الرئيسية

 

الناسخ والمنسوخ

عبد اللطيف حسين ألعميدي
لقد اخذ موضوع النسخ في القرآن لدى المفسرين حيزاً كبيراً من الكلام والخلاف بين رافض لدعوى النسخ وبين مكثر فيه وبين وسطي،ولما لهذه القضية من أهمية كونها تدخل في تحديد الحكم الشرعي في الموضوعات والوقائع التاريخية التي أثرت على مجمل التأريخ الإسلامي. فكان الخلاف واضحا في قضية النسخ إذ بالغ البعض منهم في تحديد الآيات القرآنية المنسوخة إلى حد أوصلهم الأمر أن قطّعوا أوصال الآية الواحدة فزعموا أن أولها منسوخ وآخرها ناسخ كما ذهب لذلك ( ابن العربي )، حيث ذكر أن الآية مثلا من سورة المائدة قوله تعالى( يا أيها الذين امنوا عليكم أنفسكم لايضركم من ضل إذا اهتديتم) في مطلعها منسوخة وآخرها ناسخة إلى غيرها من الآيات. فقد ذكر أبو جعفر النحاس في معرض ذكره للناسخ والمنسوخ أن هنالك ( 500) آية منسوخة في القران، بينما المعروف عند المفسرين والفقهاء أن آيات الأحكام لاتتعدى( 350) آية فكيف يمكننا أن نوفق بين هذا العدد المبالغ به وبين جميع الأحكام.  فالأهمية التي تتمثل بهذا الموضوع تحتم على كل باحث التمعن والتحقيق في اختلاف الأقوال وقبلها في النظر بتعريف المصطلح، إذ أن الأمر قد تعلق مباشرة بالقدرة الإلهية في محو الأشياء والأحكام أو إثباتها.

فالناسخ في الشريعة أمر ثابت اتفق عليه جميع المسلمين سوى من شذ عنهم من بعض اليهود والنصارى سواء كان ذلك النسخ يختص بنسخ الشرائع السابقة على الدين الإسلامي أو ماكان ناسخا لبعض أحكام الشريعة نفسها وقد صرح القرآن الكريم في أكثر من مورد منها قوله تعالى ( وإذا بدلنا آية مكان آية)   وقوله تعالى ( ما نَنَسَخُ من آيةٍ أو نُنسِهَا نأتِ بخير منها أو مثلها) ، إذن فالنسخ موجود بصريح القران الكريم  ولكن بعض المفسرين ذهب بعيدا في تحديد الآيات حتى وصل به الأمر إلى الخلط بين الناسخ وبين التخصيص، وبين الناسخ وبين البداء وهو ما أوقعهم في متاهات لاسبيل لهم لتجاوزها إذ أن مصدر الخلاف جاء من عدم فهم التعريف عند البعض ولهذا نبدأ بذكر التعريف ليتسنى لنا تحديد ضوابط الموضوع وحدوده.

النسخ لغة:  وقد وردت له معانٍ متعددة فهو بمعنى ( النقل والإزالة والإبطال ) ويأتي ايضا بمعنى التحويل ومنه تناسخ المواريث والدهور، ونسخت الشمس الظل أي غيرته وأشرقت مكانه. وقد كثر استعمال النسخ بهذا المعنى عند الصحابة والتابعين فكانوا يطلقون على الايات المخصصة والمقيدة ايضا لفظ الناسخ  ويبدو أن معنى ( الإزالة) هو الأقرب إلى الوصف في موضوعنا وهو النسخ في القران الكريم.

النسخ اصطلاحاً:  واقرب تعريف هو ما عرفه المحقق السيد الخوئي بقوله: هو رفع أمر ثابت في الشريعة الإسلامية بارتفاع أمده وزمانه، سواء كان في الأحكام التكليفية أم الوضعية. أما جمهور المفسرين من العامة فعرفوا النسخ بأنه( رفع الحكم الشرعي بدليل شرعي) ولو تفحصنا تعريف الإمام الخوئي بدقة لأمكننا معرفة قصده وهو التفريق بينما هو ثابت عندنا في باب النسخ وبين ما خلط به كثير من العلماء الآخرون في النسخ والتخصيص أو البداء، فقد قيد سماحته الرفع والإزالة( وهو النسخ) بالأمر الثابت في الشريعة ليخرج بها ارتفاع الحكم بارتفاع موضوعه خارجا عن وقت وجوبه مثـل (ارتفاع الصوم بنهاية شهر رمضان، كذلك ارتفاع الصلاة بخروج وقتها ) وليس كما ذهب إليه البعض، فإننا لوا خذنا بقولهم في إطلاق النسخ على كل تغيير للحكم دون مراعاة أمده مثلا لوقعنا في الحيرة والالتباس قطعا وسوف لم يبق عندنا نحن المسلمون حكما أو امراً إلهيا ثابتا دون نسخ .

ولا خلاف بين المسلمين في وجود النسخ ، فالأحكام والشرائع السابقة قد نسختها الشرائع السماوية اللاحقة ، بل إن كثيراًًً من أحكام الشريعة الإسلامية نفسها قد وقع فيها النسخ، كما في صريح القران الكريم في مسألة نسخ وتغيير عملية التوجه للقبلة من بيت المقدس باتجاه الكعبة المشرفة ولو أن السيد الخوئي قد دحض القول بالنسخ بدليل عدم جود آية سبقتها حددت القبلة كما تكون هذه الآية ناسخة للأولى في نسخ أحكام القران وآياته بآيات أخرى قرآنية ايضا .

فنحن عندنا ثلاث أشكال للنسخ : فمنه النسخ في التلاوة دون الحكم ، ومنه نسخ التلاوة  والحكم، ومنه نسخ الحكم دون التلاوة وهذا الأخير هو المشهور بين المفسرين من الخاصة وأبناء العامة وعلى رأسهم أبو جعفر النحاس، والحافظ المضفر الفارسي. وقد وقفت على تحقيق جميع اراء هذين العالمين بالإضافة لمن أيدهم في قضية النسخ وهو ابن العربي وهبة الله ابن سلامة والنيسابوري ومرعي ألكرمي والسيوطي ومكي الزر قاني وابن الجوزي . حيث شمل هذا التحقيق نماذج احتوت ثمانية عشر آية أكدوا أنها منسوخة وأوردوا مقابلها الآيات الناسخة لها.

أما المرجع والمحقق السيد الخوئي (قدس) فقد توسع في مناقشة هذه الآيات وغيرها مما تسالم عندهم إنها نسخت في القران ثم قام يردها واحدا بعد الأخرى واثبت بالأدلة الأربعة (القران والسنة والعقل والإجماع) بأنها غير منسوخة بل هي بالغالب إما كونها آيات محكمات أو إنها جاءت لتخصص الآية التي سبقتها أو اثبت عدم مدلوليتها في النسخ تاريخيا حيث أنهم خلطوا بين النسخ في القران أي(آية تنسخ آية) وبين النسخ بالحكم لضرورة تقتضيها ظروف الزمان وما نصطلح عليه بـ(البداء).

وقد أتقن السيد الخوئي( قدس) مناقشته للآيات التي أدّعوا نسخها بالدليل العقلي والبرهان الواضح، حيث أورد (35) نموذجا من تلك التي قالوا بنسخها ثم ردها واثبت أنها جميعا غير منسوخة ، إلا آية واحدة قال سماحته وبعد مناقشة طويلة : (وعلى ذلك فلا مناص من الالتزام بالنسخ فيها ، وان الحكم المجعول بالآية الأولى قد نسخ وارتفع في الآية الثانية إلا وهي آية النجوى. فأما المنسوخة ( السابقة) قوله تعالى( يا أيها الذين امنوا إذا ناجيتمُ الرسولَ فقد موا بين يدي نجواكم صدقةً ذلك خيرٌ لكم واطهر فان لم تجدوا فإن الله غفور رحيم ) أما الآية الناسخة لها ( اللاحقة) فهي قوله تعالى( أأشفقتم أن تقدموا بين يدي نجواكم صدقات فإذا لم تفعلوا وتاب الله عليكم فأقيموا الصلاة واتوا الزكاة وأطيعوا الله ورسوله والله خبيرٌ بما تعملون)، أما قصة الآيتين باختصار انه سبحانه وكرامة لنبيه المصطفى (ص) ولان القوم في بداية إسلامه كانوا يضايقون النبي (ص) ويثقلون عليه بالسؤال لما ينفعهم وما لاينفعهم حتى أنهم كانوا ينادونه وهو في راحته ليخرج لهم ويجيبهم لساعات، فأنزل الله تعالى الآية الأولى وهي آية النجوى وفرض عليهم ومقدمةً لسؤالهم هذا إعطاء مبلغ من الصدقة لأجل أن يخفف على نبيه أولا وليؤدب المسلمين بأدب السؤال والمنفعة الدينية ثانياً.

ولما نزلت هذه الآية امتنع المسلمون عن سؤال النبي (ص) إلا علي ابن أبي طالب (ع) وكان وبمجرد سماعه بنزول هذه الآية يملك دينار فباعه بعشرة دراهم فكان كلما ناجى الرسول (ص) قدّم درهماً حتى ناجاه عشر مرات أي بكل ما كان يملك. فلقد روى الحادثة الطبري عن ابن جرير بإسناده عن مجاهد عن الإمام علي (ع) قوله ( إن آية من كتاب الله لم يعمل بها احد قبلي ولا يعمل بها احد بعدي ، كان عندي دينار فصرّفته بعشرة دراهم فكنت إذا جئت النبي (ص) تصدّقت بدرهم ثم نسخت فلم يعمل احد بها ) ثم أورد الآيتين. لقد اطلع سبحانه وتعالى ( وهو يعلم أصلا) إن المسلمين سُيعرِضون عن مناحات النبي (ص) مما سيفّوت عليهم كثيراً من العلوم والتعاليم الإسلامية ، من اجل ذلك رفع الله سبحانه عنهم وجوب إعطاء الصدقة في الآية الأولى بواسطة الآية الثانية (الناسخة) ومقابل ذلك أمرهم بإقامة الصلاة وإيتاء الزكاة وإطاعة الله ورسوله.

وقد ذكر هذه الحادثة والاستدلال بآية النجوى وبأنها من الايات المنسوخة كثير من علمائنا منهم ابن بابويه القمي بإسناده عن مكحول قال : قال أمير المؤمنين (ع) ( لقد علم المستحفظون من أصحاب النبي انه ليس فيهم رجلٌ له منقبة الاشركته فيها وفُضِّلت ولي سبعون منقبة لم يشركني احد منهم ) فقلت يا أمير المؤمنين فأخبرني بهن. فقال( وان أول منقبة.... وذكر السبعين حيث قال: وأما الرابعة والعشرون فأن الله عز وجل انزل على رسوله ( أذا ناجيتم ) فكان لي دينار فبعته ...... الخبر ).

نعم هذه الآية الوحيدة التي ثبت نسخ الحكم التكليفي فيها على المسلمين حيث تدخل في الدليل الأقوى في إمكان النسخ في القران وهو أن الحكم الثابت بالقران يُنسخ بالسنة المتواترة أو بالإجماع القطعي الكاشف عن صدور النسخ عن المعصوم عليه السلام ، أو إن الحكم الثابت في القران ينسخ بآية أخرى ناظرة إلى الحكم المنسوخ ومبينة رفعه لمصلحة زمانية ومكانية ولعلة يعلمها الله سبحانه ، وهو ما لا إشكال في إمكان وقوع النسخ فيه.

وليس كما توهم البعض إن الآية تنسخ الآية الثانية وهو ما يوقعنا في إشكاليات وشبه تؤدي إلى فهم خاطئ للبداء عند الله أي ( أن الله سبحانه كان لايعلم بما سيجري( معاذ الله ) ولهذا نسخ آية بأية أخرى بعد ما تبين له (وبحسب زعمهم) أمر آخر يتنافى مع وجود الآية الأولى. فلو حصلت هذه الفوضى في تحديد الايات المنسوخة فسوف لن نتمكن من الاستدلال بالآيات القرآنية من كونها خشية منسوخة ولمحقت الأحكام الشرعية، خصوصا أن بعض المفسرين ذهب بتعدادها بعيداً وغلا غلوا شديداً. وإذا كان أبو جعفر النحاس وأبو مسلم الأصفهاني وغيره قد خلطوا النسخ بالتخصيص، فان القائلين بالنسخ قد سلكوا كثيرا من العموم المخصص وحشروه في عداد المنسوخ، وبين النسخ والبداء فوقعوا بالخلط بين هذه المفاهيم ما جعل القارئ لهم في حيرة  أمره.

قد علّق على هؤلاء الدكتور صبحي الصالح قائلا( ومن المبالغات العجيبة إدراجهم في عداد المنسوخ ما أبطله القران من عادات الجاهلية وتقاليدها كتحريم نساء الآباء ، وتشريع الدية، والقصاص، وما رفعه من شرائع كإباحة بعض المطعومات التي كانت محرمة عليهم، وقد رجح المحققون من العلماء إخراج كل هذا من إعداد الناسخ فان ذلك لوعدّ فيه لعدّ جميع القران منسوخا ، مضافاً إلى أن كل ما ذكروه من آيات النسخ هي إخبار آحاد لايجوز القطع بها في القران، وهو ما أوقع المتساهلين فيها إلى القول بالبداء والخلط، والحق إن الأصل في الآيات هو الإحكام إلى أن يقوم دليل صريح عليه وهو قليل جدا). وما دمنا قد ذكرنا ( البداء) فعلينا المرور على معناه باختصار لنختم به البحث:-

ففي اللغة بمعنى الظهور بعد الخفاء، والبداء تارة نفهمه على أساس أن يعتقد الله سبحانه شيء ثم يظهر له أن الأمر بخلاف ما اعتقده وهذا محال عليه سبحانه ولا يقول به احد  فقد روى الصدوق في إكمال الدين عن الصادق (عليه السلام) قوله( من زعم أن الله عز وجل يبدو له في شيء لم يعلمه بالأمس فابرأوا منه )، وتارة نفهم البداء بأنه نسخ في التكوين إذ لا فرق أساسي بينه وبين النسخ من حيث الفكرة، وإنما الفرق بينهما في الموضوع الذي يقع النسخ فيه أو البداء. فالإزالة والتبديل إذا وقعا في التشريع سميناه نسخا، وإذا وقعا في الأمور التكوينية كالخلق والرزق والصحة والمرض وغيرها سميناه بداء. قال الصادق (ع) ( ما بدا الله في شيء إلا كان في علمه قبل أن يبدو له) إذن فالبداء هو بمعنى الظهور بعد الخفاء ويقع عندنا نحن البشر الذين بدء الحد بعدما خفي عنا بينما البداء بالنسبة إلى الله سبحانه قبل أن يبدو له كان في علمه سبحانه وإنما أظهره للواقع لمراعاته الزمان والمكان والظرف المتغير بطبيعة الحال في الحياة الدنيا وتعاقب الأجيال والدهور. 

 

مجلة تعنى بشؤون القرآن الكريم تصدر عن مؤسسة الثقافة والاعلام لمنظمة بدر/دار القرآن الكريم المركزي              الرئيسية

      Design by:    internetbadr@yahoo.com