الرئيسية

الاعجاز في القرآن

الاعجاز الصياغي لحق المرأة في النص القرآني
اية الإرث انوذجاً

د. سيروان عبد الزهرة هاشم

يعد النص القرآني النص اللغوي الأمثل على وجه الإطلاق، إذ لا توجد لفظة في هذا التعبير المقدس إلا وقد وضعت موضعها الدقيق الذي تستحقه بالضبط دون زيادة في موضع أو النقص في موضع آخر، لذا كان هذا الخطاب معجزاً في لغته ومضمونه على المستويات كافة، من هنا وجب أن تكون الصياغات القرآنية صياغات عالية البناء للتعبير عن المعنى وخصوصاً ما يتعلق بصياغة النصوص التشريعية التي ترتبط بالحقوق وان كان النص القرآني بأسره مصوغاً بأرفع الأساليب وأروعها، ونلحظ هذا المنظور جلياً في النص المعبر عن الحقوق الارثية للذكر والأنثى فيما فرضه الله سبحانه في كتابه وذلك تحديداً في قوله تعالى: ( لِّلرِّجَالِ نَصيِبٌ مِّمَّا تَرَكَ الْوَالِدَانِ وَالأَقْرَبُونَ وَلِلنِّسَاء نَصِيبٌ.. ) (النساء : 7) فان لفظة (نصيب) مجملة في هذا النص الشريف وقد بينها الله تعالى في آية أخرى في قوله: (يُوصِيكُمُ اللّهُ فِي أَوْلاَدِكُمْ لِلذَّكَرِ مِثْلُ حَظِّ الأُنثَيَيْنِ..) (النساء : 11) ذلك بان الآية الأولى(مجملة لا يعلم منها من يرث من الرجال والنساء بالفرض والتعصب ومن يرث ومن لا يرث) (1) فكان (شأن ميراثهم هو الإجمال ففصله في قوله: (لِلذَّكَرِ مِثْلُ حَظِّ الأُنثَيَيْنِ..)، وعند النظر والتأمل في النص التفصيلي (لِلذَّكَرِ مِثْلُ حَظِّ الأُنثَيَيْنِ..) الذي أوضح سبحانه به آية ميراث الإجمال قبله، نجد ان حظ الذكر ضعف ما تأخذه الأنثى من الميراث على حين إنهما متساويان في المرتبة بالنسبة إلى المتوفى وهي (النسب) إليه فكلاهما ولداه، وللرد على هذا نستعين بما جاء عن الإمام الرضا (عليه السلام) في هذا الشأن، إذ قال: (إنهن يرجعن عيالاً عليهم) (2) بمعنى أن الرجل الذي يأخذ حصتين سوف ينفق من سهمه على زوجته وبناته (عياله) فيكون بذلك مؤدياً لما أخذه من زيادة في ارثه إلى النساء أيضا فكأن حصتهن محفوظة بهذه الحيثية هذا من جهة، أما من جهة أخرى فقد أوفى القول فيها الإمام الصادق (عليه السلام) إذ قال: (إن المرأة ليس عليها جهاد ولا نفقة ولا معلقة، فإنما ذلك على الرجل، فلذلك جعل للمرأة سهما وللرجل سهمين) (3)، لان منافذ انفاقاته أكثر وأن ما يتحمل من الصعاب والتبعات في الحياة أعسر، في حين أن المرأة لا شأن لها بما يفرض على الرجال في الجوانب التي ذكرها الإمام الصادق (عليه السلام) ولربما كان في قولي الإمامين (عليهما السلام) تعليلهما لسر الزيادة في حصة الرجل رد على المفسرين الذين قالوا ان الرجل قد زيد سهمه لفضله وزيادة شأنه وتكامله على المرأة (4)، لان هذا الاتجاه غير مقبول عقلاً ومنطقاً، ولرب سائل يسأل ما السبب في تقديم الذكر على الأنثى في آية التفصيل وللرد نقول:
إن (اللام) في قوله (للذكر) استحقاقية ولما كان الذكر يأخذ ضعف حق الأنثى كان تقديمه أولى.
إن الذكور غالباً ما يقومون بعملية توزيع التركة لذا قدم سبحانه ذكرهم لتوجيههم إلى تحمل مسؤولية التوزيع والقسمة ابتداءً وزيادة في اطمئنانهم على أن حقوقهم محفوظة ومصونة ثانياً، فلا يتعدون على حقوق أخواتهم الإناث، فـ (كفى الذكور أن ضوعف لهم نصيب الإناث فلا يتمادى في حظهن حتى يحرمن من إدلائهن في القرابة بمثل ما يدلون به) (5).
أفاد من التقديم الإشارة إلى أن الحديث هنا يتجه إلى تأكيد حق الأنثى أكثر من الرجل، إذ جعل حقها هو المقيس عليه فكأن حقها مقدم على حق الرجل، الأمر الذي دعا إلى أن يقاس حق الرجل عليها فهذا تأكيد على حق المرأة وأنه هو المقدم على غيره فهذا شبيه بقولك: (لزيد مثل حق عمر) فكنت بهذا قد جعلت حق زيد مقيساً على حق عمرو، فكأن عمراً قد أخذ حقه وأنتهى الأمر ثم جاء زيد فأردت أن تبين الحال لحصة المرأة فقد جعلها الله تعالى أصلا يقاس عليه حظ الرجل، ليعلم بذلك أن حقها أوجب بالأداء قبل حقه ابتداءً، لأنه لا يستطيع أن يعرف ما له من حظ إذا لم يعرف حصة كل واحدة من أخواته الإناث، وأكد هذا المعنى بلفظة (مثل) حتى يدرك الرجل أن له مثل ما لأخته فهما سيان في القيمة عند الله تعالى من حيث العبودية وسيان عند مخلف الإرث لأنهما ولداه فكانت حصة كل منهما يجب أن تؤخذ كما فصلها الله تعالى على ما بينها تأسيساً على حكمته سبحانه، ولو رفع سبحانه لفظة (مثل) التي أكد بها أحقية كل منهما لأصبحت العبارة (للذكر حظ الأنثيين) فيفهم منها أن للذكر الحق في أن يأخذ حصة أختيه وهذا غير جائز، لذا قدم سبحانه قوله (للذكر) وعزز المعنى بلفظة (مثل) ليحفظ للأنثى حقها وللرجل حقه من أن يزل فيقع في الحرمة (6).
بهذا نجد أن الله تعالى قد أبدع في بنائه لهذه الآية الكريمة التي بين فيها لذوي النظر أن المرأة مراعاة ومقدمة على غيرها حتى في الصياغات التعبيرية وهذا كله يرد في سياق التأكيد على حقوق النساء لأنهن مستضعفات، إذ كانت النساء المتزوجات في عهد ما قبل الإسلام يرثهن الابن الأكبر للرجل المتوفى بعد وفاة والده فيأخذ زوجة أبيه ويلقي بعباءته عليها ويتزوجها ويستأثر بما لها من حقوق شرعية وقد يحدث أن يعضلها ويضيق عليها ولا تنفك منه إلا بالتنازل عن حقوقها أو يأخذ مهرها وما تملكه من أبيه المتوفى كرهاً إذا شاءت أن تتزوج فكأنها -والحال هذه- تفتدي نفسها بسلبها حقوقها من هنا جاء توثيق النص القرآني وتأكيده على حق المرأة كي لا تظلم في عهد الحق والعدالة عهد الإسلام القويم.

الهوامش:
1- الزركشي: البرهان في علوم القرآن: 2/192.
2- شبر: الجوهر الثمين: 2/16 وينظر: الطوسي: جمع البيان: 2/13 والرازي: التفسير الكبير: 9/165.
3- الطبرسي: مجمع البيان: 2/13.
4- البحراني: البرهان: 2/13 وينظر: الطباطبائي: الميزان: 4/220.
5- ينظر الزمخشري: الكشاف: 1/511 وشبر: الجوهر الثمين: 2/16.
6- الزمخشري: الكشاف: 1/511.

--------------------------------------------------------------------------
 

الأعجاز القرآني

* الدكتور: ابراهيم الصالحي

النبي - أي نبي- صاحب رسالة يريد أن ينفذ بها إلى قلوب الناس و عقولهم، ليصنع الإنسان الأفضل الذي يريده الله على وجه الأرض، ولا يمكنه أن يحقق هذا الهدف ما لم يكسب أيمان الناس بنبوته، واعتقادهم بصدق دعواه في ارتباطه بالله والأرض، لكي يتاح له ان يتسلم زمام قيادتهم ويغذيهم برسالته ومفاهيمها ومبادئها.
والناس لا يؤمنون بدون دليل، إذا كانت الدعوى التي يدعوهم إليها ذات حجم كبير وتقترن بالمشكلات والمصاعب وترتبط بعالم الغيب، فلا يمكن للنبي ان يدعوهم إلى الإيمان به وبرسالته، ويكلفهم بذلك ما لم يقدم لهم الدليل الذي يبرهن على صدق دعواه، وكونه رسولاً حقاً من قبل الله تعالى، فكما لا نصدق في حياتنا الاعتيادية شخصاً يدعي تمثيل جهة رسمية ذات أهمية كبيرة مثلا، ما لم يدعم دعواه بالدليل على صدقه، ونرفض مطالبته لنا بالتصديق من دون برهان، كذلك لا يمكن للإنسان إن يؤمن برسالة النبي ونبوته إلا على أساس الدليل.
والدليل الذي يبرهن على صدق النبي في دعواه هو المعجزة، وهي: أن يحدث تغييراً في الكون - صغيراً أو كبيراً - يتحدى به القوانين الطبيعية التي ثبتت عن طريق الحس والتجربة، فمن وضع الماء على النار ليكون حاراً فارتفعت درجة حرارته يطبق قانوناً طبيعياً عرفه الناس عن طريق الحس والتجربة، وهو انتقال الحرارة من الجسم الحار إلى الجسم الذي يجاوره، وأما من ادعى أنه يجعل الماء حاراً بدون الاستعانة بأي طاقة حرارية، وحقق ذلك فعلاً فهو يتحدى قوانين الطبيعة التي يكشف عنها الحس والتجربة، ومن ابرأ مريضاً بإعطائه مادة مضادة للميكروب الذي أمرضه، يطبق قانوناً طبيعياً يعرفه بالتجربة، وهو إن هذه المادة بطبيعتها تقتل الميكروب الخاص، وإما من أبرأ المريض بدون إعطاء أي مادة مضادة فهو يتحدى قوانين الطبيعة التي يعرفها الناس بالتجربة، ويحقق المعجزة. فإذا أتى النبي بمعجزة من هذا القبيل كانت برهاناً على ارتباطه بالله تعالى، وصدقه في دعوى النبوة، لان الإنسان بقدرته الاعتيادية لا يمكنه أن يغير في الكون شيئاً، إلا بالاستفادة من القوانين الكونية التي يعرفها عن طريق الحس والتجربة، فإذا استطاع الفرد أن يحقق تغييراً يتحدى به هذه القوانين، فهو إنسان يستمد قدرة استثنائية من الله تعالى، ويرتبط به ارتباطاً يميزه عن الآخرين، الأمر الذي يفرض علينا تصديقه إذا ادعى النبوة.
وفي ضوء ما قلناه نعرف أن سبق النوابغ من العلماء في الحقول العلمية، لا يعتبر معجزة، فإذا افترضنا أن شخصاً من العلماء اليوم سبق أنداده، ونجح في اكتشاف الورم السرطاني مثلا، والمادة التي تقضي عليه فهو يستطيع بحكم اكتشافه ان يبرئ مريضاً من السرطان، بينما يعجز عن ذلك جميع العلماء الاخرين، ولكن علمه هذا ليس معجزة لأنه أنما يتحدى جهل العلماء الاخرين بالسر والعلة والدواء، ولا يتحدى القوانين الكونية التي تثبت بالحس والتجربة، بل هو إنما استطاع أن يبرئ المريض من السرطان على أساس تجربة فذة قام بها في مختبره العلمي، فاكتشف قانوناً يعرفه غيره حتى الآن، ومن الواضح إن معرفته بالقانون الطبيعي عن طريق التجربة، ليست تحدياً للقانون، وإنما هي تطبيق للقانون الطبيعي، وقد تحدى بذلك زملاءه الذين عجزوا عن اكتشاف القانون قبله.
وما دمنا قد عرفنا أن المعجزة هي أن يحدث النبي تغييراً في الكون يتحدى به القوانين الطبيعية فمن الميسور أن نطبق فكرتنا هذه عن المعجزة على (القرآن الكريم) الذي احدث تغييراً كبيراً جداً، وثورة كبرى في حياة الإنسان لاتقف مع المألوف والمجرب من القوانين الكونية والسنن التاريخية للمجتمع.
فنحن إذا درسنا الوضع العالمي، والوضع العربي والحجازي بصورة خاصة، وحياة النبي قبل البعثة، ومختلف العوامل والمؤثرات التي كانت متوفرة في بيئته ومحيطه، ثم قارنا ذلك بما جاء به الكتاب الكريم، من رسالة عظمى تتحدى كل تلك العوامل والمؤثرات، وما أحدثه هذا الكتاب من تغيير شامل كامل، وبناء لأمة تملك أعظم المقومات والمؤهلات، إذا لاحظنا كل ذلك وجدنا ان القرآن معجزة كبرى، ليس لها نظير لأنه لم يكن نتيجة طبيعية لتلك البيئة المختلفة بكل ما تضم من عوامل ومؤثرات، فنجده إذن يتحدى القوانين الطبيعية ويعلو عليها، وهدايته وعمق تأثيره لا تفسيره .
ولكي يتجلى ذلك بوضوح يمكننا إن نستعرض البيئة التي أدى فيها القرآن رسالته الكبرى ونقارن بينها وبين البيئة التي صنعها، والأمة التي أوجدها.
وبهذا الصدد يجب إن نأخذ النقاط التالية بعين الاعتبار، والتي يمكن ان تكون كل واحدة منها دليلاً على أعجاز القرآن:-
1-إن القرآن شع على العالم من جزيرة العرب، ومن مكة بصورة خاصة، وهي منطقة لم تمارس أي لون من ألوان التعليم والثقافة والمدنية، التي برهنت على أن الكتاب لم يجر وفق القوانين الطبيعية الاعتيادية، لان هذه القوانين التجريبية تحكم بأن الكتاب مرآة لثقافة عصره ومجتمعه، الذي عاشه صاحب الكتاب، وتثقف فيه، فهو يعبر عن مستوى من مستويات الثقافة في ذلك المجتمع، أو يعبر على أفضل تقدير عن خطوة إلى الإمام في تلك الثقافة، وإما إن يطفر الكتاب طفرة كبيرة جداً، ويأتي بدون سابق مقدمات وبلا إرهاصات بثقافة من نوع آخر لا تمت إلى الأفكار السائدة بصلة ولا تستلهمها، وإنما تقلبها رأساً على عقب، فهذا ما لا يتفق مع طبيعة الأشياء في حدود التجربة التي عاشها الناس في كل عصر. وهذا ما وقع للقرآن تماماً فأنه اختار أكثر المناطق والمجتمعات تأخراً وبدائية، وضيق أفق، وبعداً عن التيارات الفلسفية والعلمية، ليفاجئ العالم بثقافة جديدة، كان العالم كله بحاجة إليها، وليثبت أنه ليس تعبيراً عن الفكر السائد في مجتمعه، ولا خطوة محدودة إلى الإمام، وإنما هو شيء جديد بدون سابق مقدمات.
وهكذا نعرف إن اختيار البيئة والمجتمع، كان هو التحدي الأول للقوانين الطبيعية التي تقتضي أن تولد الثقافة الجديدة في أرقى البيئات من الناحية الفكرية والاجتماعية.
2-إن القرآن بشر به النبي، وأعلنه على العالم فرد من إفراد المجتمع المكي، ممن لم ينل ما يناله حتى المكيون من الوان التعلم والتثقيف، فهو أمي، لا يقرأ ولا يكتب، وقد عاش بين قومه أربعين سنة فلم تؤثر عنه طيلة هذه المدة محاولة تعلم أو إثارة من علم أو أدب، كما أشار القرآن إلى ذلك:
(وَمَا كُنتَ تَتْلُو مِن قَبْلِهِ مِن كِتَابٍ وَلَا تَخُطُّهُ بِيَمِينِكَ إِذاً لَّارْتَابَ الْمُبْطِلُونَ)[العنكبوت: 48]، (قُل لَّوْ شَاء اللّهُ مَا تَلَوْتُهُ عَلَيْكُمْ وَلاَ أَدْرَاكُم بِهِ فَقَدْ لَبِثْتُ فِيكُمْ عُمُراً مِّن قَبْلِهِ أَفَلاَ تَعْقِلُونَ)[يونس: 16]، وهذا يعتبر تحدياً آخر من القرآن للقوانين الطبيعية، إذ لو كان القرآن جارياً وفق هذه القوانين، لما كان من الممكن ان يجيء به فرد أمي، لم يشارك حتى في ثقافة مجتمعه بالرغم من بسلطتها، ولم يؤثر عنه أي بروز في عالم اللغة بمختلف مجالاتها، فيبث به الإنتاج الأدبي كله ويبهر بروعته وحكمته وبلاغته، أعاظم البلغاء والعلماء. فهل رأيت في مجرى القوانين الطبيعية شخصاً جاهلاً لم يدرس عنه شيئاً يتقدم بكتاب في الطب يبهر عقول الأطباء بما يضم من إسرار العلم وآياته؟ وهل رأيت في مجراها شخصاً لا يحسن أن يكتب في لغة ما، ولا يجيد شيئاً من علومها يأتي بالرائعة التاريخية في حياة تلك اللغة، ويكشف عن إمكانيات أدبية كبيرة جداً في تلك اللغة لم تكن تخطر على بال حتى يتصور الناس انه ساحر؟ والواقع إن المشركين في عصر (البعثة النبوية) أحسوا بهذا التحدي العظيم وكانوا حائرين في كيفية تفسيره، ولا يجدون تفسيراً معقولاً له وفق القوانين الطبيعية، ولدينا عدة نصوص تاريخية تصور حيرتهم في تفسير القرآن وموقفهم، القلق من تعديه للقوانين والعادات الطبيعية.
فمن ذلك أن الوليد بن المغيرة استمع يوماً إلى النبي في المسجد الحرام وهو يقرأ القرآن فانطلق إلى مجلس قومه بني مخزوم فقال: (والله لقد سمعت من محمد آنفاً كلاماً ما هو من كلام الأنس ولا من كلام الجن وان له لحلاوة وان علية لطلاوة وان أعلاه لمثمر وان أسلفه لمعذب وانه ليعلو وما يعلى) ثم انصرف إلى منزله فقالت قريش: صبا، والله الوليد والله ليصبأن قريش كلهم، فقال أبو جهل: أنا اكفيكموه، فانطلق فقعد إلى جانب الوليد حزيناً، فقال له الوليد: مالي أراك حزيناً يا ابن أخي؟ فقال له: هذه قريش يصيبونك على كبر سنك، ويزعمون انك زينت كلام محمد، فقام الوليد مع أبي جهل حتى أتى مجلس قومه، فقال لهم: تزعمون إن محمداً مجنون فهل رأيتموه يخنق قَطْ؟! فقالوا: اللهم لا، فقال: تزعمون انه كاهن، فهل رأيتم عليه شيئاً من ذلك؟! قالوا: اللهم لا، فقال: تزعمون انه شاعر فهل رأيتموه ينطق بشعر قط؟! قالوا: اللهم لا ، قال: تزعمون انه كذاب فهل جربتم عليه شيئاً من الكذب؟! فقالوا: اللهم لا، فما هو إذن؟ فغرق الوليد في الفكر ثم قال: ما هو إلا ساحر! أما رأيتموه يفرق بين الرجل وأهله وولده ومواليه، فنزل قوله تعالى: (إِنَّهُ فَكَّرَ وَقَدَّرَ * فَقُتِلَ كَيْفَ قَدَّرَ * ثُمَّ قُتِلَ كَيْفَ قَدَّرَ * ثُمَّ نَظَرَ * ثُمَّ عَبَسَ وَبَسَرَ * ثُمَّ أَدْبَرَ وَاسْتَكْبَرَ * فَقَالَ إِنْ هَذَا إِلَّا سِحْرٌ يُؤْثَرُ)[المدّثر: 18-24]، وقد افترض بعض العرب-لتعليل هذه الحيرة ‘أمام تحدي القرآن لهم بنزوله على شخص أمي-أن يكون احد من البشر قد علم النبي(صلى الله عليه واله وسلم) القرآن، ولم يجرؤا وهم الأميون على دعوى تعلمه من احد منهم، فقد أدركوا بالفطرة أن الجاهل لا يعلم الناس شيئاً، وإنما زعموا أن غلاماً رومياً أعجميا نصرانياً، يشتغل في مكة قيناً (حداد) يصنع السيوف، هو الذي علم النبي القرآن، وكان ذلك الغلام على عاميته يعرف القراءة والكتابة، وقد تحدث القرآن الكريم عن افتراض العرب هذا، ورد عليه رداً بديهياً قال تعالى: (…لِّسَانُ الَّذِي يُلْحِدُونَ إِلَيْهِ أَعْجَمِيٌّ وَهَـذَا لِسَانٌ عَرَبِيٌّ مُّبِينٌ)[النحل: 103]
3-إن القرآن الكريم يمتد بنظره إلى الغيب المجهول في الماضي البعيد وفي المستقبل على سواء، فهو يقص أحسن القصص عن أمم خلت، وما وقع في حياتها من عظات وعبر، وما اكتنفها من مضاعفات، يتحدث كذلك حديث من شاهد الأحداث كلها، وراقب جريانها، وعاش في عصرها بين أصحابها، قال الله تعالى: (تِلْكَ مِنْ أَنبَاء الْغَيْبِ نُوحِيهَا إِلَيْكَ مَا كُنتَ تَعْلَمُهَا أَنتَ وَلاَ قَوْمُكَ مِن قَبْلِ هَـذَا فَاصْبِرْ إِنَّ الْعَاقِبَةَ لِلْمُتَّقِينَ)[هود: 49]،
وقال (وَمَا كُنتَ بِجَانِبِ الْغَرْبِيِّ إِذْ قَضَيْنَا إِلَى مُوسَى الْأَمْرَ وَمَا كُنتَ مِنَ الشَّاهِدِينَ * وَلَكِنَّا أَنشَأْنَا قُرُوناً فَتَطَاوَلَ عَلَيْهِمُ الْعُمُرُ وَمَا كُنتَ ثَاوِياً فِي أَهْلِ مَدْيَنَ تَتْلُو عَلَيْهِمْ آيَاتِنَا وَلَكِنَّا كُنَّا مُرْسِلِينَ)[القصص:44-45]، وقال: (ذَلِكَ مِنْ أَنبَاء الْغَيْبِ نُوحِيهِ إِلَيكَ وَمَا كُنتَ لَدَيْهِمْ إِذْ يُلْقُون أَقْلاَمَهُمْ أَيُّهُمْ يَكْفُلُ مَرْيَمَ وَمَا كُنتَ لَدَيْهِمْ إِذْ يَخْتَصِمُونَ)[آل عمران: 44]، وكل هذه الآيات الكريمة تأكد تحدي القرآن للقوانين الطبيعية في استيعابه لتلك الأحداث، وأحاطته بالماضي المجهول، إذ كيف يمكن بحكم القوانين الطبيعية أن يتحدث شخص في كتاب عن أحداث أمم في الماضي السحيق لم يعشها ولم يعاصرها؟ وقد أحس المشركون بهذا التحدي أيضا: (وَقَالُوا أَسَاطِيرُ الْأَوَّلِينَ اكْتَتَبَهَا فَهِيَ تُمْلَى عَلَيْهِ بُكْرَةً وَأَصِيلاً)[الفرقان: 5].. وكانت حياة محمد (صلى الله عليه واله وسلم) رداً مفحماً لهم، فقد عاش في مكة ولم تتهيأ له أية دراسة لأساطير الأولين، أو كتب العهدين: التوراة والإنجيل، ولم يخرج من المنطقة إلا مرتين، سافر فيهما إلى الشام، أحداهما: في طفولته مع عمه لقي فيها بحيرا، وهو ابن تسع سنين، فقال هذا الراهب لعمه: (سيكون لابن أخيك هذا شأن عظيم) والأخرى: في تجارة خديجة وهو شاب وكان بصحبته ميسرة غلام خديجة، ولم يتجاوز (صلى الله عليه واله) سوى مدينة بصري، في كلتا الرحلتين القصيرتين، فأين تأتى للنبي أن يدرس التوراة أو يكتب أساطير الأولين؟!
والحقيقة إن مقارنة القصص التي جاءت في القرآن الكريم بالعهد القديم تؤكد التحدي، إذ تبرز إعجاز القرآن بصورة أوضح، لأن التوراة التي شهد القرآن بتحريفها كانت قصصها وأحاديثها -عن ماضي الأمم وأحداثها- مشحونة بالخرافات والأساطير وما يسيء إلى كرامة الأنبياء، ويبتعد بالقصة عن أهداف التبليغ والدعوة، بينما نجد قصص تلك الأمم في القرآن، قد نقيت من تلك العناصر الغريبة، وأبرزت فيها الجوانب التي تتصل بأهداف التبليغ، واستعرضت بوصفها عظة وعبرة لا مجرد تجميع اعمي للمعلومات.
وكما كان القرآن محيطاً بالماضي، كذلك كان محيطاً بالمستقبل، فكم من خبر مستقبل كشف القرآن حجابه فتحقق وفقاً لما اخبر به، ورآه المشركون، ومن هذا القبيل أخبار القرآن بانتصار الروم على الفرس في بعض سنين، إذ قال تعالى:( غُلِبَتِ الرُّومُ * فِي أَدْنَى الْأَرْضِ وَهُم مِّن بَعْدِ غَلَبِهِمْ سَيَغْلِبُونَ * فِي بِضْعِ سِنِينَ..)[الروم :2-4]، وقد اخبر القرآن بذلك على أعقاب هزيمة فضيعة مني بها الروم، وانتصار ساحق سجله الفرس عليهم، ففرح المشركون بذلك لأنهم رأوا فيه انتصاراً للشرك والوثنية على رسالات السماء، نظراً إلى أن الفرس المنتصرين كانوا وثنيين والروم كانوا نصارى، فنزول القرآن يؤكد انتصار الروم في المستقبل القريب، فهل يمكن لكتاب غير نازل من الله تعالى إن يؤكد خبراً غيبياً في المستقبل القريب من هذا القبيل، ويربط كرامته ومصيره بالغيب المجهول، وهو يهدد مستقبله بالفضيحة إذا ظهر كذبه في نبوءته؟ وهكذا نجد إن القرآن يتحدى الغيب في الماضي والمستقبل على السواء، ويتحدث بلغة المطمئن الواثق، الذي لا يخالجه شك فيما يقوله، وهذا ما لا يقدر عليه إنسان، أو كتاب إنسان وفقاً للقوانين الطبيعية.

 

مجلة تعنى بشؤون القرآن الكريم تصدر عن مؤسسة الثقافة والاعلام لمنظمة بدر/دار القرآن الكريم المركزي              الرئيسية

      Design by:    internetbadr@yahoo.com