الرئيسية

العقائد في القرآن

علاقة الحركة بالانتظار
وعلاقة الانتظار بالحركة

(وَلَقَدْ كَتَبْنَا فِي الزَّبُورِ مِن بَعْدِ الذِّكْرِ أَنَّ الْأَرْضَ يَرِثُهَا عِبَادِيَ الصَّالِحُونَ)

* هبة السنيد

للانتظار علاقة عضوية وثيقة بالحركة فهي من نتائجه وهو من عواصمها. وسوف نبحث أولاً علاقته بها وثانياً في علاقتها به.
علاقة الانتظار بالحركة
يحب بعض الناس أن يصوروا حالة الانتظار أنها مسألة نفسية نابعة من حالة الحرمان وحالة الهروب من الواقع المثقل بالمتاعب إلى الاستغراق في تصور المستقبل الذي يتمكن فيه المحرومون من استعادة جميع حقوقهم واستعادة السيادة والحقوق المغتصبة وهذا نوع من (أحلام اليقظة) أو الهروب من الواقع إلى التخيل.
إن هذا التوجيه لمسألة الانتظار غير علمي إذا نظرنا في تأريخ المسألة والمساحة الواسعة التي تحتلها من العقائد الدينية المعروفة في تأريخ الإنسان.
تتجاوز مسألة الانتظار الدائرة الدينية وتعم المذاهب والاتجاهات غير الدينية كالماركسية مثلاً كما يقول برتراند راسل (الانتظار لا يخص الأديان فحسب، بل المدارس والمذاهب أيضاً تنتظر ظهور منقذ ينشر العدل ويحقق العدالة)، والانتظار كما يقول راسل عند الماركسيين هو الانتظار نفسه عند المسيحيين.
والانتظار عند (تولستوي) المعنى نفسه الموجود عند المسيحيين إلا أن هذا الروائي الروسي يختلف عن المسيحيين في الزاوية التي يطرح منها المسألة.
نقرأ في العهد القديم من الكتاب المقدس (لا تقلق لوجود الأشرار والظالمين فسوف تنقطع سلالة الظالمين والمنتظرون لعدل الله يرثون الأرض والذين لعنوا يتفرقون والصالحون من الناس هم الذين يرثون الأرض ويعيشون فيها إلى نهاية العالم) (1).
وهذه الحقيقة التي يقرها المزمور 37 من كتاب المزامير هي التي جاءت في القرآن الكريم: (وَلَقَدْ كَتَبْنَا فِي الزَّبُورِ مِن بَعْدِ الذِّكْرِ أَنَّ الْأَرْضَ يَرِثُهَا عِبَادِيَ الصَّالِحُونَ) (الأنبياء : 105).
والانتظار للمهدي المنقذ (عليه السلام) لا يختص بالشيعة فحسب، بل قد توافرت روايات المهدي (عج) من طرق السنة بأسانيد صحيحة ومستفيضة لا يمكن التشكيك بها كما وردت من طرق الشيعة الإمامية.
يقول عبد الرحمن بن خلدون من علماء القرن الثامن الهجري وصاحب (المقدمة) الشهيرة لكتاب (العبر) :
(اعلم أنّ المشهور من الكافة من أهل الإسلام على ممر الإعصار أنه لابد من آخر الزمان من ظهور رجل من أهل البيت يؤيد الدين ويظهر العدل ويتبعه المسلمون ويستولي على الممالك الإسلامية ويسمى (المهدي) ويكون خروج الدجال وما بعده من أشراط الساعة الثابتة في الصحيح على أثره وأن عيسى ينزل من بعده فيقتل الدجال أو ينزل معه فيساعده على قتله ويأتمّ بالمهدي في صلاته) (2).
ويقول ابن حجر الهيتمي في (الصواعق المحرقة) في قوله تعالى: (وَإِنَّهُ لَعِلْمٌ لِّلسَّاعَةِ فَلَا تَمْتَرُنَّ ..) (الزخرف : 61) قال (مقاتل) ومن تبعه من المفسرين إن هذه الآية نزلت في المهدي.

ما هو الانتظار وما قيمته الحضارية
الانتظار مفهوم إسلامي وقيمة حضارية وعلى هذا المفهوم يترتب سلوك حضاري معين فقد يفهم الناس الانتظار بطريقة سلبية يتحول فيها هذا المفهوم إلى عامل للتخدير والإعاقة عن الحركة.
وقد يفهم بطريقة ايجابية يجعل منه عاملاً من عوامل التحريك والبعث والإثارة في حياة الناس. الانتظار ثقافة ومفهوم حضاري يدخل في تكوين عقليتنا وأسلوب تفكيرنا ومنهج حياتنا ورؤيتنا إلى المستقبل وبشكل فاعل له تأثير في رسم الخط السياسي الذي نرسمه لحاضرنا ومستقبلنا. وللانتظار عمق حضاري في حياتنا يقرب من ألف وتسعين سنة؛ لأن الغيبة الصغرى انتهت سنة (329هـ) وقد مر على هذا التأريخ ألف وتسعون سنة تقريباً.
وخلال هذا التأريخ دخلت مسألة الانتظار في صياغة عقليتنا السياسية والحركية بشكل مؤثر فلو جردنا التأريخ السياسي والحركي نظرياً عن عامل الانتظار لصار لهذا التأريخ شأنٌ آخر. والذي يقرأ (دعاء الندبة) الذي يدأب عليه المسلمين يوم الجمعة يعرف عمق هذه المسألة ونفوذها في نفوس المؤمنين وعقليتهم ومنهجهم في التفكير والحركة.
ويكون انتظار الإنقاذ على نحوين:
النحو الأول من الانتظار:-انتظار الإنقاذ في ما ليس بوسع الإنسان أن يقدمه أو يؤخره.كما لو كان الغريق ينتظر وصول فريق الإنقاذ إليه من الساحل ويراهم مقبلين لإنقاذه فهو من المؤكد لا يستطيع أن يقدم وصول فريق الإنقاذ إليه إلا من طريق هذا الانتظار الذي يبعث في الغريق أملاً قوياً في النجاة ويدخل الأمل على ظلمات اليأس التي تُحيط به من كل جانب.
والأمل يمنح الإنسان (المقاومة) بالضرورة فيواصل الغريق المقاومة حتى يصل فريق الإنقاذ إليه وعجيب أمر الإنسان إذا انهار وإذا قاوم فإذا انهار لا يتمكن أحد من أن يثبته أو يبني أو يعيد ما انهار منه ـ وقد يكون هذا الذي ينهار كيان سياسي ضخم وليس فرداً أو جماعة وإذا قاوم ورزقه الله القدرة على المقاومة والصمود فلا يفتّ شيء في مقاومته وصموده ولا يضعف شيء ثباته ومقاومته. لاشك أن هذه المقاومة وهاتان معادلتان لا سبيل للتشكيك فيهما.
المعادلة الأولى:
إن الانتظار يبعث على الأمل ويخترق ظلمات اليأس التي تكتنف حياة الإنسان.
المعادلة الثانية:
إن (الأمل) يمنح الإنسان (المقاومة).
النحو الثاني من الانتظار:وهو ما يستطيع الإنسان أن يقرّ به ويدعي به كالشقاء من المرض، وانجاز مشروع عمراني، أو عملي، أو تجاري فإن كل ذلك من الانتظار، وأمر تعجيل هذه الأمور وتأخيرها بيد الإنسان نفسهُ فمن الممكن أن يعجل الشقاء، ومن الممكن أن يؤخره، أو ينفيه، ومن الممكن أن يعجل المشروع العلمي، أو التجاري، ومن الممكن أن يلغيه، أو يؤخره.
وبهذا فان النحو الأول يختلف عن النحو الثاني من الانتظار. إن الانتظار من النحو الثاني يمنح الإنسان بالإضافة إلى (الأمل) و (المقاومة) يمكنه الحركة، فان الإنسان إذا عرف أن نجاته وخلاصه يتوقفان على حركته وعمله وجهده سوف يبذل لخلاصه ونجاته في عمله من الجهد والحركة مالا قيل به من قبل.
فهناك ثلاث نقاط في نحوي الانتظار:-
1-أمل النفس يُمكّن الإنسان من اختراق الحاضر ورؤية المستقبل.
2-مقاومة تُمكّن الإنسان من مواصلة الصمود ومقاومة الانهيار والسقوط حتى وصول المورد.
3-حركة تمكن الإنسان من تحقيق الخلاص والنجاة وتحقيق القوة والغنى والكفاءة.
وهذا الانتظار هو أفضل أنواع الانتظار، وهذا الانتظار يشبه توقع الناس من الله تعالى أن يغير أمورهم من السيئ إلى الحسن، ومن الفقر إلى الغنى، ومن العجز إلى الكفاءة، ولاشك في أنه توقع صحيح وعقلاني، فان الإنسان ركام من الضعف، والعجز، والفقر، والجهل، والسوء، والله تعالى هو المؤمل ليغيّر ذلك كلّه ويحّوله إلى القوة، والكفاءة، والغنى، والعلم، والحسن. إن من الخطأ أن نفهم الانتظار على أنه رصد سلبي للأحداث المتوقعة من دون أن يكون لنا دور فيه سلباً أو إيجابا كما نرصد خسوف القمر وكسوف الشمس فإن التفسير الصحيح للانتظار أنه (حركة)، و(فعل)، و(جهاد)، و(عمل).

علاقة الحركة بالانتظار
بين الحركة والانتظار علاقة متبادلة. العمل الحركي عملية هدم وبناء ولذلك يقترن بالتحدّي والمقاومة والمعاناة والعذاب دائماً، ولو كانت الحركة بناءً فقط من دون هدم لم تكن تتطلب كل هذا الجهد والعناء، فإن الهدم يقع على كيان سياسي قائم ولكل كيان منتفعون ينتفعون به ويدافعون عنه، والدعوة إلى التوحيد حركة بالمعنى الدقيق لهذه الكلمة. ولذلك تقترن هذه الدعوة بـ(بالجهاد والقتال)، قال تعالى:(وَقَاتِلُوهُمْ حَتَّى لاَ تَكُونَ فِتْنَةٌ وَيَكُونَ الدِّينُ لِلّهِ ..) (البقرة : 193)، فلا يمكن أن تشقّ هذه الدعوة طريقها إلى حياة الناس من دون إزالة الفتن والعقبات التي يصفها المنتفعون من الكيان السياسي للشرك ولا يمكن إزالة الفتن من طريق الدعوة إلا بالقتال والجهاد وذلك لأن التوحيد لا يستقر في فراغ سياسي واجتماعي، وإنما يستقر في موضوع الشرك ولا تقوم دعوة إلى الله إلا على انقاض الشرك. ولهذا السبب فأن القائمين على الشرك وقادته يبذلون كل ما في وسعهم، لإعاقة حركة التوحيد، وإثارة الفتن، وزرع الألغام والعقبات في طريق الدعاة إلى الله، والدعوة إلى التوحيد تتطلب إزالة هذه الفتن جميعاً ومواجهة جميع هذه المعوّقات وتحدي كيان الشرك.
وهذان الأمران (التحدي والمواجهة) يكلفان الدعاة إلى الله تعالى كثيراً في أنفسهم وأهلهم وأموالهم ويتطلبان منهم جهداً كبيراً ومالاً يحملهم خسائر واسعة لهذه الأسباب يعطي القرآن اهتماماً كبيراً وأكيداً للتكليف بالحركة، ولولا هذه المشقة والمعاناة في حركة التوحيد لم يكن لكل هذا التأكيد وجه يقول الله تعالى: (..وَقُومُواْ لِلّهِ قَانِتِينَ ) (البقرة : 238)، (فَاسْتَقِمْ كَمَا أُمِرْتَ ) (هود : 112)، (ادْعُ إِلِى سَبِيلِ رَبِّكَ..) (النحل : 125).
وهذه جميعاً تعليمات حركية باتجاه تغيير الواقع وإحلال التوحيد محل الشرك وإزالة الفتن والعوائق من طريق الدعوة .
يضعف الإنسان عن القيام بمثل هذه المسؤولية الصعبة ولا يجد في نفسه القدرة على مواجهة جميع هذه العقبات والعوائق، فان المعركة بين جبهتي التوحيد والشرك ضارية وشرسة، فيجد الإنسان في نفسه ضعفاً من مواجهة هذه الجبهة لوحده أو مع قلّة من المؤمنين ويستجيب لهذا الضعف وينسحب عن المواجهة إلا أن يعصمه الله تعالى، والاستجابة لعوامل الضعف في نفس الإنسان هي أول العوائق التي يواجهها العاملون في سبيل الله، ويبرز هذا الضعف على شكل الخوف والجبن من الطاغوت وأعوانه، أو تعب من مواصلة الطريقة أو اليأس من جدوى الاستمرار. أو حب العافية وإيثار الراحة، أو كل ذلك والذين تساقطوا على الطريق كثيرون ممن لم يتمكنوا من أكمال المسيرة. إذن فلابد من أن نبحث في العوامل والأسباب التي تحصننا في هذه المسيرة من السقوط وتعصمنا من الشيطان من ضعف أنفسنا ووسائل التحصن والعصمة في حياة العاملين كثيرة وأهمها أربعة يذكرها القرآن:

1-الاستعانة بالصبر والصلاة:
يقول الله تعالى: (وَاسْتَعِينُواْ بِالصَّبْرِ وَالصَّلاَةِ..) (البقرة : 45)، والصبر هو الثبات لسنن الله تعالى وتجري المعارك بموجب سُنن الله والذي يريد أن يربح في المعركة، لابد من أن يعرف هذه السُنن ويثبت لها ويقابلها بما يكافئها من سنن الله . وإعداد القوة المكافئة لقوة العدو في ساحة المعركة أو في الساحة السياسية، أو الإعلام من الصبر. إن الصبر ليس بمعنى أن يتحمل الإنسان العدوّ، بل بمعنى أن يقاوم ويثبت للعدو ولا ينهار ولا ينسحب من مواجهته حتى يتمكن من ردعه ودفعه بقوة مكافئة لقوته، وهو المعنى الايجابي للصبر، والصلاة تمثل الارتباط بالله وذكره، والإنسان المسلم في وسط المعركة لابد من أن يستعين بالله ويذكره ذكراً كثيراً، ويستمد القوة والعزم من الله ويشد حبله بحبل الله، فإذا وصل الإنسان حبله بحبل الله عز وجل في ساحة المعركة، فانه لا يخاف ولا يجبن ولا يضعف وهذا هو معنى الصبر والصلاة.

2-الولاء:
المسلمون نسيج واحد بعضهم من بعض تربط بعضهم ببعض علاقة عضوية متينة هي علاقة الولاء، وهذا الولاء على الخط الأفقي في مقابل الولاء لله تعالى ورسوله وأولياء الأمور وهو الولاء على الخط العمودي في نسيج المجتمع الإسلامي وإلى هذه العلاقة العضوية التي تشد الأمة المسلمة وتكوّن منها كتلة واحدة مترابطة تشير الآية الكريمة: (وَالْمُؤْمِنُونَ وَالْمُؤْمِنَاتُ بَعْضُهُمْ أَوْلِيَاء بَعْضٍ..) (التوبة : 71).
والولاء يتضمن التحابب، والتناصر، والتضامن، والتكافل، والتعاون، والتسالم، والتناصح، والأمة التي ترتبط بعضها ببعض بهذه الوشائج أمة متماسكة قوية في ساحة المعركة ولأمرٍ ما يجعل الله تعالى أساس العلاقة بين أطراف هذه الأمة وأعضائها على أساس الولاء، ولما كانت مهمة هذه الأمة الأولى هي المواجهة والتحدي في ساحة الصراع، فلابدّ من أن تتمتع ببناء داخلي قويّ وشيج محكم ومتين لتستطيع أن تقاوم ضراوة المعركة الحاسمة التي تدخلها هذه الأمة. ومن دون هذا الولاء المتين الذي يشد بعض المسلمين إلى بعض لا تستطيع هذه الأمة أن تقاوم جبهة الكفر والنفاق في هذه المعركة المصيرية، وهذه الأمة مجتمعة تعتصم بحبل الله وهي كتلة،ومجموعة، وأسرة واحدة في مواجهة أئمة الكفر قال تعالى: (وَاعْتَصِمُواْ بِحَبْلِ اللّهِ جَمِيعاً وَلاَ تَفَرَّقُواْ..) (آل عمران : 103)، وفي هذه الآية يأمرهم الله تعالى بالاعتصام أولاً بحبل الله في ساحة المعركة، وأن يكون هذا الاعتصام من قبل الجميع، فإن الصراع يتطلب من كلّ الامة أن يستحضروا قوتهم بأمرين، اعتصامها بحبل الله، اجتماعها ووحدة كلمتها في هذا الاعتصام.

3-الميراث:
من الضروري أن يستحضر أعضاء هذه الأسرة في ساحة المعركة عراقة هذه الأسرة في التأريخ وجذورها التأريخية، فان معرفة هذه العراقة والعمق التأريخي للأسرة واستحضارها في ساحة المواجهة تمنح الدعاة والعاملين في سبيل الله في ساحة المواجهة قوةً وصلابةً ومتانة واستحكاماً أكثر، فليست هذه الحركة الكبيرة في التأريخ حركة مبتورة الجذور، وإنما هي تضرب في أعماق التأريخ من آدم إلى نوح إلى إبراهيم إلى رسول الله (عليهم أفضل الصلاة وأتم التسليم) وحركة تملك هذا العمق والعراقة وتثبت لمؤامرات المشركين وكيدهم ومكرهم طوال عشرات القرون جدارتها وكفاءتها في هذه المعركة.
إن أسرة التوحيد شجرة طيبة على وجه الأرض أصلها ثابت وفرعها في السماء والشرك كذلك أسرة إلا أنها مبتورة اجتثت من فوق الأرض مالها من قرار، وأنه من الضروري لأعضاء هذه الأسرة الداعية إلى الله أن تستحضر جذورها وعمقها في التأريخ وصلتها بالصدّيقين، والصالحين، والراكعين، والساجدين، والذاكرين الله والدعاة له.
ولأمر ما نحيّي الحسين (عليه السلام) ونسلمّ عليه بهذا الميراث الضخم الذي ورثهُ من أبائه (عليهم السلام) من آدم إلى نوح إلى إبراهيم إلى رسول الله (صلى الله عليه وآله وسلم) فنقول:
(السلام عليك يا وارث آدم صفوة الله ، السلام عليكم يا وارث نوح نبي الله، السلام عليك يا وارث إبراهيم خليل الله)، فمن الضروري أن يستحضر الإنسان هذا العمق وهذه العراقة في المعركة، فإنها تعصمه وتحصنه وتدعمه في وسط هذه المعركة الضارية.

4-الانتظار والأمل:
والانتظار هو رابع العوامل التي تمد الإنسان بالحركة، فان الانتظار يبعث الأمل في نفسه والأمل يمنحه القدرة على المقاومة والحركة. إن الإيمان بـ (وراثة الصالحين) للأرض، و (إمامة المستضعفين المؤمنين)، وأن (العاقبة للمتقين) يمنح الصالحين والمتقين ثقة وقوة، ويثبت أقدامهم على أرض المعركة، ويمنحهم قدرة على مواجهة الصعاب وتحدي الجبابرة والمتكبرين في أشق الظروف وأقساها، ويجول بينهم وبين الانهيار والهزيمة النفسية في ظروف المحنة الصعبة، ولأمر ما يؤكد القرآن الكريم على حقيقة قوله: (..وَالْعَاقِبَةُ لِلْمُتَّقِينَ) (الأعراف : 128)، ويقرر وراثة الصالحين للأرض ويؤكدها كما قررها الله تعالى من قبل في الزبور، ولأهمية هذه الحقيقة وضرورة تأكيدها وتعميقها في نفوس المؤمنين وبناء العقلية الإسلامية عليها يقرّها الله تعالى في (الذكر) و (الزبور) معاً ويقرّ عز وجل إمامه المستضعفين في الأرض وقيمومتهم على مسيرة الحضارة الإنسانية وهذا إقرار من الله تعالى وإرادة متاحة منه سبحانه إذا استجاب المستضعفون لما يأمرهم به ويدعوهم إليه من الإيمان والعمل الصالح.
إذن فأن الله تعالى يريد لهذه الأمة أن يثقفها على (الوراثة) و (الانتظار) وراثة الأنبياء والصالحين، وانتظار وعد الله تعالى بالفرج وإمامة الصالحين، وحركة التوحيد يحفهّا من جانب قانون (الوراثة)، ومن جانب آخر قانون (الانتظار) إذن فالوراثة والانتظار هما من أهم أعمدة حركة التوحيد في مسيرها الطويل الشاق.

-----------------------------------------------------------------------------------
 

فهم النص القرآني عند أهل البيت (عليهم السلام)

* سعاد جبار محمد

لما كان القرآن الكريم هو مصدر الشريعة الإلهية الأولى و رسالة اللّه للإنسانية ، كان لابد من معرفة وفهم هذا النص القرآني العالمي لما فيه من الدلالة والبلاغة والبيان. لقد كان هذا النص الإلهي دستورا شاملا لجميع نواحي الحياة الإنسانية، و اسلوبٍ بلاغيٍ عجز العرب أصحاب البيان واللغة على الإتيان بمثله، فكان لابد من مفسر لهذا النص الإلهي ومبين لكل أحكامه والوقوف عندها، وذلك من خلال معرفة الناسخ والمنسوخ والمحكم والمتشابه والخاص والعام والمجمل والمبين وغيره مما له علاقة بفهم القران وشرحه وتفسيره.
وكان الرسول (صلى الله عليه واله وسلم) هو المبين والمفسر الأول للقران الكريم، ولكن قبل استشهاده قد حدد ووضع الموازين لمعرفة أحكام الله من كتابه الكريم. فمن يستقرئ سنة رسول الله (صلى الله عليه وآله وسلم) وسيرته العلمية وعلاقته بأهل بيته الذين نصّ عليهم القرآن وعرفهم هو (صلى الله عليه وآله وسلم)، (علي وفاطمة وابناهما وذريتهم) يعرف أن لأهل هذا البيت دوراً ومسؤولية رسالية وحضارية فريدة في تاريخ هذه الأمة، كان رسول الله (صلى الله عليه وآله وسلم) يخطط لها، ويعد الأمة لتقبّلها بأمر من الله سبحانه.
لان فهم النص القرآني واكتشاف الحقيقة المستورة كان من المشاكل التي تعاني منها الأمة بعد مضي الرسول (صلى الله عليه واله وسلم) إلى الرفيق الأعلى، لتعدد الوسائل والرؤى في التعامل مع القران وقراءاته. فتلقى عن الرسول ( صلى الله عليه واله وسلم ) جيل من الصحابة هذا البيان والتفسير عن طريق القول والفعل، غير أن درجات الفهم والتلقي تختلف من صحابي لآخر، لذا برز منهم قراء ومفسرون‏، ومما أجمع‏ المسلمون عليه أن أعلم المسلمين بالكتاب والسنة بعد رسول اللّه (صلى الله عليه واله وسلم) هم أهل بيته (عليهم السلام)، ويؤكد هذه الحقيقة قوله (صلى الله عليه واله وسلم): (إني أوشك أن أدعى ‏فأجيب وأني تارك فيكم الثقلين، كتاب اللّه (عز وجل) وعترتي، كتاب اللّه حبل ممدود من السماء إلى الأرض، وعترتي أهل بيتي، وأن اللطيف الخبير أخبرني أنهما لن يفترقا حتى يردا علي الحوض، فانظروا بمَ تخلفوني فيهما). كذلك: ما ورد عن سعد بن عبد الله، عن أحمد بن محمد بن عيسى والحسن بن علي بن عبد الله بن المغيرة ومحمد بن الحسين بن أبي الخطاب ، عن الحسن بن علي بن فضال ، عن ثعلبة بن ميمون ، عن عبد الرحيم القصير ، قال : ( سألت أبا جعفر (عليه السلام)، عن قول الله تعالى: (فَقَدْ آتَيْنَا آلَ إِبْرَاهِيمَ الْكِتَابَ وَالْحِكْمَةَ وَآتَيْنَاهُم مُّلْكاً عَظِيماً) (النساء : 54). ما الملك العظيم ؟ قال: فينا. قال: قلت: أي شيء ؟ وليتول وليه، ويعاد عدوه، وليأتم بالأوصياء من بعده، فإنهم عترتي من لحمي ودمي، أعطاهم الله فهمي وعلمي، إلى الله أشكو المنكرين لفضلهم، القاطعين فيهم صلتي، وأيم الله ليقتلن ابني، لا أنالهم الله شفاعتي).
فأهل البيت (عليهم السلام) هم أكثر الناس قربا للرسول (صلى الله عليه واله وسلم) فقد تشربوا آيات القرآن وأدركوا أسراره، وحفظوا أقواله.
وقد أكدت السنة الشريفة على إنّ أهل البيت قد توارثوا معرفتهم من الرسول الكريم (صلى الله عليه واله وسلم)، وهو المعبَّر عنه في الروايات بالعلم الموروث وهو يشمل العلم بالكتاب الحكيم كلِّه والذي هو تبيان لكل شيء، والعلم بالسنَّة الشريفة بتمام تفاصيلها ودقائقها، والعلوم التي أنزلها الله عز وجل على أنبيائه من لدن آدم (عليهم السلام) إلى نبيِّنا الكريم (صلى الله عليه واله وسلم)، قد جُمعت في قلب رسول الله (صلى الله عليه واله وسلم)، وعلَّمها رسولُ الله (صلى الله عليه واله وسلم) وصيَّه أمير المؤمنين عليَّ بن أبي طالب (عليه السلام). وقد جاء في الروايات الواردة عن أهل البيت (عليهم السلام): عن محمد، عن أحمد، عن علي بن النعمان رفعه، عن أبي جعفر (عليه السلام) قال: قال أبو جعفر (عليه السلام): إن الله عز وجل جمع لمحمد (صلى الله عليه وآله وسلم) سنن النبيين من آدم وهلم جرا إلى محمد (صلى الله عليه وآله وسلم) قيل له: وما تلك السنن؟ قال: علم النبيين بأسره، وأن رسول الله (صلى الله عليه وآله وسلم) صيَّر ذلك كله عند أمير المؤمنين (عليه السلام)، فقال له رجل: يا بن رسول الله فأمير المؤمنين أعلم أم بعض النبيين؟ فقال أبو جعفر (عليه السلام): اسمعوا ما يقول؟ إن الله يفتح مسامع من يشاء، إني حدثته أن الله جمع لمحمد (صلى الله عليه وآله وسلم) علم النبيين وأنه جمع ذلك كله عند أمير المؤمنين (عليه السلام)، وهو يسألني أهو علم أم بعض النبيين.
ومنها: ما ورد عن محمد بن يحيى، عن سلمة بن الخطاب، عن عبد الله بن محمد، عن عبد الله بن القاسم، عن زرعة بن محمد، عن المفضل بن عمر قال: قال أبو عبد الله (عليه السلام): إن سليمان ورث داود، وإن محمدا ورث سليمان، وإنا ورثنا محمدا، وإن عندنا علم التوراة والإنجيل والزبور، وتبيان ما في الألواح. عن الإمام علي (عليه السلام)، قال: سلوني عن كتاب الله (عز وجل)، فوالله ما نزلت آية منه في ليل أو نهار ولا مسير ولا مقام إلا وقد أقرأنيها رسول الله (صلى الله عليه وآله وسلم) وعلمني تأويلها.

------------------------------------------------------------------------------------------
 

العترة في رحاب القرآن

* ناصر جبار السلمان

يُعد الرسول الأكرم محمد (صلى الله عليه وآله وسلم) المفسر الأول للقرآن الكريم، فهو المعصوم المبرأ من العيوب، فهو حقيقة ربانية تلامس حقيقة القرآن الربانية.. فحين يوجه الأمة إلى سبيل رشادها، وسؤددها، وحين يرسم لها مسارها، ويحذر من مغبة الهوى الذي يصد عن الحق، فإنما يعبر عن رؤية إلهية بكل تأكيد، بنص واضح لا يصح معه اجتهاد، أو رأي، (أيها الناس أني يوشك أن أدعى فأجيب، وأني تارك فيكم الثقلين، كتاب الله وعترتي أهل بيتي، ما أن تمسكتم بهما لن تضلوا بعدي أبداً)... تُرى ما هو السر في إصرار النبي محمد (صلى الله عليه وآله وسلم على ذلك؟ وما هي إجابة القرآن الكريم حين استنطقه بخصوص هذا الأمر؟ وبالنتيجة ما هي إجابة الواقع المعاش، وما هي الآثار الوضعية لذلك؟
فالقرآن الحقيقة السماوية آلت ربانيتها، وسموها، وإحاطتها للواقع أن تكون عسيرة على العقول من أن تستوعبها، فظاهرها أنيق، وباطنها عميق، وكذلك كانت حقيقة محمد (صلى الله عليه وآله وسلم) التي لا يعرفها إلا الله، وسيد الأوصياء علي بن أبي طالب (عليه السلام) أبت صفحتها البشرية إلا أن تكلم الناس على قدر عقولهم، لذا كانت سنته (صلى الله عليه وآله وسلم)، مثل القرآن الكريم النظرية.. ومّثل المعصوم في فعله وقوله، وتقريره، التطبيق العملي لتلك النظرية، وقد تآلفت وتناغمت سُنّة رسول الله والمعصومين (عليهم السلام) مع كتاب الله العزيز، وهذا ما أكده الإمام جعفر الصادق (عليه السلام) بقوله: (اعرضوا ما أتاكم عنا على القرآن، فإن تآلف معه فخذوا به، وما تخالف فأضربوا به عرض الحائط).
وإذا كان الرسول (صلى الله عليه وآله وسلم).. قد تكفل من خلال سُنّته تجسيد أصول الدين عملياً، فقد كرس الكثير من هذه السنة لبيان حقيقة العترة الطاهرة، وما أوجب الله تعالى على الناس مودتهم، ولزوم إتباعهم... إلا لأنهم وسيلةً إلى الله تعالى... وكأن الرسول قد بذل ما في وسعه لترويض الأذهان، وشرْح الصدور، لتحمل هذه الحقيقة التي يصطدم قبولها بما في النفوس من تركات الثقافة الجاهلية، من عصبية، وتحاسد، وتكبر... فمن أقواله (صلى الله عليه وآله وسلم): (يا علي أنت وشيعتك على منابرٍ من نورٍ، مضويةً وجوههم، وهم جيراني في الجنة)، (أقضاكم علي)، (أفقهكم علي)، (يا علي لا يحبك إلا مؤمن، ولا يبغضك إلا منافق)، (يا علي أنت مني بمنزلة هارون من موسى، إلا أنه لا نبي بعدي)، (فاطمة بضعة مني فمن أحبها فقد أحبني ومن آذاها فقد آذاني)، (الحسن والحسين سيدا شباب أهل الجنة)، (الحسن والحسين إمامان قاما أو قعدا)، (خلفائي أثنا عشر كنقباء بني إسرائيل، كلهم من قريش)، فإن لم تكن هذه الأحاديث مقدمات مطلوبة لما ألزم به المسلمين في أواخر أيام حياته الشريفة: (أيها الناس أني تارك فيكم الثقلين...)، ولعل ما تعرض له هذا الحديث من تحريف مقصود لكلمة بعينها، يشي بأن هناك إرادة مقابلة رأت أن تمكن المصالح الآنية بدلاً عن المصالح العليا، كما أرادت أن تحكم الهوى بديلاً عن حقيقة الأيمان، الذي ينبغي أن يملأ النفوس، وتسليماً لأوامر الله تعالى من خلال إتباع رسول الله (صلى الله عليه وآله وسلم) فيما يقول وما يفعل: (قُلْ إِن كُنتُمْ تُحِبُّونَ اللّهَ فَاتَّبِعُونِي يُحْبِبْكُمُ اللّهُ وَيَغْفِرْ لَكُمْ ذُنُوبَكُمْ وَاللّهُ غَفُورٌ رَّحِيمٌ) (آل عمران: 31).

السر في الإصرار على تأكيد الحقيقة
إن القضية لم تكن بالتأكيد كما يقرأها المتخمون بثقافة الحمية الجاهلية، وما صنعت من حجب أحاطت بالقلوب فحالت دون ولوج النور ليضيء دواخلها، أولئك الذين عبروا عن حقيقتهم تلك.. حين سببوا مدح الرسول (صلى الله عليه وآله وسلم) لسيد الأوصياء علي (عليه السلام)، في كونه أبن عمه.. أو من يريد إسقاط الواقع على القرآن، لا تحكيم القرآن بمجريات الواقع بقولهم ان قريشاً لا ترغب باجتماع النبوة والإمامة في بيت واحد، وكأن الملاك في الأمر هو قبول قريش من عدمه لا ما أرادته السماء التي جادت على الأرض برسالاتها، وقيمها الرفيعة وما تحقق من عدل، وقسط، في مجتمعات بني الإنسان التي أذلها الطواغيت، بكبريائهم، والتحكم بمقدراتهم، وفقاً للوازم التسلط والظلم، فالقضية إرادة عليا، لا تسأل عما تفعل، بل أن ما تفعل هو عين الحكمة، وعين المصلحة، قائمة على أسس الاصطفاء والاختيار، وحين يكون هذا الاصطفاء ربانياً، والتبليغ على لسان رسول معصوم، فلا يعني إلا لزوم الإذعان، والتسليم، وهذا هو معنى الإسلام، ليس إلا... ومخالفته لا تعني سوى مخالفة الأوامر الإلهية، لا يكون التبرير بإزائها إلا محاولات التفافية، قد تجد لها طريقاً بين أوساط معينة من الناس.. فيما لم تجده عند الله تعالى بالتأكيد.

السنة أم العترة؟؟
لقد ورد الحديث في كتب القوم وقد حُرّفت كلمة (عترتي.. إلى كلمة سُنَّتي) وإن وردت دون تحريف في كتاب المستدرك إلا أن المعطى العملي، والسائد لتعامل الأخوة السنة مع الحديث هو وفقاً لما ورد في صورته المحرفة.. وبات الفريقان في مورد البرهنة على صحة ما جاء في الأثر، من خلال مصادرهما.. ولنا أن نقول في هذا المجال:
1- لو كان الصحيح هو ورود كلمة (سنتي) لا (عترتي) كما يذهب إليه القوم، وعلى أساس البلاغ الإلهي الكريم (..وَمَا آتَاكُمُ الرَّسُولُ فَخُذُوهُ وَمَا نَهَاكُمْ عَنْهُ فَانتَهُوا وَاتَّقُوا اللَّهَ إِنَّ اللَّهَ شَدِيدُ الْعِقَابِ) (الحشر: 7) الذي يكون العمل بمؤداه ملزماً بالطبع؟، فانَّ إجراءات الخليفة الثاني تخالف عملياً هذا الإلزام من خلال أوامره بجمع الأحاديث وإحراقها وقوله:(إن كتاب الله يكفينا..).
2-إجراءات الخليفة الثاني ذاته بتحريم ما حللته سُنَّة الرسول (صلى الله عليه وآله وسلم)، بل والتهديد بمعاقبة العامل بها، كما في تحريم متعة النساء ومتعة الحج وقوله: (سُنتان كانتا على زمن رسول الله وأنا أُحرمهما وأعاقب عليهما متعة النساء ومتعة الحج).
3- إدخال الخليفة الثاني مما اعتبر سنة يستنُ بها القوم.. كالتكتف في الصلاة، وقول الصلاة خير من النوم، وكصلاة التراويح.. وهل كان هذا ما يريده رسول الله (صلى الله عليه وآله وسلم) من حديثه: (أني تارك فيكم الثقلين...) وهل أن ذلك مما يُعد ثقلاًَ موازياً لكتاب الله تعالى..؟
وكيف يتسق الإصرار على التمسك بـ (سنتي) مع الخروج عليها؟ إن تلك الإشارات مما يحرج موقف من أخذ بالحديث بالصورة التي جاءت بأمر التمسك بـ (السنة) لا بـ (العترة) بالتأكيد: وأما ما يدعم رأي الطائفة الشيعية القائل: أنّ ما يرمي أليه الحديث المذكور هو التمسك بكتاب الله والعترة الطاهرة، فيلاحظ فيه ما يلي:
1-إن كتاب الله تعالى بحر عميق الغور لا يمكن أن يقرن إلا بمن هو قادر على سبر أغوار هذا البحر.. وليس سوى أهل بيت العصمة والطهر، فقد أشار الله في قوله تعالى: (هُوَ الَّذِيَ أَنزَلَ عَلَيْكَ الْكِتَابَ مِنْهُ آيَاتٌ مُّحْكَمَاتٌ هُنَّ أُمُّ الْكِتَابِ وَأُخَرُ مُتَشَابِهَاتٌ فَأَمَّا الَّذِينَ في قُلُوبِهِمْ زَيْغٌ فَيَتَّبِعُونَ مَا تَشَابَهَ مِنْهُ ابْتِغَاء الْفِتْنَةِ وَابْتِغَاء تَأْوِيلِهِ وَمَا يَعْلَمُ تَأْوِيلَهُ إِلاَّ اللّهُ وَالرَّاسِخُونَ فِي الْعِلْمِ..) (آل عمران:7).
وليس سوى الرسول وأهل البيت المعصومين ممن ينطبق عليهم وصف (الراسخين)، والرسوخ في العلم هو العمق والتجذر الذي لا يخالطه جهل.. في حين أن ما ورد عن الخليفة الأول حين تلا قوله تعالى: (وَفَاكِهَةً وَأَبّاً) (عبس: 31)، قوله أما الفاكهة فعرفناها وإما الأبا فما لا نعلمه، والأبا: هو الحشيش. وما صرح به الخليفة الثاني عمر بن الخطاب.. مراراً وتكراراً، معترفاً بعجزه، عن الإحاطة بالكثير من الأمور: إذ قال: (لولا علي لهلك عمر)، (ولا أبقاني الله لمعضلة ليس لها أبا الحسن)، و (حتى رّبات الحجال أفقه منك يا عمر) هو ما يخرج الرجل وسواه من دائرة الراسخين في العلم..
2-تفسير الرسول (صلى الله عليه وآله وسلم) للآية (..إِنَّمَا أَنتَ مُنذِرٌ وَلِكُلِّ قَوْمٍ هَادٍ) (الرعد: 7) قائلاً: أنا منذر هذه الأمة وأنت يا علي هاديها وتفسيره للآية (..وَتَعِيَهَا أُذُنٌ وَاعِيَةٌ) (الحاقة: 12) قائلاً: يا علي أنت الأذن الواعية، وقوله (صلى الله عليه وآله وسلم): (علي مع الحق والحق مع علي يدور الحق معه حيث دار)؛ ليشير إلى أن علياً قرآناً يمشي على الأرض.. وهذا ما أكده عليٌ نفسه، بعد افتتان الخوارج بمكيدة رفع المصاحف، في غزوة صفين بحيلة وتغرير من معاوية وعمرو بن العاص حين قال (عليه السلام): (إن هذا قرآن صامت، وأنا القرآن الناطق).
3-ما ذكره المفسرون عن الظروف والصورة التي نزلت فيها الآية الكريمة: (..إِنَّمَا يُرِيدُ اللَّهُ لِيُذْهِبَ عَنكُمُ الرِّجْسَ أَهْلَ الْبَيْت وَيُطَهِّرَكُم تَطْهِيراً) (الأحزاب: 33)، حين أدخل الرسول (صلى الله عليه وآله وسلم) علياً، وفاطمة، والحسنين، تحت مرط يماني مخطط، ورفع سبابته إلى السماء قائلاً: (اللهم هؤلاء أهل بيتي، فأذهب عنهم الرجس وطهرهم تطهيرا) لينزل جبرائيل (عليه السلام) ناطقاً بالبلاغ الإلهي (..إِنَّمَا يُرِيدُ اللَّهُ لِيُذْهِبَ عَنكُمُ الرِّجْسَ أَهْلَ الْبَيْتِ وَيُطَهِّرَكُمْ تَطْهِيراً) (الأحزاب: 33)، وأن ثلة طاهرة اصطفاها الله تعالى على عينه، وخصها بالعصمة، وطهرها من الرجس لهي الجديرة بملامسة حقائق القرآن الكريم، وهي الكفء في أن تكون ثقلاً أصغر بازاءه.
4-ما أجمع عليه المفسرون بخصوص آية المباهلة.. حين تحدى نصارى نجران النبي في دعوته فنزلت الآية الكريمة: (فَمَنْ حَآجَّكَ فِيهِ مِن بَعْدِ مَا جَاءكَ مِنَ الْعِلْمِ فَقُلْ تَعَالَوْاْ نَدْعُ أَبْنَاءنَا وَأَبْنَاءكُمْ وَنِسَاءنَا وَنِسَاءكُمْ وَأَنفُسَنَا وأَنفُسَكُمْ ثُمَّ نَبْتَهِلْ فَنَجْعَل لَّعْنَةَ اللّهِ عَلَى الْكَاذِبِينَ) (آل عمران: 61).
وهل اصطحب النبي غير الحسنين وفاطمة وعلي الذي يندرج حضوره في المشهد على صعيد (أنفسنا..)؟ إذ عُد هو والرسول نفس واحدة، وهل غير أولئك ممن يصلح أن يكون عدلاً للقرآن الكريم؟
إن ما أختص به أهل البيت (عليهم السلام) من عناية إلهية مترجمة في آيات كثيرة، ومجسدة في أحاديث نبوية متواترة لتؤكد حجيتهم على الخلق.. وأهليتهم لمعانقة القرآن الكريم لاسيما بعد رحيله إلى الرفيق الأعلى.. إذ لابد للأمة من مرجعية مؤهلة للإجابة عن كل سؤال، ولحل كل مطلب.. ولو قدر للأمة طاعتها، والتزامها بالتمسك بالكتاب، والعترة معاً.. لتغيرت صورة التأريخ.. ولكانت فترة تعاقب الأحد عشر إماماً معصوماً على قيادتها، والمسك بزمام أمورها، كافية لأن ترسخ قيم الإسلام في النفوس، ولأن ترسم ملامح نظام الحياة السياسي والاجتماعي، والاقتصادي، بشكل لا يمكن للأمة الاستغناء عنه أو الزيغ عن جادته.
أما شهادة التأريخ وما تحملت الأمة من آثار وضعية، ما كان إلا تصديقاً لما حذر منه نبي الله وسيد رسله (صلى الله عليه وآله وسلم) (..ما أن تمسكتم بهما لن تضلوا بعدي أبدا).
فأمة نزى على دست حكمها رجل مثل معاوية بن أبي سفيان لتعكس أجلى مظهر للضلالة والتيه.. وأمة يتناوب على مسك زمامها نكرات من بني أمية وبني العباس.. ليعيثوا فساداً في مقدراتها، ويجعلوا أبناء الأمة خولاً، ومال الله دولاً، وأمة تكون بحال لا يعبأ الحاكم حتى بالحياء منها.. فضلاً عن الحياء من الله تعالى لهي في حومة الضلالة والتيه.. فحين يأم الوليد بن عبد الملك لصلاة الجمع التي ارتضته أميراً للمؤمنين، وهو على حال من الثمالة، أو أن يضع كتاب الله العزيز، غرضاً للسهام، والنشاب، بعد ترنمه بشعره المتخم بالتهتك:
أتهدد كل جبــــــار عنيد
هـأنذا جبار عنيد
إذا لقيت ربك يوم حشر
فقل يا رب مزقني الوليد
فليس ذلك وما تلاه وما تلاه.. إلا ثمرة ليَّ عنق الحقيقة.. واتباع الهوى.. والصدود عن الحق وتعمَّد التحريف، باسم الدين.. ولكن شمس الحقيقة ما زالت ولم تزل تؤكد سطوعها في قلوب طلاب الحق، وعشاق الحقيقة دائماً وأبداً.. وحين تتوفر الإرادة لمناصرة الحق، ستنقشع غيوم التزييف، والتحريف، بكل تأكيد.

مجلة تعنى بشؤون القرآن الكريم تصدر عن مؤسسة الثقافة والاعلام لمنظمة بدر/دار القرآن الكريم المركزي              الرئيسية

      Design by:    internetbadr@yahoo.com