمْ أَنفُسَكُمْ
بِاتِّخَاذِكُمُ الْعِجْلَ فَتُوبُواْ إِلَى بَارِئِكُمْ..) (البقرة
: 54)، ثم اختار منهم سبعين رجلاً هم خلاصة من آمن به في ميقات
الله وإعلان التوبة مما فعل قومهم ، فذهبوا معه وفي الطريق قال
هؤلاء الخلاصة: (..لَن نُّؤْمِنَ لَكَ حَتَّى نَرَى اللَّهَ
جَهْرَةً..) (البقرة : 55).
هذا قول الصفوة فما بالك بالعوام منهم! عندها أخذتهم الصاعقة
فقتلوا جميعاً عندها خاطب النبي الممتحن ربه: يا رب ماذا أقول
لبني إسرائيل عند عودتي بدونهم؟ عندها استجابة لطلب نبيه
أحياهم الله بقوله: (ثُمَّ بَعَثْنَاكُم مِّن بَعْدِ مَوْتِكُمْ
لَعَلَّكُمْ تَشْكُرُون) (البقرة : 56)، فهل شكروا أنعم خالقهم
؟ بعد كل هذا جاء قارون ليحيك المؤامرات على نبي الله فأغرى
بغية من بغاياهم لترمي موسى بالزنا بهتاناً، وجاء بها إلى مجلس
الوعظ الذي أعتاد النبي أن يوعظ الناس فيه وقدمها مستخفاً
برسول الله، فعند ذلك بهت موسى.
والمعروف أن تهمة البريء أثقل عند الله من السموات والأرض فكيف
بموقف الأنبياء منها؟ عندها وجه موسى نظره لها وأقسم عليها أن
تقول الحق فصعقت لهيبة النبوة وأنكرت تلك الفرية بقولها: أنت
أطهر من ماء السماء يا موسى لكن قارون أغراني فنزل قوله: ( يَا
أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لَا تَكُونُوا كَالَّذِينَ آذَوْا
مُوسَى فَبَرَّأَهُ اللَّهُ مِمَّا قَالُوا وَكَانَ عِندَ
اللَّهِ وَجِيها ) (الأحزاب : 69).
ثم ذهب موسى مع أخيه هارون في رحلة فمات هارون فدفنه أخوه ورجع
لقومه فقالوا: إن موسى قتل هارون خشية أن يشاركه الحكم ؟ هؤلاء
بني إسرائيل وهذا غيض من فيض طغيانهم .
والمتتبع للقصص القرآني خصوصاً لتلك التي تعرضت إلى أنبياء بني
إسرائيل يجدها حافلة بكل معاني الكفر والبغض للأنبياء وللذين
آمنوا كما في قوله تعالى: ( لَتَجِدَنَّ أَشَدَّ النَّاسِ
عَدَاوَةً لِّلَّذِينَ آمَنُواْ الْيَهُودَ..}) (المائدة:82)،
أفبعد كل هذا البيان نطمع اليوم أن يؤمنوا أو أن نستأمنهم ،
وأن نضع لهم سفارات في بلدان العرب والمسلمين ، فوالله لو تركت
الثعالب مكرها ، والكلاب نباحها والحيات لدغها لما ترك اليهود
عداواتهم لمحمد (صلى الله عليه وآله وسلم) ولرسالته كما في قول
النبي: (ما خلا يهوديان بمسلم إلا فكرا في قتله)، وأن كل ما
نشهده في عراقنا الحبيب من مجازر ومؤامرات ومكائد على
العراقيين عموماً وعلى أتباع أهل البيت (عليه السلام) خصوصاً
فهو بتخطيط وتآمر من لدن اللوبي الصهيوني المتغلغل في كيانات
الأنظمة العربية والأمريكية لأنهم وجدوا أن من يقود العملية
السياسية في العراق اليوم هم أتباع أهل البيت (عليه السلام)
وأعداء اليهود بالطبع والفطرة، فأرادوا الحيلولة دون ذلك بجعل
العراق ساحة لتصفية حساباتهم مع أذنابهم من التكفيريين
والصداميين.
|