|
مفاهيم
قرآنية
الفتنة في القرآن
د. حيدر
السعدوني /أستاذ اللغة العربية
- جامعة بابل
من المفاهيم
القرآنية التي تناولها القرآن كثيرا وتردد لفظها في آيات عديدة
مفهوم "الفتنة". وسيلحظ القارئ بعد تتبعه لأغلب آيات الفتن
أنها تختلف-وإن اتفق لفظها- باختلاف موضوعاتها، بعبارة
فنية:إنّ آيات الفتن تختلف معانيها باختلاف السياق القرآني
الموضوعة فيه، وسنشرع ببيان ذلك في جولة قرآنية تؤنس القارئ
وتمتع السامع وتكشف له فهماً-إن كان هذا محطَّ نظره وموضع
عنايته-.
وقبل ذلك ينبغي
الوقوف أولاً-بصورة منهجية- على تعريف الفتنة,ثمّ الشروع ببيان
أقسامها,والوقوف-ثالثا- على معاني الفتنة التي احتملتها الآيات
القرآنية واختلفت باختلاف سياقها,
أولاً:تعريف الفتنة .
أصل معنى الفتنة
–كما ورد في اللغة-الاختبار والامتحان تقول:َفتن
الذهبَ
يفتنه-بكسر الفاء-إذا أدخله النار َلينظرَ ما جودته,وإليه
أشارت الآية الكريمة في سورة العنكبوت بقوله تعالى " (أحسب
الناس أن يتركوا أن يقولوا آمنا وهم لا يفتنون) ,وفي حديث
الإمام الرضا"ع"عن معمّر بنِ خلاّد قال :سمعت أبا الحسن
يقول:"أحسب الناس أن يتركوا أن يقولوا آمنّا وهم لا يفتنون"ثمّ
قال لي :ما الفتنة؟قلتُ:جعلت فداك الذي عندنا الفتنة في الدين
قال يفتنون كما يُفْتنُ الذهبُ,ثمّ قال:يُخْلَصون كما يُخْلَصُ
الذهبُ", فكما أنّ الذهب يُمَحّصُ بالنار كذلك الناسُ لابدّ
لهم من تمحيص "افتتان"ليظهر صدقُهُم أو كذبُهُم في دعوى
الأيمان بقرينة قوله تعالى"فليعلمنّ اللهُ الذين صدقوا وليعلمن
الكاذبين"إذ لا يكفي مجرد دعوى الأيمان,لذا أنكر اللهُ عليهم
الأيمانَ القوليَّ مجرداً من الأيمان الفعلي,فذلك مبلغُ
ظنّنهم ويؤكد ذلك الاستفهامُ الإنكاريُّ في الآية
الكريمة"أحسب" أي:يُنكر على الناس من ظنّ منهم أن الأيمان غيرُ
مسبوق بالفتنة.
فبالابتلاء
يُعَْرفُ مَعْدِنُ الأيمان,وتُقاس مرِتبةُ العبد. وفي ذلك ممّا
أوصى به لقمان الحكيمُ ابنَه"يا بنيَّ الذهبُ يجرّب بالنار
والمؤمن يجرب بالبلاء",وبه فضّل اللهُ أنبياءه وصفوتَه على
غيرهم"أشدّ بلاءً الأنبياء ثمَّ الأولياء فالأمثل فالأمثل"وبه
فاضل الُله بين أنبيائه فكان الخاتم"ص"أشدهم بلاءً "ما أوذي
نبي مثل ما أوذيت"
ولعل هناك تأكيدا
على ضرورة تجربة البلاء ورد ذكرها مرتين في الآية نفسها .
الأولى:في قوله
تعالى"أن ُيْتَركوا"أي:يتركوا فلا يُعْرَضُ لحالهم .
الثانية:في قوله
تعالى"وهم لا يفتنون"أي:يُمْتَحنون.
ويؤكد القرآن
حقيقة ثابتة في الفتنة أنّها – على حدّ وصف العلامة
الطباطبائي(قده)- سنة إلهية جارية جرت على الأمم السالفة وتجري
على الأمم المتعاقبة,فهي سنّة ابتلاء ثابتة لا يجري عليها
تحويلٌ أو تبديلٌ لقوله تعالى في الآية الثانية"ولقد فتنّا
الذين من قبلهم فليعلمنّ الله الذين صدقوا وليعلمنّ الكاذبين"
.
ولأمير
المؤمنين"ع"قول في الفتنة يقف فيه على وصفها قوله"ع"أهواء
تّتبع,وأحكام تُبْتَدَع",فبحسب هذا الوصف يجتذب الفتنة عنصران:
الأول:الهوى,والثاني:الأحكام, ولعل العلاقة بين أتباع الهوى
وابتداع الأحكام أن أتباع الهوى كما وصفه أمير
المؤمنين"ع"يصدّعن الحقِّ ممّا يكون سبيلا ممهِّدا لتأسيس
أحكام مبتَدعة منحرفة عن جادة الشريعة المقدّسة، فالفتنة إذا
مشروع إضلالي يسعى إلى تأسيس أحكام تتحكم بها الأهواءُ يتصدّى
إلى الترويج له أئمةُ الضلال.
ومن هنا يبدأ
الانحراف وأساس الفتنة,وفي هذا المعنى ما يشير إليه الحديث
المروي عن النبي"ص""إني لا أخاف على أمتي إلاّ الأئمة
المضلين".
ومن شواهد ذلك
الابتداع للأحكام والتأسيس لشريعة الهوى, اتباع المتشابه من
الآيات القرآنية من غير إرجاع ذلك المتشابه الى المحكم منها
كما أمر الله بذلك,واليه أشارت الآية الكريمة في سورة آل عمران
قال تعالى"هو الذي أنزل عليك الكتاب منه آيات محكمات هنَّ أمّ
الكتاب وأخر متشابهات فأمّا الذين في قلوبهم زيغ فيتبعون ما
تشابه منه ابتغاء الفتنة وابتغاء تأويله".إذإنّ اتباع المتشابه
يحملهم على تأويله-بحسب أهوائهم-تأويلاً يستغنون به عن اتباع
أحكام الدين الحقَّة, ويعملون على نسخ الشريعة المقدّسة,إذ
يجتهد أئمة الضلال المضلين في الأخذ بأكظام الناس نحوضلال
اهوائهم.
والخطر المحدِق
بالفتنة –وهو أول مراتب خطورتها-أنها لا تعرف حين إقبالها ولا
يعرف لها وجه وقت نشوبها,لكنّها إذا وضعت واحتطبت من الناس
وقوداً لنارها عند ذلك عرفت,يقف أمير المؤمنين"ع"على هذا
المعنى واصفاً حال الفتنة أنها"إذا أقبلت تنكرت وإذا ولّت عرفت
لأنّ في إقبالها إخفاء لحقيقتها لئلا ينْفُرَ الناسُ منها
فتتنكر لهم بمظهر محبوب وأخطر مظاهر تنكرها أن تتنكر بلباس
الدين فلا يلتفت الناس اليها حتى تنتهي لحصول المعرفة بآثارها
المفسدة.
من هنا يتبين لنا
خطورة مسالك الفتنة التي لا يقف على حقيقتها أي إنسان إلا من
امتحن الله قلبه,وأخذ بطريق المحجة البيضاء, فتلك فتنة الدين
تمحّص الناس تمحيصاً. ويطلعنا التأريخ على نماذج منها واضحة
نحو ما حصل من فتنة الخوارج وجرأتهم عًلى أمير المؤمنين"ع"وما
كان احد يجرؤ على قتالهم إذكانو عُبّاداً في ظاهر حالهم "أصحاب
الجباه السوّود"لكثرة عبادتهم,حفظة للقرآن,لكن حقيقة ما وراء
ذلك لا تنكشف لأحد إلا مثلِ عليٍّ"ع"حتى قال"ع""أنا من فقأت
عين الفتنة إذ اشتدّ غيهبُها,وماج كلبُها".
ثانياً:أقسام ألفتنة:
تحدّث القرآن في
آيات كثيرة عن الفتنة واشار الى عدة معان فيها .
وقبل الخوض في
معاني الفتنة نود الوقوف على تصنيف آخر للفتنة من حيث وقوعها
سعة وضيقاً الى فتن عامّة وفتن خاصة,ومن حيث وقوعها
سبباً,وأًثراً"نتيجة.
اولاً:الفتنة العامّة .وهي
الفتنة التي يبتلى بها عامّة الناس أو امّة من ا لأمم ,ولتلك
الفتنة نماذج عرضها القرآن الكريم على نحوين
أ- 1- أن تكون
الفتنة الخاصة سبباً لوقوع فتنة عامة,ومنها: قوله تعالى"واتقوا
فتنة لا تصيبنَّ الذين ظلموا منكم خاصّة"
فهي ابتدأت فتنة
خصّت جماعة من الظالمين تنذر شمول غيرهم"واتقوا فتنة" ليسوا
مشركين ,فالآية تحذر المؤمنين من فتنة وإن خصّت الظالمين في
وقوعها عليهم واستحقاقهم لها لكنها تعمّ الجميع في سوء
أثرها,وفداحة خطبها
2-أن يكون بعث
الرسل سببا لفتنة سائر الناس ومنها قوله تعالى"وما أرسلنا من
قبلك من المرسلين إلا إنّهم ليأكلون الطعام ويمشون في الأسواق
وجعلنا بعضكم لبعضٍ فتنة أ تصبرون وكان ربّك بصيراً.
ووجه الفتنة:أنّ
الرسل كسائر البشر في خواصهم البشرية ولا تتميز حياتهم حتى
دعوتهم بخواص سماوية بخلاف ما يعتقدونه من أن حامل الرسالة كأن
يكون ملكاً ونحوه فجعل ذلك فتنة للنّاس.
3- أن تكون
الرؤيا سببا أو باعثاً لفتنة الناس نحو قوله تعالى....وما
جعلنا الرؤيا التي أريناك إلاّ فتنة للنّاس والشجرة الملعونة
في القرآن ونخوفهم فما يزيد هم إلاّ طغيانا وكفرا.
فالرؤيا تضمنت
تلك الشجرة التي جُعلت فتنةً للناس,وقد صرّحت الأحاديث الشريفة
أنّ الشجرة الملعونة هم بنو اميّة.فعنه(ص
)فيما قصّه من
رؤياه"رأيت ولد الحكم بن أبي العاص على المنابر كأنّهم القردة
فأنزل الله"وما جعلنا الرؤيا ( الاية ) .
ووجه الفتنة في
ذلك لمّا كانت الشجرة الملعونة – تأويلها- بني أميّة فهذا يعني
امتلاكهم لسدّة الحكم وامتلاك أمور العباد بالظلم والقهر ممّا
جُعل ذلك ابتلاءً للناس,فأطلع الُله نبيَه ما يجري من أمر
الشجرة وبعض أعمالهم في الأسلام وأخبره أنّ ذلك فتنة لهم.
4- فتنة الإيمان.
هي أن تكون الًفتنة داعيا أو باعثاً لصدق دعوى المؤمنين
وتمييزهم من الكاذبين"فليعلمنَّ الله الذين صدقوا وليعلمنَّ
الكاذبين"فيخبر أحوالهم فيظهر إيمان من آمن وكذب من ادعى بحصول
الفتنة. قال تعالى"أحسب النّاس أن يتركوا أن يقولوا آمنّا وهم
لا يفتنون,واليها أشرنا سابقاً.
5- فتنة
النعم:وذلك أن تكون الفتنة داعياً لتمييز الكافرين من الشاكرين
"كفر النعم بإزاء شكر النعم"قال تعالى"وكذلك فتنّا بعضهم ببعض
ليقولوا هؤلآءِ منَّ الله عليهم من بيننا اليس الله باعلم
بالشاكرين" إذ جعلت مائزاً لتفاوت الناس على أساس الشكر وعدمه
وصريح الآية تثبت ذلك قال تعالى"وكذلك فتنّا بعضهم ببعض"إشارة
الى المحنة الإلهية وقوله تعالى: "ليقولوا هؤلآء َِمنَّ اللهُ
عليهم من بيننا"إشارة الى التمايز والتفاوت فيما بينهم.
6- ان تكون
الفتنة سببا في تذكرتهم وموعظتهم ليتوبوا فهي بذلك حجة دامغة
على من زاغ منهم "مرضى القلوب"فلا ُيترك عذرٌ لعاذر قال
تعالى"أولا يرون أنهم يفتنون في كل عام مرة او مرتين ثمَّ لا
يتوبون ولا هم يذّكرون"
7- محبّة الأموال
والأولاد باعث للفتنة قال تعالى"واعلموا أنّما أموالكم
وأولادكم فتنة..... "إنما جعلهم القرآن نفس الفتنة لِما ترتب
على ذلك الحبّ استمالة ودِّ المشركين في الاستبقاء على أموالهم
وأولادهم الذين تركوهم في مكّة ممّا دفع بعضهم أن يخبر
المشركين بأسرار رسول الله"ص"المكنونة فجاء النهي عن تلك
الخيانة بقوله تعالى"لا تخونوا الله والرسول وتخونوا أماناتكم
وأنتم تعلمون .
وآية أحرى تصف
الأزواج والأولاد فتنة لما ترتب على حبهما إلهاءٌ ونسيانٌ عمّا
أهمَّهم من أمر آخرتهم وطاعة ربّهم,فهما زينة تنجذب إليهما
النفس إنجذابا يُخاف منها ان تنسي الآخرة, وعلى سوء عاقبة ذلك
وصفهم القرآن بالعدو ّقال تعالى"يا أيها الذين آمنوا إنَّ من
أزواجكم وأولادكم عدواًّ فاحذروهم وإن تعفوا وتصفحوا وتغفروا
فإن الله غفور رحيم إنّما أولادكم وأولادكم فتنة والله عنده
أجر عظيم.
ومثيل هذه الصور
ما قصّه ا لقرآن من أمر ناقة صالح(عليه السلام ) لمّا عقروها
فشملهم العذاب على الرغم من أنّ العاقر كان فرداً "إذ انبعث
أشقاها" ولم يكونوا جميعهم لكنّهم رضوا بفعل العقر فشملهم
العذاب ونسب الله الفعل اليهم جميعا فقال تعالى"فكذبوه فعقروها
فدمدم عليهم ربهم بذنبهم فسوّاها ولا يخاف عقباها.
ب-ان تكون
الفتنة وقعت نتيجة وأثراً لفعل محذور.ومن ذلك:
1- اتباع
المتشابه ونبذ المحكم من آيات الله من الزائغة قلوبهم المضطربة
عقيدتهم ممّا يدفع الى وقوع الفتنة المراد بها هنا إضلال الناس
وصرفهم عن جادة الحقِّ-كما أشرنا اليه سابقاً- في قوله
تعالى".....فأمّا الذين في قلوبهم زيغ فيتبعون ما تشابه منه
ابتغاء الفتنة وابتغاء تأويله.
2- ولاية
الكافرين سبب في وقوع الفتنة,قال تعالى"والذين كفروا بعضهم
أولياء بعض إلاّ تفعلوه تكن في الأرض فتنة وفساد كبير,فالآية
في مقام تحذير المؤمنين من ان يتولوا الكافرين إشارة الى مصلحة
جعل الولاية التي لا غنى عنها في أي مجتمع من المجتمعات
البشرية لاسيما الإسلامي - كما يقول العلامة الطباطبائي –
القائم على بسط العدل الإلهي ,وتولّي الكافرين ممّا يوجب
الاختلاط بهم فتسري فيه عقائدهم وأخلاقهم فتفسد بذلك سيرة
الإسلام المبنية على الحقِّ فتلك هي الفتنة والفساد المحذور من
الوقوع بهما.
3- معصية أمر
النبي"ص"سبب وباعث في وقوع الفتنة قال تعالى "لا تجعلوا دعاء
الرسول بينكم كدعاء بعضكم بعضاً قد يعلم الله الذين يتسلّلون
منكم لِواذاً فليحذر الذين يخالفون عن أمره أن تصيبهم فتنة أو
يصيبهم عذاب أليم".
وربما جعلت
الفتنة سببا من جهة وأثرا من جهة أخرى إذ تختلف باختلاف
المتعلِّق بها,من ذلك ما ورد في سورة المائدة آيةِِْ\41 فبوصف
الفتنة سبباً وباعثاً أنّها كانت وسيلة لتسلية النبي"ص" وتطييب
نفسه لقوله تعالى"يا أيها النبي لا يَحْزُنْك الذين يسارعون في
الكفر....."أي:فلتطب نفس النبي"ص" بأنهم مفتونون بفتنة إلهية
فلا موجب لحزنه لأنّ الأمر من الله ولا يملكه أحد دونه لقوله
تعالى".....ومن يرد الله فتنته فلن تملك من الله شيئاً".
وبوصفها نتيجة وقعت لفعل متعلّق بها أن ما ابتدر منهم من افعال
وهي:إسراعهم في الكفر,وادّعائهم الإيمان ,ووقف اسماعهم على
الكذب,وسعي هؤلآءِ الى تحريف ِالكلم َخلُص منها وقوع الفتنة
ثانيا:الفتنة الخاصة (الفردية):
وهي الفتنة التي يُبتلى بها فرد او نفر من الناس ,ولا يمتنع أن
تقع على كثير لكنها لا تكون سببا في هلاك الأمّة أو
انتكاستها,نحو:فتنة المرض,وفتنة النعم –وسيأتي الحديث عنها- أو
أن تكون الفتنة خاصّة يبتلي بها اللهُ صفوة خلقه,والخلَّصُ من
عباده ارتقاء لهم في مدارج الكمال واستكمالاً لاستعدادهم في
حمل رسالات ربهم,وربما كان المرض ,والنعم من لوازم هذهِ الفتنة
الخاصّة.
ومن أوضح
مصاديقها وأنصعها جبيناً ما قصّه القرآن الكريم من ابتلاء خيار
خلقه,ومن ذلك:
1- فتنة
الاختبار: ويرادُ منها الابتلاء الخاص لصفوة من خلق الله(جل
وعلا) أراد الله ان يكونوا موضع عنايته ,ومحطَّ رعايته,وصنيعه
"واصطنعت لنفسي"فيقوموا بأعباء المسؤولية الرسالية التي اعدهم
الله لها. فاقتضى هذا الاختيار لهم ,وعظيم المسؤولية وشرف
الامتياز والقرب من الله أن تجري عليهم الابتلآءآت ليزدادوا
قربا مع قربهمً,وارتقاءً في مدارج الكمال .
وممّن ابتلي
بهذه الفتنة نبي الله موسى( ع) , وإلى فتنته أشارت الآية
الكريمة قال تعالى" وفتناك فتوناً أي:ابتليناك ,واختبرناك
ابتلاءً واختباراً, فمن جملة تلك الابتلآءآت التي خضع لها
موسى"ع"ما أشارت إليه الآيات الكريمة,منها:قتل القبطي لمّا
استنصره الذي من شيعته"وقتلت نفساً فنجيناك من الغمِّ",وخروجه
من المدينة خائفاً يترقب لمّا اجتمعت كلمة القوم على قتله"فخرج
منها خائفاً يترقب",ولبْثُه في أهل مد ين سنين طوال كلُّ ذلك
وغيره استخلاصاً لموسى"ع"أن يكون صنيع الله"واصطنعتك
لنفسي",واختياره من خلقه"وأنا اخترتك فاستمع لما يوحى",وأنَّ
الابتلاء بعد الابتلاء –كما عبر العلاّمة الطباطبائي"( قد س
سره ) ممّا أكسبه فعلية الكمال ,فاذا اجتمعت للعبد اسباب
الكمال وارتقى في مدارجه كان اهلاأنْ يتحمل مسؤولية وشرفية
إصلاح المجتمع وإخراجه من ظلمات الجهل والاستعباد ,وما ارتهن
بموسى"ع" من عظيم الأمر اقتضى ان يُسْتخلص "ع" بالكمال روحاً
,واستعداد المرحلة التكليف الرسالي وخوض الصراع الأزلي بين
الحقِّ والباطل فخاطبه الله تعالى بعد أن هيّاه واستخلصه
"إذْهب انت وأخوك بآيآتي ولا تنيا في ذكري إذهبا الى فرعون إنه
طغى"ّ.
ونحوه ما يقع
على المؤمنين الصابرين منِ ًالبلاء والفتنة ما قاله القرآن
فيهم"ثمَّ إنَّ ربَّك للذين هاجروا من بعد ما فتنوا ثمَّ
جاهدوا وصبروا إنَّ ربَّك من بعدها لِغفور رحيم".إظهاراً
لمكانتهم وإعلآءً لشأنهم,وهم بعد ذلك قد محّصوا تمحيصاً ودونك
ما جرى على أحدهم امثالَ عمّار بن ياسر حين افتُتن بقتل أبويه
بعد تعذيبه وتعذيبهم حتى كاد يموت تحت سطوة العذاب كما قتل
أبواه .
ثالثاً: معاني
الفتن: تناولنا فيما تقَّدم أقسام الفتنة بوصفها بلآءً عامّاً
يشمل عامّة الناس ,وبوصفها بلاءً خاصاً يقع على أفراد منهم
لداعٍ من الدواعي ولا يمتنع في بعض أنواع هذا الصنف أن تقع على
كثيرين لكنها تقع على العبد اختياراً له لإكتسابه فعلية الكمال
,أو تذكيراً له ,أو عقوبة,وأشرنا – في معرض حديثنا-إلى بعض
معاني الفتن اقتضاها الموضوع فضلا عن تصنيفها بحسب الباعث
والنتيجة,وإن التأمل وإمعان النظر في سياق جملة من ا لآيات
الكريمة توقفنا على معانٍ متواردة متعددة وليس معنى واحداً
وهي:
1- الفتنة بمعنى
الابتلاء والامتحان,والتمحيص,وهو أصل الفتنة التي يدور عليها
معاني الفتن الأخرى من ذلك قوله تعالى"أحسب الناس أن يتركوا أن
يقولوا آمنّا وهم لا يفتنون".ونحوه قوله تعالى"وفتناك فتوناً.
2- فتنة الكفر
نحو قوله تعالى"لقد ابتغوا الفتنة من قبل وقلبوا لك الأمور حتى
جاء الحقُّ وظهر أمر اللهُ"وقوله تعالى"والفتنة اكبر من القتل.
3- فتنة
العذاب:نحو قوله تعالى(يوم هم على النار يفتنون
)أي:يعذَّبون,وقوله تعالى"ذوقوا فتنتكم هذا الذي كنتم به
تستعجلون"أي: ذوقوا عذابكم,وقوله تعالى"إنَّ الذين فتنوا
المؤمنين والمؤمنات ثمَّ لم يتوبوا......"أي عذّبوا
المؤمنين
والمؤمنين.
4-فتنة المرض:
نحو قوله أوَلا يرون انّهم يفتنون في كلِّ عام ٍمرتين ثمَّ لا
يتوبون ولا هم يذكّرون ) التوبه / 126. أي:أولا يرون أنهم
يعذبون.
5-فتنة
المحبَّة:ويراد منها محبّة الأموال والاولآد قال تعالى"واعلموا
انّما اموالكم وأولادكم فتنة وأنّ الله عنده اجر عظيم"وقوله
تعالى"إنّما أموالكم وأولادكم فتنة والله عنده أجرٌ عظيمٌ"وقد
أشرنا الى تبعات هذه الفتنة ممّا قد يُعَُّد خيانة لله
والرسول,أو ممّا ينسي الآحرة ويلهيهم عنها.واليه أشرنا فيما
تقدَّم ذكرهُ.
6- فتنة النعم:
نحو قوله تعالى"وألّو استقاموا على الطريقة لأسقيناهم مآءً
غدقاً لنفتنهم فيه ومن يُعْرِض عن ذكْرِربِّهِ يسلكْه عذاباً
صُعداً ) الجن/ 16. أي:الاستقامة على طريقة الإسلآم توجب تحققَ
النعم"لأسقيناكم مآءً غدقاً,وهذه النعمة افتتانٌ لهم وامتحانٌ
فكأن ترتُّب الأسباب في الآية الكريمة أن جُعِلَ اتباع
الإسلام"الطريقة المُثلى"سبباً في الرزقِ المشار اليه في الآية
,والرزق"الماء الغدق"مورد افتتانهم لقوله تعالى"لنفتنهم
فيه"كما في قوله تعالى"ولو أنّهم آمنواوآتقوا لفتحنا عليهم
بركات من السماء والأرْض",ولا يمتنع أن يشمل هذا المعنى فتنة
المال والولد بوصفهم نعمة يُبتلى بها العبد إذْ إنَّ كلا
المعنيين يقعان في دائرة الابتلاء والاختبار.
7- فتنة
الضلال:نحو قوله تعالى"فأمّا الذين في قلوبهم زيغ فيتبعون ما
تشابه منه ابتغآء الفتنة وابتغآء تأويلهِ"وهذه هي فتنة الدين
إذ يضيع على الناس مسلك الشريعة القويم, وتنحرف عن الصراط
المستقيم بأحكام الهوى وسلطان ائمة الضلال.
8- فتنة الارتداد
الصد عن سبيل الله" قال تعالى (واحذرهم أن يفتنوك عن بعض ما
انزل الله إليك) أي :يردوك.
9-فتنة المعصية:
قال تعالى(ولكنك فتنتم أنفسكم وتربصتم وارتبتم وغرتكم ألاماني)
أي :أوقعتموها في المعاصي وأهلكتموها بالمعاصي والشهوات.
10-فتنة الضلال
قال تعالى فيتبعون ما تشابه منه ابتغاء الفتنة وابتغاء تأويله
وقوله تعالى "ومن يُرِد الله فتنته فن تملك له من الله شياً".
11- فتنة الأسر
والقتل قال تعالى"وان خفتم أن يفتنكم الذين كفروا .
خلاصة
القول: أن اصل معنى الفتنة هو الابتلاء والامتحان وهو
المعنى الذي تدور عليه جميع معاني الفتن الأخرى على تنوعها في
السياق القرآني وهو معنى مفرغ منه في كل آية تناولت لفظة
الفتنة تصريحا أو تلميحا .وانتهينا إلى أن الفتنة في وصفها
العام "سنة إلهية جارية على الأمم تخضع فيها لأثارها بوصفها
وعدا إلهيا أجرته الحكمة الإلهية على العباد لينالوا بها
الاستحقاق في المراتب كما هو حال قياس إيمان العبد بمرتبة
إيمانه الذي أشارت إليه الآية الكريمة"احسب الناس أن يتركوا أن
يقولوا آمنا وهم لا يفتنون". والفتنة بآثارها المفسدة تكون
باعثاً لتأسيس شريعة الهوى وأحكام الضلال على حد قوله "ص""إني
لا أخاف على أمتي إلا الأئمة المضلين" من هنا جاء التحذير من
الفتنة واجتناب الخوض في الشبهات "واتقوا فتنة لا تصيبن الذين
ظلموا منكم خاصة"فإذا قضت الحكمة الإلهية أن تكون الفتن جزءا
من ابتلاء العباد وليس- تكليفا شرعيا - كان ذلك الابتلاء كاشفا
لتفاوت مراتب العباد واستعدادهم إلى مناهل الفيض
الإلهي.,وبذلك تتنوع وتختلف أنواعها بحسب متعلقها أو متعلق
المبتلى بها.فالابتلآءآت - إذن- لها صور كثيرة.أولا:لأنها
انيطت باستعداد البشر المتفاوت فهي تشتد وتضعف ,تعظم وتهون
,وتختلف مرادها من حال إلى حال.إلى عامة وخاصة. فالفتنة العامة
نحو ما يشمل وقوعها على الناس جميعا كفتنة الكفر"واتقوا فتنة
لا تصيبن الذين ظلموا منكم خاصة".
والفتنة الخاصة
ما يخص وقوعها على أفراد من قبيل الابتلآءآت الخاصة بأنبيائه
وصفوة خلقه إعلاء لشأنهم وتقريبا لهم نحو فتنة الاختيار التي
خضع لها موسى حتى قال الله فيه"وفتناك فتونا"لان الله اختاره
لقوله تعالى "وأنا اخترتك" ونحوها من الفتن الأخرى.
وهذا الفهم
لمعاني الفتن المتنوعة يدفع إليه تنوع السياق القرآني الكاشف
عن مراد اللفظة في سياقها الموضوعة فيه على نحو المراد من
الفتنة معنى العذاب في قوله تعالى (يومهم على النار يفتنون)
أي:يعذبون.,ومعنى الصد عن سبيل الله في قوله تعالى"واحذرهم أن
يفتنوك عن بعض ماانزل الله إليك",ومعنى الضلال في قوله
تعالى"ومن يُرد الله فتنته فلن تملك له من الله شيئا",ومعنى
القتل والأسر في قوله تعالى"وإن خفتم إن يفتنكم الذين كفروا
"ونحوها .فنلحظ في هذه المعاني إنها تكشف صورا متعددة من
البلاء وهو المعنى الأصلي الذي انعقد عليه معنى الفتنة كما
اشرنا إليه وهوا لبلاء والامتحان.
|