|
البــلاغة فــــي القــــــرآن
السياق
المضمون الاسلوبي للالفاظ المشكلة في النص القرآني
*
الدكتور: حيدر ابو صنيع
السياق القرآني قد يثير
تساؤلا مشتركا عن معنى ما في الآية، وعن بعض الألفاظ فيها، أو
قد يثير تساؤلا عن معنى معين مرتبط بألفاظ في تلك الآية،
فيتولى مؤلفو معاني القرآن والمفسرون مهمة الكشف عن المعنى،
والمحرك في ذلك الكشف هو السياق إذ يكشف ما يزيل الغموض في
الألفاظ ويزيل الالتباس عن فهم الآية على السائل وهم غالبا من
أغلق عليهم فهم الآيات القرآنية من غير العرب.
إن في الأسلوب القرآني أمورا تحتاج إلى مواقف من النحويين،
والنحو في هيأته التي ورثناها لا يوفر مستوى فهم للقرآن،
فاحتاج من الثقافة العربية أن يظهر نحاة يسخرون النحو للقرآن
لا العكس وهؤلاء هم أصحاب كتب معاني القرآن والمفسرون ولذلك
نجد الدكتور (تمام حسان)شكا من النحاة ومن محدوديتهم داعيا
المفسرين الى الخروج عليها وكسر اطواقها ليستطيعوا أن يوضحوا
المطبق وغير المفهوم من الاسلوب القرآني.
والحق أن ما وجدناه عند مؤلفي معاني القرآن وهم يحاولون الكشف
عن المعاني التي تحملها الألفاظ ذات المضمون الأسلوبي، يجعلنا
نقول: إن ذلك يعكس مدى الذكاء الذي أفضى بهم إلى توقع إثارة
هذه الأمور لمن يشكل عليه فهمها، ويضعف مقولة الدكتور تمام
حسان (1) التي تقول: (إن النحاة لم يفطنوا إلى طبيعة التعارض
الممكن حدوثه بين النظام ومطالب السياق، أو بعبارة أخرى
التعارض بين مطالب التعليل ومطالب التركيب، فوقعوا في أخطاء
منهجية، كان من أخطرها أن النحاة درسوا زمن الأفعال على
المستوى الصرفي في عزلتها، ولم يختبروا نتائج دراساتهم إلا في
تركيب الجملة الخبرية البسيطة، فرأوا الماضي ماضيا دائما
والمضارع حالا أو استقبالا دائما، فوضعوا بذلك قواعدهم الزمنية
ثم اصطدموا بعد ذلك بأساليب الإنشاء والإفصاح، فنسبوا وظيفة
الزمن إلى الأدوات وإلى الظروف وهي تفيده معجميا لا وظيفيا،
كذلك لم يفطن النحاة إلى أهمية بقية الظواهر السياقية في تحديد
المعنى النحوي) (2).
ومن الطبيعي أن يتناول مؤلفو معاني القرآن هذه السياقات
اللفظية، لأن جل همهم كان منصبا على الجمع بين التفسير والنحو،
فحاولوا أن يبددوا الغموض عن كثير من الآيات القرآنية الكريمة
التي تثير تساؤلا عن مضمونها، خدمة للنص القرآني و سعيا منهم
لتخليص النص القرآني من إشكالية اللحن التي يقع فيها من أغلق
عليهم النص القرآني من الأعاجم، يقودهم في ذلك الذكاء المبدع
وسعة معارفهم إلى إثارة التساؤل عن التعابير القرآنية، لكي
يعدوا لمن يسأل عنها جوابا شافيا، إذا أشكل عليه فهمها من ذلك:
قوله تعالى: (إِنَّ اللَّهَ يُمْسِكُ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضَ
أَنْ تَزُولا وَلَئِنْ زَالَتَا إِنْ أَمْسَكَهُمَا مِنْ أَحَدٍ
مِنْ بَعْدِهِ إِنَّهُ كَانَ حَلِيماً غَفُوراً) (فاطر:41)،
ذكر الزجاج (3) تساؤلا عن الجمع بين معنى القدرة الذي تفيده
الآية وبين خاتمتها (إِنَّهُ كَانَ حَلِيماً غَفُوراً) فقال:
وقوله في هذا الموضع... فإن قوما سألوا، فقالوا: لم كان في هذا
الموضع ذكر الحلم والمغفرة، وهذا موضع يدل على القدرة؟ فالجواب
في هذا أنه لما أمسك السماوات والأرض عند قولهم ( اتَّخَذَ
الرَّحْمَنُ وَلَدا ً)(مريم:88) حلِم فلم يُعَجّل لهم بالعقوبة
وأمسك السموات والأرض أن تزولا من عظم فريتهم.
وقال النحاس(4) عند تناوله الآية (وفي الآية سؤال، يقال: هذا
موضع قدرة، فكيف قال: (إِنَّهُ كَانَ حَلِيماً غَفُوراً)؟
فالجواب: إنهم لما قالوا: (اتَّخَذَ الرَّحْمَنُ وَلَداً) كادت
الجبال أن تزول، وكادت السماوات أن يتفطرن، وكادت الأرض أن
تنشق لعظم ما قالوا، فأسكنها الله عز وجل، وأخر عقابهم، وحِلم
عنهم، فذلك قوله سبحانه (إِنَّهُ كَانَ حَلِيماً غَفُوراً)(5).
قال أهل التفسير ختم الله تعالى الآية بقوله (كَانَ حَلِيماً
غَفُوراً)؛ لأن المعنى أن الله يمسك السماوات والأرض أن تزولا
من كفر الكافرين وقولهم اتخذ الله ولدا كادت السماوات والأرض
أن تزولا عن أمكنتهما، فمنعهما الله وأنزل هذه الآية (6).
لقد دفع (الزجاج والنحاس) بما ذكراه من إجابة هذه الشبهة التي
قد ترد على هذا السياق القرآني فقد ختمت الآية بقوله: (إِنَّهُ
كَانَ حَلِيماً غَفُوراً) وألفاظها تعطي معنى القدرة الإلهية،
وقد يبدو لمن لا يدرك المغزى من وراء ذلك مخالفة لمقتضى السياق
القرآني الذي ظاهره يوحي بأنه كان يجب أن يقول فيه (قويا قديرا)
أو (عليا كبيرا) أو غير ذلك من الألفاظ التي تناسب معنى القدرة
أكثر من تلك الخاتمة (حليما غفورا) ولكن لما كانت الآية تدل
على أن السماوات كادت تنشق والأرض تنهد من شناعة كفر الكافرين،
كما جاء في سورة مريم: (تَكَادُ السَّمَاوَاتُ يَتَفَطَّرْنَ
مِنْهُ وَتَنْشَقُّ الْأَرْضُ وَتَخِرُّ الْجِبَالُ هَدّاً)(مريم:90)
ومع كل هذا العمل الذي تندك له السماوات والأرض، فإن الله كان
حليما بعباده غفورا لا يعجل لهم العقوبة مع استحقاقهم لها،
فهيب وعظم عز وجل في الابتداء وألطف وبشر في الانتهاء.
وفي قوله تعالى: ( إِنَّ سَعْيَكُمْ لَشَتَّى * فَأَمَّا مَنْ
أَعْطَى وَاتَّقَى * وَصَدَّقَ بِالْحُسْنَى * فَسَنُيَسِّرُهُ
لِلْيُسْرَى * وَأَمَّا مَنْ بَخِلَ وَاسْتَغْنَى * وَكَذَّبَ
بِالْحُسْنَى * فَسَنُيَسِّرُهُ لِلْعُسْرَى) (الليل:4-10)
تساءل الفراء (7): عن إسناد التيسير إلى لفظ العسرى، فقال:
وقوله (فَسَنُيَسِّرُهُ لِلْعسرى) يقول: قد خلق على أنه شقي
ممنوع من الخير، و يقول القائل، فكيف قال: (فَسَنُيَسِّرُهُ
لِلْعسرى) فهل في العسرة تيسير؟ فيقال في هذا في إجازته بمنزلة
قول الله تبارك وتعالى: ( وَبَشِّرِ الَّذِينَ كَفَرُوا
بِعَذَابٍ أَلِيمٍ ) (التوبة:3) فالبشارة في الأصل على المفرح
والسار، فإذا جمعت في كلامين، هذا خير، وهذا شر، جاز التيسير
فيهما جميعا) (8).
ذكر المفسرون في معنى الآية أن التيسير التهيئة والإعداد،
واليسرى الخصلة التي فيها يسر من غير عسر، وتوصيفها باليسر فيه
نوع من التجوز، فالمراد من تيسيره اليسرى توفيقه في الأعمال
الصالحة وتسهيلها عليه من غير تعسير أو جعله مستعدا للحياة
السعيدة عند ربه ودخول الجنة بسبب الأعمال الصالحة التي يأتي
بها، والوجه الثاني أقرب وأوضح انطباقا على ما هو معهود من
القرآن (9).
وقوله: (فسنيسره للعسرى) هو على مزاوجة الكلام والمراد به
التمكين أي: نخلي بينه وبين الأعمال الموجبة للعذاب
والعقوبة(10)، وخذلانه بعدم توفيقه للأعمال الصالحة ، بتثقيلها
عليه وعدم شرح صدره للإيمان أو إعداده للعذاب (11).
وقال الطبري ( ولا تَيسُر في العسرى الذي تقدم في أول الكلام
من قوله (فسنيسره العسرى) وإذا جمع بين كلامين أحدهما ذكر
الخير والآخر ذكر الشر جاز ذلك بالتيسير فيهما جميعا والعسرى
التي أخبر الله جل ثناؤه أنه ييسره لها : العمل بما يكرهه ولا
يرضاه) (12).
يبدو أن هناك تسويغاً كثيراً لهذا السياق القرآني (13) والظاهر
أن وراء هذا السياق واختيار الفاظه جاء سعيا لتحقيق غرضين:
أولهما: مبالغة في الوعيد و النذير لمن بخل واستغنى بالتيسير
لسلوك طريق جهنم، وثانيهما: التيسير في اليسرى والعسرى معا
إرضاءاً للطرفين في سلوك الطريق التي يريدها ( الجنة أو النار).
وفي قوله تعالى: (كَأَنَّهُمْ يَوْمَ يَرَوْنَهَا لَمْ
يَلْبَثُوا إِلَّا عَشِيَّةً أَوْ ضُحَاهَا) (النازعـات:46)
تساءل الفراء عن إضافة الضحى إلى العشي, والضحى إنما تكون في
أصل معناها لصدر النهار ، فوضح الفراء ذلك بقوله: (يقول القائل:
وهل للعشي ضحى إنما الضحى لصدر النهار؟ فهذا بيّن ظاهر من كلام
العرب أن يقولوا: آتيك العشية أو غداتها ، وآتيك الغداة أو
عشيتها. تكون العشية في معنى آخر ، والغداة بمعنى أول...)
(14).
جاء في تفسير الآية: أنهم قالوا ذلك بعد انقطاع عذاب القبر
عنهم لأن الله يعذبهم ، ثم يعيدهم (15) والضحى والعشية لأنهما
من يوم واحد (16) والعرب تقول: أتيتك العشية أو غداتها ، و
آتيك الغداة أو عشيتها ، فيجعلون الغداة بمعنى أول النهار
والعشية: آخر النهار (17).
يبدو أن ما ورد في كتب اللغة أن الضحى هي أول النهار حين تنبسط
الشمس في أول النهار حتى الظهيرة، أما العشية أو العشي، فهو
وقت زوال الشمس في آخر النهار ، وإضافة الضحى إلى العشي،
لأنهما (الضحى والعشي) يجتمعان في أن كليهما طرفا النهار
فبينهما ملابسة وانسجاما ، أو لأنه ذكر أحدهما أولا فأضاف
الآخر إليه تجوزا و اتساعا ، أو أن هذا السياق جاء ليصور هول
يوم القيامة وصعوبته على الناس وهو الأقرب إلى نفسي ـ والله
أعلم ـ لأنها سريعة ومفاجئة والذي يريد أن يقدر قيامه في هذه
الدنيا ما هو إلا وقت الضحى إلى وقت العشية من النهار (18).
وفي قوله تعالى: (يَسْأَلونَكَ عَنِ السَّاعَةِ أَيَّانَ
مُرْسَاهَا)(النازعـات:42) توقف الفراء عند تفسير هذه الآية
وسعى لإيجاد رابط يربط بين الإرساء والساعة، فقال: (وقوله (أَيَّانَ
مُرْسَاهَا) يقول القائل: إنما الإرساء للسفينة والجبال وما
أشبههن، فكيف وصفت الساعة بالإرساء؟ قلت: هي بمنزلة السفينة
إذا كانت جارية فرست ، ورسوها قيامها ، وليس قيامها كقيام
القائم على رجليه ونحوه، إنما هو كقولك: قد قام العدل، وقام
الحق، أي ظهر وثبت) (19).
السياق القرآني خدم الفراء في الكشف عن معنى الإرساء واسناده
إلى الساعة (يوم القيامة)، لأن الرسو يعني الثبوت (20) فرسا
الشيء يرسو: ثبت وأرساه غيره، وقد توصف الجبال بأنها رواسي كما
قال تعالى: ( وَجَعَلْنَا فِيهَا رَوَاسِيَ شَامِخَاتٍ
وَأَسْقَيْنَاكُمْ مَاءً فُرَاتاً ) (المرسلات:27) أي جبال
ثابتات ورسوت بين القوم، أي أثبت بينهم إيقاع الصلح ومرسى
الساعة : زمان ثبوتها ، أو منتهاها لأن مرسى السفينة إقامتها
(21)
فاختير معنى الإرساء لوصول يوم القيامة قياسا حذواً على رسو
السفينة ورسو الجبال إذا ثبتتا واستقرتا.
وفي قوله تعالى: (لِكُلِّ أُمَّةٍ جَعَلْنَا مَنْسَكاً هُمْ
نَاسِكُوهُ فَلا يُنَازِعُنَّكَ فِي الْأَمْرِ وَادْعُ إِلَى
رَبِّكَ إِنَّكَ لَعَلَى هُدىً مُسْتَقِيمٍ ) (الحج:67) وقف (الزجاج
والنحاس) عند قوله تعالى: (فلا ينازعنك) فتساءلا عن استعمال
هذا اللفظ بهذا المعنى في هذه الآية ، فقال الزجاج: (وقوله (فَلا
يُنَازِعُنَّكَ فِي الْأَمْرِ) أي: لا يجادلنك فيه، ومعناه لا
تنازعنهم، والدليل على أن المعنى لا يجادلنك ولا تجادلنهم،
قوله: (وَإِنْ جَادَلُوكَ فَقُلِ اللَّهُ أَعْلَمُ بِمَا
تَعْمَلُونَ) (الحج:68) هذا قبل القتال، فإن قال قائل: فهم قد
جادلوه، فِلمَ قيل: (فلا ينازعنك في الأمر) وهم قد نازعوه،
فالمعنى أنه نهي له (صلى الله عليه وآله وسلم) عن منازعتهم كما
يقال لا يخاصمنك فلان في هذا أبدا، وهذا جائز في الفعل الذي لا
يكون إلا تجادلنه، ولا يجوز هذا في قوله: لا يضربنك فلان، وأنت
تريد لا تضربه، ولكن لو قلت: لا يضاربنك فلان، لكان كقولك: لا
تضاربن فلانا) (22).
وقال النحاس: (وقوله عز وجل (فَلا يُنَازِعُنَّكَ فِي اَلأمْرِ
وَادْعُ...) أي فلا يجادلنك، ودل على هذا (وإن جادلوك)، ويقال
نازعوه، فكيف قال: (فلا ينازعنك)؟... فالجواب: أن المعنى فلا
تنازعهم. ولا يجوز هذا إلا فيما لا يكون إلا من اثنين، نحو
المنازعة والمخاصمة، وما شابهها، ولو قلت: يضربنك تريد لا
تضربهم ، لم يجز) (23).
يبدو أن هذه اللفظة التي تساءل عنها الزجاج والنحاس من باب
المفاعلة الذي لا يكون إلا من اثنين فأكثر ، مثل: قاتل وجادل،
لأن هذه الصيغة تدل على المشاركة من الطرفين، فلا يقال: عن شخص
(قَاتَلَ) إلا إذا كان أمامه من يقاتله وهكذا ، فالغرض من هذا
السياق دعوة النبي (صلى الله عليه وآله وسلم) على التأسي
بالأنبياء في الصبر وتحمل الأذى وترك مجادلة الكفرة المعاندين
والإمساك عن مناظرتهم بعد اليأس من إيمانهم (24) وهو نهي
للكافرين بدعوة النبي (صلى الله عليه وآله وسلم) عن منازعته في
المناسك التي أتى بها وهم و إن كانوا لا يؤمنون بدعوته ولا
يرون لما أتى به من الأوامر والنواهي وقعا يسلمون له ولا أثر
لنهي من لا يسلم للناهي طاعة لكن هذا النهي لما كان معتمدا على
الحجة لم يصر لغوا لا أثر له (25).
وفي قوله تعالى: (يَدْعُو مِنْ دُونِ اللَّهِ مَا لا يَضُرُّهُ
وَمَا لا يَنْفَعُهُ ذَلِكَ هُوَ الضَّلالُ الْبَعِيدُ)
(الحج:12) قال الزجاج: (وقوله: يعني يدعو الوثن الذي لا يسمع
ولا يبصر ولا ينفع ولا يضر. وقوله: ( يَدْعُو لَمَنْ ضَرُّهُ
أَقْرَبُ مِنْ نَفْعِهِ لَبِئْسَ الْمَوْلَى وَلَبِئْسَ
الْعَشِيرُ) (الحج:13) فقال (ما لا يضره)، وقال: (ضره أقرب من
نفعه) معناه: الضرر بعبادته أقرب من النفع، فإن قال قائل: كيف
يقال: (أقرب من نفعه) ولا نفع من قبله البتة؟.. فالعرب تقول
لما لا يكون: هذا بعيد و الدليل على ذلك قوله تعالى: (أَإِذَا
مِتْنَا وَكُنَّا تُرَاباً ذَلِكَ رَجْعٌ بَعِيدٌ) (ق30) (26).
وقال النحاس: (وقوله عز وجل (يَدْعُو مِنْ دُونِ اللَّهِ مَا
لا يَضُرُّهُ وَمَا لا يَنْفَعُهُ) (الحج:12) ثم قال بعد ذلك (يَدْعُو
لَمَنْ ضَرُّهُ أَقْرَبُ مِنْ نَفْعِهِ لَبِئْسَ الْمَوْلَى
وَلَبِئْسَ الْعَشِيرُ) (الحج:13) فقال: كيف يكون له ضر وقد
قال: (ما لا يضره)؟ فالجواب: أن المعنى يدعو لمن ضر عبادته...
فإن قيل: كيف قال: (أقرب من نفعه) ولا نفع له؟ فالجواب: أن
العرب تقول: لما لا يكون البتة: هذا بعيد، مثل قوله تعالى: (ذَلِكَ
رَجْعٌ بَعِيدٌ) (ق:3)(27).
يبدو أن الضرر يأتي من العابد لا من المعبود لأنه بعبادته له
أدخله النار وجلب له الضرر. والمعنى يقول هذا الذي يعبد
الأصنام يوم القيامة واصفا لصنمه الذي اتخذه مولى وعشيرا،
الصنم الذي ضره أقرب من نفعه مولى سوء وعشير سوء أقسم لبئس
المولى ولبئس العشير ، وإنما يعد ضره أقرب من نفعه لما يشاهده
يوم القيامة ما تستتبعه عبادته له من العذاب الخالد والهلاك
المؤبد(28). سياق الآيتين يوضح ضلال عابد الوثن، وقد وضح
الزجاج والنحاس السبب في اختيار هذه الألفاظ وهذا السياق وكشفا
عن المعنى المراد منه، فالاختيار له علاقة بمعنى النفع، فقوله:
(يَدْعُو لَمَنْ ضَرُّهُ أَقْرَبُ مِنْ نَفْعِهِ) فالأول يعنى
به الضر والنفع اللذان بالقصد والإرادة تنبيها على أنه لا يقصد
في ذلك ضرا ولا نفعا لكونه جمادا. وفي الثاني يريد ما يتولد من
الاستعانة به ومن عبادته ما يكون منه بقصده ، والضراء يقابل
بالسراء والنعماء، والضر بالنفع (29). يبدو أن في الآية وجوها
لا مجال لذكرها هنا (30). وفي قوله تعالى: (الطَّلاقُ
مَرَّتَانِ فَإِمْسَاكٌ بِمَعْرُوفٍ أَوْ تَسْرِيحٌ بِإِحْسَانٍ
وَلا يَحِلُّ لَكُمْ أَنْ تَأْخُذُوا مِمَّا آتَيْتُمُوهُنَّ
شَيْئاً إِلَّا أَنْ يَخَافَا أَلَّا يُقِيمَا حُدُودَ اللَّهِ
فَإِنْ خِفْتُمْ أَلَّا يُقِيمَا حُدُودَ اللَّهِ فَلا جُنَاحَ
عَلَيْهِمَا فِيمَا افْتَدَتْ بِهِ تِلْكَ حُدُودُ اللَّهِ
فَلا تَعْتَدُوهَا وَمَنْ يَتَعَدَّ حُدُودَ اللَّهِ
فَأُولَئِكَ هُمُ الظَّالِمُونَ) (البقرة:229) قال الفراء: (وقوله
(فَإِنْ خِفْتُمْ أَلَّا يُقِيمَا حُدُودَ اللَّهِ فَلا جُنَاحَ
عَلَيْهِمَا) يقال: كيف يقال (فلا جناح عليهما) ، وإنما الجناح
على الزوج، لأنه أخذ ما أعطى؟... ففي ذلك وجهان: الأول: أن
يراد الزوج من دون المرأة ، وإن كانا قد ذكرا جميعا، كما قال
في سورة الرحمن (يَخْرُجُ مِنْهُمَا اللُّؤْلُؤُ وَالْمَرْجَانُ)
(الرحمن:22) وإنما يخرج اللؤلؤ والمرجان من المالح لا من العذب.
ومنه: ( نَسِيَا حُوتَهُمَا ) (الكهف:61) وإنما الناسي صاحب
موسى وحده، ومثله في الكلام أن تقول: عندي دابتان أركبهما
وأستقي عليهما، وإنما يركب إحداهما ويستقي على الأخرى، وقد
يمكن أن يكونا جميعا تركبان ويستقي عليهما ، وهذا من سعة
العربية يحتج بسعتها. ومثله في كتاب الله (وَمِنْ رَحْمَتِهِ
جَعَلَ لَكُمُ اللَّيْلَ وَالنَّهَارَ لِتَسْكُنُوا فِيهِ
وَلِتَبْتَغُوا مِنْ فَضْلِهِ) (القصص:73) فيستقيم في الكلام
أن تقول: قد جعل الله لنا ليلا ونهارا نتعيش فيهما وننام فيهما.
وإن شئت ذهبت بالنوم إلى الليل والتعيش إلى النهار .
والوجه الآخر: أن يشتركا جميعا في ألا يكون عليهما جناح ، إذ
كانت تعطي ما قد نفي عن الزوج فيه الإثم وأشركت فيه ، لأنها
إذا أعطت ما يطرح فيه المأثم احتاجت هي إلى مثل ذلك. ومثله قول
الله تبارك وتعالى: (فَمَنْ تَعَجَّلَ فِي يَوْمَيْنِ فَلا
إِثْمَ عَلَيْهِ وَمَنْ تَأَخَّرَ فَلا إِثْمَ عَلَيْهِ)
(البقرة:203) وإنما موضع طرح الإثم في المتعجل ، فجعل للمتأخر
ـ وهو الذي لم يقصر ـ مثلما جعل على المقصر ، ومثله في الكلام
، قولك: إن تصدقت سرا فحسن، و إن تصدقت جهرا فحسن) (31).
ذكرت كتب التفسير في قوله تعالى: (فلا جناح عليهما) إنما
الإباحة لأخذ الفدية لأنه لو خص بالذكر لأوهم أنها عاصية، وان
كانت الفدية له جائزة ، فبين الإذن لهما لئلا يوهم أنه كالزنا
المحرم على الأخذ، والمعطي (32).
إن الجناح في أصله اللغوي مشتق من الجنوح وهو الميلان، وجنحت
السفينة: مالت إلى إحدى جانبيها، ومنه جناح الطائر لميله به
يمينا وشمالا، وسمي الإثم المائل بالإنسان عن الحق جناحا،
فالجناح هو الميل إلى الإثم وقيل: هو الإثم نفسه، سمي به لأنه
ميل إلى الباطل، يقال: جنح إلى كذا: مال (33).
|