الرئيسية

السياسة في القرآن

القيادة السياسية في القرآن الكريم

الشيخ محمد حسن / باحث اسلامي

يقرر كتاب الله العزيز أن لاسيادة لأحد من البشر على نفسه نظراً لافتقاره إلى الباري جلَّ وعلا في وجوده وبقائه ومملوكيته وعبوديته له سبحانه، وبالتالي فهو متصف بالضعف والمحدودية.وإذا كان كذلك فمن باب الأولى أن لا يكون سيادة للبشر على بعضهم البعض كلية كانت أو جزئية، وعليه فإن أي نوع من أنواع السلطنة دينية كانت أو سياسية أو غيرهما تحتاج إلى الإذن ممن له الحق في إضفاء صفة الشرعية على هذه السيادة والسلطنة. ومن هنا نبدأ أولا في البحث عن مصدر الشرعية لسلطة البشر على بعضهم البعض، ونقول بإيجاز شديد:

أن القرآن الكريم  تعاطى مع هذا الموضوع من زاوية الحكم والحاكم وحصر الولاية والحاكمية المطلقة على هاتين الزاويتين لله وحده، فلا يجوز لأحد أن يشرع قانوناً أو ينصب نفسه ولياً إلا بإذن الولي الحقيقي والسيد المطلق، كما لا يجوز له أن يتخذ حكماً أو ينتخب حاكماً لم يأمر به الله سبحانه وتعالى. ومن المعلوم أن المسلمين كافة يؤمنون بأن الله قد بعث الأنبياء والرسل ليقوموا بهذين الدورين على تفصيل يطلب من محله. فسيادة الأنبياء والرسل على البشر ليست بلحاظ عنصر البشرية فيهم وإنما بلحاظ عنصر الوحي المرتبط بهم: قال تعالى:﴿قُلْ إِنَّمَا أَنَا بَشَرٌ مِّثْلُكُمْ يُوحَى إِلَيَّ أَنَّمَا إِلَهُكُمْ إِلَهٌ وَاحِدٌ فَمَن كَانَ يَرْجُو لِقَاء رَبِّهِ فَلْيَعْمَلْ عَمَلاً صَالِحاً وَلَا يُشْرِكْ بِعِبَادَةِ رَبِّهِ أَحَداً ﴾ الكهف/ 110. ولحاظ العصمة التي يتمتعون بها فيتجردون للدين ويخلصون للشريعة ويحكمون بالدين ويحكمونه في الواقع دون الوقوع في وحل الأهواء والشهوات والأمزجة الشخصية. قال تعالى:﴿وَمَا يَنطِقُ عَنِ الْهَوَى * إِنْ هُوَ إِلَّا وَحْيٌ يُوحَى﴾ النجم/ 3، 4.

ولهذا وجب إتباع الرسل وطاعتهم لأن إتباعهم وطاعتهم إتباع للرسالة وتحقيق لسيادة الدين وهو مصداق لسيادة الباري عز وجل. قال تعالى:﴿مَّنْ يُطِعِ الرَّسُولَ فَقَدْ أَطَاعَ اللّهَ وَمَن تَوَلَّى فَمَا أَرْسَلْنَاكَ عَلَيْهِمْ حَفِيظاً ﴾ النساء/ 80.

ومع غياب الرسل يأتي دور الأوصياء الذين يمثلون الشريعة، وهنا يقرر أتباع اهل البيت ( عليهم السلام ) استنادا إلى ما وصل إليهم صحيحاً من السنة الشريفة أنه لا يحق لأحد أن يتخذ إماماً لم يأمر به الله، أو لم يأذن بإتباعه، وقد نص النبي ( ص ) بأمر من الله على اثني عشر إماماً أولهم الإمام علي ( ع ) وآخرهم الإمام الحجة المنتظر أرواحنا لتراب مقدمه الفداء. قال تعالى: ﴿وَرَبُّكَ يَخْلُقُ مَا يَشَاءُ وَيَخْتَارُ مَا كَانَ لَهُمُ الْخِيَرَةُ سُبْحَانَ اللَّهِ وَتَعَالَى عَمَّا يُشْرِكُونَ ﴾ القصص/ 68.

وفي الحديث عن الإمام الرضا (عليه السلام  ) [ إِنَّ الْإِمَامَةَ أَجَلُّ قَدْراً وَأَعْظَمُ شَأْناً وَأَعْلَى مَكَاناً وَأَمْنَعُ جَانِباً وَأَبْعَدُ غَوْراً مِنْ أَنْ يَبْلُغَهَا النَّاسُ بِعُقُولِهِمْ أَوْ يَنَالُوهَا بِآرَائِهِمْ أَوْ يُقِيمُوا إِمَاماً بِاخْتِيَارِهِمْ ]. 

وهؤلاء الأئمة يجب إتباعهم وطاعتهم بلحاظ علمهم بالدين والعصمة، وإتباعهم هو الآخر إتباع للدين والرسول وبالتالي خضوع لسلطان الله عز وجل. ومع غياب الأئمة يأتي دور نوابهم الخاصين أو العامين على أن يطاعوا بلحاظ الفقاهة بدلاً من الوحي والعلم، والعدالة بدلاً من العصمة.

وأخيرا ينبغي أن نقول أن التعيين الإلهي هو وحده مصدر الشرعية فيما يرتبط بالأنبياء والأوصياء، أما نواب الأوصياء فيستمدون شرعية سلطانهم من أمرين: الفقاهة والانتخاب إذ يعتبر التقليد نوع من أنواع الانتخاب الصامت في البقعة التي يكون الفقيه فيها غير مبسوط اليد، أما إذا كان الفقيه مبسوط اليد فضلاً عن التقليد هناك وسائل أخرى يمكن من خلالها استكشاف رأي الناس وهي.

الكفاءة :يحاول البعض أن ينال من رموز الإسلام فينسب لهم ضعف الكفاءة، وقد لا يصرح البعض بذلك ولكن ذلك يفهم من خلال بعض التعليقات التي يستشف منها الغمز بهذا المعنى، وربما انساق البعض وراء ذلك فنسب الفشل السياسي مثلا لأمير المؤمنين( عليه السلام ) و أشكل على الإمام الحسن  ( عليه السلام  ) أو غيرهما من الأئمة (عليهم السلام ) وإذا كان الحال في المنصوص عليهم هكذا ففي غير المنصوص يكون الأمر سهل يسير.

وهذا التشكيك ينبىء عن الجهل بالقيم التي يحملها المعصوم ويعمل من أجل تثبيتها في نفوس الناس وواقع المجتمعات، فالمعصوم يعمل على تطويع الواقع للقيم والمبادئ، بينما الموروث من الفكر السياسي التاريخي هو تطويع القيم والمبادئ للواقع، وعلى حد تعبير مالك بن نبي:( الحضارة الإسلامية لم تنشأ عن مبادئ الإسلام، ولكن المبادئ هي التي تكيفت مع سلطة زمنية قاهرة ). ولعل الفكر السياسي المعاصر مطابق لذلك الموروث تحت شعار الواقعية والعقلنة وما شابه.

فالإشكال ينبىء عن مقدمات خاطئة في التحليل ومتى تم إصلاح هذه المقدمات فإن الإشكال يرتفع، ويضاف إلى ذلك الاصطفاء الرباني للمعصومين ( ع ). قال تعالى:﴿إِنَّ اللّهَ اصْطَفَى آدَمَ وَنُوحاً وَآلَ إِبْرَاهِيمَ وَآلَ عِمْرَانَ عَلَى الْعَالَمِينَ * ذُرِّيَّةً بَعْضُهَا مِن بَعْضٍ وَاللّهُ سَمِيعٌ عَلِيمٌ﴾ آل عمران/ 33، 34.

قال الشيخ الطوسي: ومعنى اصطفى : اختار واجتبى وأصله من الصفوة، وهذا من حسن البيان الذي يمثل فيه المعلوم بالمرئي وذلك أن الصافي هو النقي من شائب الكدر فيما يشاهد فمثل به خلوص هؤلاء القوم من الفساد لما علم الله ذلك من حالهم لأنهم كخلوص الصافي من شائب الأدناس . فان قيل: بماذا اختارهم أباختيار دينهم أو بغيره؟ قيل فيه ثلاثة أقوال: أحدها - بمعنى أنه اختار دينهم واصطفاه، كما قال: " واسأل القرية " وهذا قول الفراء. والثاني: قال الزجاج واختاره الجبائي، أنه اختيارهم للنبوة على عالمي زمانهم . الثالث: قال البلخي: بالتفضيل على غيرهم بما رتبهم عليه من الأمور الجليلة، لما في ذلك من المصلحة . والاصطفاء هو الاختصاص بحال خالصة من الأدناس . ويقال ذلك على وجهين: يقال اصطفاه لنفسه أي جعله خالصا له يختص به. والثاني: اصطفاه على غيره أي اختصه بالتفضيل على غيره وهو معنى الآية. 

 هذا كله بالنسبة إلى المعصوم، أما غيره فضلاً من الشرائط العامة التي وردت في الروايات والتي يشم منها الكفاءة، فقوله   (عليه السلام  )(حَافِظاً لِدِينِهِ ) في الحديث الوارد عن أبي محمد الحسن العسكري ( عليه السلام ) : ( فَأَمَّا مَنْ كَانَ مِنَ الْفُقَهَاءِ صَائِناً لِنَفْسِهِ حَافِظاً لِدِينِهِ مُخَالِفاً لهَوَاهُ مُطِيعاً لِأَمْرِ مَوْلَاهُ فَلِلْعَوَامِّ أَنْ يُقَلِّدُوهُ وَذَلِكَ لَا يَكُونُ إِلَّا بَعْضَ فُقَهَاءِ الشِّيعَةِ لَا كُلَّهُمْ). فضلاً عن ذلك فالأمر ليس منحصر في شخص بعينه وإنما في مجموع الفقهاء والترجيح في يد الناخب أي المقلد.

إدارة القاعدة الشعبية ( الأساليب والوسائل ):

تتأثر الأساليب والوسائل بالموقع الجغرافي وما يحيط به من ظروف سياسية أو اقتصادية أو اجتماعية، والزمن الذي يمارس فيه القائد دوره القيادي، كما أنها تتأثر بعلاقة القائد من السلطة وموقعه فيها.  وهذا ما يكشف لنا جلياً اختلاف الأدوار التي قام بها أئمة أهل بيت العصمة  ( عليهم السلام ) فمن معارضة الإمام أمير المؤمنين  ( عليه السلام  ) للقوم إلى استلام السلطة السياسية في البلاد الإسلامية، والإمام الحسن ( عليه السلام ) من استلام السلطة حينما بويع بعد استشهاد أبيه إلى مجابهة الانفصاليين في الشام ومنها إلى الصلح أو الهدنة معهم والتخلي عن السلطة السياسية، والإمام الحسين  ( عليه السلام ) يعلن الثورة ضد بني أمية بعد موت معاوية واعتلاء ابنه يزيد سدة الحكم، وهكذا بقية الأئمة مما يكشف بوضوح أن الأهداف واحدة لا تتغير بينما الوسائل تختلف باختلاف لحاظى.

وعلى هذا المنهج سار فقهاؤنا رضوان الله عليهم متمسكين بالثابت من الدين، بينما المتغير والذي تعد الوسائل جزءا منه فقد أبدوا فيه من المرونة ما يكفي لانسجامه مع الزمان والمكان، ومن ذلك الهيكل الحديث لإدارة الدول، فالهيكل الإداري الجمهوري لم يكن موجوداً في أزمنة الصدر الأول ولكنه مادام وسيلة يحق الحق ويحقق أهدافه فقد تبناه إمامنا الراحل الإمام الخميني رضوان الله عليه ودعا إليه وطبقه في بناء دولته المباركة.

  المصلحة والمبدئية:حينما ترتبط المصالح بالأفراد وعلى حساب القيم فلا شك في كونها من الأمور القبيحة والمذمومة شرعا وعقلا، أما إذا ارتبطت بالمبادئ والقيم ولعبت دور المحافظ عليها فلا شك أنها تكون حينئذ من الأمور الحميدة، وهذا يفسر لنا سكوت أمير المؤمنين  ( عليه السلام )على كل ما جرى له وتنازل الإمام الحسن ( عليه السلام  ) عن السلطة السياسية وعقد هدنة مع قادة الانفصال في الشام. ومن الواضح البين أن الموازنة بين الأمرين وتشخيص الموقف هو من صلب مهام القيادة نبياً أو إماماً أو فقيهاً، وعليه فلا يحق لأحد أن يتصدى لعملية التشخيص ويعمل بها استناداً على خاصية قومية أو عرقية أو إقليمية.

وربما تعرض تشخيص القائد إلى نقد أو عدم استيعاب من العامة أو حتى من الخاصة كالذي جرى للإمام الحسن ( عليه السلام ) حين خاطبه بعضهم بقولهم: (السلام عليك يا مذل المؤمنين )! أجابهم ( عليه السلام ) مستنكراً وموضحاً لهم المصلحة العليا التي من أجلها أقدم الإمام على الصلح، فقال( عليه السلام ) : (ما أنا بمذل المؤمنين ولكني معز المؤمنين، إني لما رأيتكم ليس بكم عليهم قوة سلمت الأمر لأبقى أنا وأنتم بين أظهرهم، كما عاب العالم السفينة لتبقى لأصحابها وكذلك نفسي وأنتم لنبقى بينهم ). 


من مشاهد يوم القيامة

في النص القرآني (الشهود)

الدكتور. حيدر عيدان ابو صيبع/ كلية الآداب

الشهود : هي من أهوال القيامة المروّعة ، لانّ العبد يجد نفسه أمام عدة شهود لا تُدحض حجّتهم ، ولا يكذّب قولهم ، فلا محيص له إلاّ الإقرار بالذنب والاعتراف بالخطيئة ، ويمكن تقسيم الشهود التي وردت في النص القرآني من خلال الايات التي تحدثت عن مشاهد يوم القيامة على الشكل الاتي:

 أ ـ الله سبحانه وتعالى : فهو تعالى محيط بكلّ شيءٍ علماً ، وعلى كلّ شيء شهيد، يشهد على العبد في خلواته ، ويعلم ما يكنّه ضميره ، وهو أقرب إليه من حبل الوريد ، قال تعالى : ( وَلأ تَعْمَلُونَ مِنْ عَمَلٍ إِلاَّ كُنَّا عَلَيْكُمْ شَهُوداً )(يونس 61) وقال سبحانه : ( مَا يَكُونُ مِن نَجْوَى ثَلأثَةٍ إِلاَّ هُوَ رَابِعُهُمْ وَلأ خَمْسَةٍ إِلاَّ هُوَ سَادِسُهُمْ وَلأ أَدْنَى مِن ذلِكَ وَلأ أَكْثَرَ إِلاَّ هُوَ مَعَهُمْ أَيْنَ مَا كَانُوا ثُمَّ يُنَبِّئُهُم بِمَا عَمِلُوا يَوْمَ الْقِيَامَةِ إِنَّ اللهَ بِكُلِّ شَيءٍ عَلِيمٌ )(المجادلة 7). 

 ب ـ الانبياء والأوصياء : دلّ الكتاب الكريم على أنّ الله سبحانه يستشهد كلّ نبي على اُمّته يوم القيامة ، ويستشهد نبينا صلى الله عليه وآله وسلم على اُمّته ، قال تعالى : ( فَكَيْفَ إِذَا جِئْنَا مِن كُلِّ أُمَّةٍ بِشَهِيدٍ وَجِئْنَا بِكَ عَلَى هؤُلأءِ شَهِيداً)(النساء41) وفي قوله تعالى : ( وَيَوْمَ نَبْعَثُ فِي كُلِّ أُمَّةٍ شَهِيداً عَلَيْهِم مِنْ أَنفُسِهِمْ وَجِئْنَا بِكَ شَهِيداً عَلَى هؤُلأءِ )(النحل 89) بيّن سبحانه أيضاً أنه يبعث في يوم القيامة من كلّ اُمّة شهيداً ، وهم الأنبياء والعدول من كلّ عصر ، يشهدون على الناس بأعمالهم .  ومن المعلوم أن الاُمّة كلّها لا تتصف بالخيار والعدل ، وكونهم شهداء على الناس ، فإنّ فيهم كثير ممن لا يخفى حاله ، فهذه الصفات إنما تكون باعتبار البعض ، والموجّه إليه الخطاب هو ذلك البعض.

وقد روى العياشي عن الإمام الصادق عليه السلام في قوله تعالى : ( وَكَذلِكَ جَعَلْنَاكُمْ أُمَّةً وَسَطاً لِتَكُونُوا شُهَدَاءَ عَلَى النَّاسِ وَيَكُونَ الرَّسُولُ عَلَيْكُمْ شَهِيداً )(البقرة 143) أنه قال : « فإنّ ظننت أنّ الله تعالى عنى بهذه الآية جميع أهل القبلة من الموحّدين ، أفترى أنّ من لا تجوز شهادته في الدنيا على صاعٍ من تمر ، يطلب الله شهادته يوم القيامة ، ويقبلها منه بحضرة جميع الأُمم الماضية ؟ كلا لم يعنِ الله مثل هذا من خلقه ، يعني الاُمّة التي وجبت لها دعوة إبراهيم عليه السلام ( كُنْتُمْ خَيْرَ أُمَّةٍ أُخْرِجَتْ لِلْنَّاسِ )(ال عمران110) وهم الاُمّة الوسطى ، وهم خير اُمّة اُخرجت للناس( )   وعن الإمام الباقر عليه السلام قال : « نحن الاُمّة الوسطى ، ونحن شهداء الله على خلقه ، وحججه في أرضه »( )  .

ج ـ الملائكة : جعل الله تعالى على الانسان حفظةً من الملائكة ، يصاحبونه ويسجّلون كلّ أعماله ، قال تعالى : ( إِذْ يَتَلَقَّى الْمُتَلَقِّيَانِ عَنِ الْيَـمِينِ وَعَنِ الشِّمَالِ قَعِيدٌ * مَا يَلْفِظُ مِن قَوْلٍ إِلاَّ لَدَيْهِ رَقِيبٌ عَتِيدٌ )(ق 17-18)وحينما يرد العبد صعيد الحساب تشهد عليه الملائكة بما عمل في الدنيا من خير أو شرّ ، قال تعالى : (وَنُفِخَ فِي الصُّورِ ذلِكَ يَوْمُ الْوَعِيدِ*وَجَاءَتْ كُلُّ نَفْسٍ مَعَهَا سَائِقٌ وَشَهِيدٌ)(ق20-21).

 دـ الاعضاء والجوارح : وفي بعض مواقف القيامة يختم الله تبارك وتعالى على أفواه البشر ، وتشهد أيديهم وجميع جوارحهم بما كانوا يعملون ، قال تعالى : (يَوْمَ تَشْهَدُ عَلَيْهِمْ أَلْسِنَتُهُمْ وَأَيْدِيهِمْ وَأَرْجُلُهُم بِمَا كَانُوا يَعْمَلُونَ )(النور24).  والمراد بالشهادة شهادة الأعضاء على السيئات والمعاصي بحسب ما يناسبها ، فما كان منها من قبيل الأقوال كالقذف والكذب والغيبة ونحوها ، شهدت عليه الألسنة ، وما كان منها من قبيل الأفعال كالسرقة والمشي للنميمة والسعاية وغيرها ، شهدت عليه بقية الأعضاء( ) وهكذا. 

هـ ـ صحائف الاعمال : ذكرنا أنّ أعمال الانسان وأقواله تضبط في صحف عند الحفظة من الملائكة ، قال تعالى : ( وَإِنَّ عَلَيْكُمْ لَحَافِظِينَ * كِرَاماً كَاتِبِينَ * يَعْلَمُونَ مَا تَفْعَلُونَ )(الانفطار10-12) وفي يوم القيامة تُنشَر صحف الأعمال ، فيخرج الله سبحانه لكلّ اُمّةٍ كتاباً ينطق بجميع أقوالهم وحقائق أفعالهم ، قال تعالى ( وَتَرَى كُلَّ أُمَّةٍ جَاثِيَةً كُلُّ أُمَّةٍ تُدْعَى إِلَى كِتَابِهَا الْيَوْمَ تُجْزَوْنَ مَا كُنتُمْ تَعْمَلُونَ * هذَا كِتَابُنَا يَنطِقُ عَلَيْكُم بِالْحَقِّ إِنَّا كُنَّا نَسْتَنسِخُ مَا كُنتُمْ تَعْمَلُونَ )(الجاثية 28-29) ويخرج لكلّ إنسانٍ كتاباً لا يغادر صغيرة ولا كبيرة إلاّ أحصاها ، ويجعل الله سبحانه الإنسان حسيب نفسه والحاكم عليها ، قال تعالى : ( وَكُلَّ إِنسَانٍ أَلْزَمْنَاهُ طَائِرَهُ فِي عُنُقِهِ وَنُخْرِجُ لَهُ يَوْمَ الْقِيَامَةِ كِتَاباً يَلْقَاهُ مَنشُوراً * اقْرَأْ كِتَابَكَ كَفَى بِنَفْسِكَ الْيَوْمَ عَلَيْكَ حَسِيباً )(الاسراء13-14). ويشفق المجرمون من الكافرين والمشركين مما في تلك الكتب من المتابعة والرصد الدقيق ( وَوُضِعَ الْكِتَابُ فَتَرَى الْمُـجْرِمِينَ مُشْفِقِينَ مِمَّا فِيهِ وَيَقُولُونَ يَاوَيْلَتَنَا مَالِ هذَا الْكِتَابِ لأ يُغَادِرُ صَغِيرَةً وَلأ كَبِيرَةً إِلاَّ أَحْصَاهَا )(الكهف49).

و ـ ظهور الاعمال وتجسيمها : قال تعالى : ( يَوْمَئِذٍ يَصْدُرُ النَّاسُ أَشْتَاتاً لِيُرَوْا أَعْمَالَهُمْ )(الزلزلة6) وقال تعالى : ( يَوْمَ تَجِدُ كُلُّ نَفْسٍ مَا عَمِلَتْ مِنْ خَيْرٍ مُحْضَراً وَمَا عَمِلَتْ مِن سُوءٍ تَوَدُّ لَوْ أَنَّ بَيْنَهَا وَبَيْنَهُ أَمَداً بَعِيداً )(ال عمران30) فالأعمال شهود على الإنسان في النشأة الآخرة ، لكن اختلف المفسرون في بيان طريقة إحضارها ، فبعضهم تأوّل ذلك بإحضار جزاء الأعمال من الثواب والعقاب ، أو بإحضار صحائف الأعمال وما فيها من الحسنات والسيئات ، بناءً على أن الأعمال أعراض ، والأعراض تنعدم  ، أو بظهورها عياناً ، لأنّ الإحضار يدلّ على أن الأعمال موجودة ومحفوظة عن البطلان ، لكنها غائبة عنا في هذا العالم ، ويحضرها الله تعالى لخلقه يوم القيامة ، ومن هنا قيل : بأن كتاب الأعمال يتضمن نفس الأعمال بحقائقها. وعليه فإن إظهار الأعمال بأعيانها يدلّ على أنّها تُحفَظ في العالم الخارجي بطريقة غيبية هي أقرب إلى التصوير فضلاً عن الحفظ والتدوين ، وتعرض على العبد يوم القيامة فيراها عياناً، بالكيفية التي يختارها الباري سبحانه.

 


وصف المنافقين في بعض آيات سورة البقرة

د. حسن الخاقاني/ كلية الاداب - جامعة الكوفة

النفاق: من المفاهيم التي جاء بها الإسلام , لم يكن من قبل مستعملا , كما استعمله الله في كتابه العزيز , وهو يعبر في مغزاه العام عمن يظهر وجها من القول أو الفعل ليخفي وجها أخر , وهذا المعنى قد لا يبدو قريب الصلة مع الأصل اللغوي المشتق منه , فسعة المعنى القرآني , واشتماله على بعض الصفات المعنوية يضائل الاستعمال اللغوي الأصل وهذا هو شان القران الكريم مع كثير من المفاهيم التي استحدثها وأعطاها إبعادا جديدة .والنفاق من صفات المجتمعات المدنية , ولذلك لم يظهر في طور الدعوة المكية , وإنما ظهر حينما عظمت شوكة المسلمين في المدينة المنورة , وقد خص الله المنافقين بسورة في كتابه , وجاء على ذكرهم في أماكن مختلفة من آياته وسوره , ولكن وقفتنا ستكون مع آيات سورة البقرة فيما يتعلق بغرض هذه المقالة.

لقد بدأت سورة البقرة ببيان ثلاث فئات من الناس وهم :

1.  المؤمنون : وقد خصهم الله بالآيات :( لم (1) ذَلِكَ الْكِتَابُ لاَ رَيْبَ فِيهِ هُدًى لِّلْمُتَّقِينَ (2) الَّذِينَ يُؤْمِنُونَ بِالْغَيْبِ وَيُقِيمُونَ الصَّلاةَ وَمِمَّا رَزَقْنَاهُمْ يُنفِقُونَ (3) والَّذِينَ يُؤْمِنُونَ بِمَا أُنزِلَ إِلَيْكَ وَمَا أُنزِلَ مِن قَبْلِكَ وَبِالآخِرَةِ هُمْ يُوقِنُونَ (4) أُوْلَـئِكَ عَلَى هُدًى مِّن رَّبِّهِمْ وَأُوْلَـئِكَ هُمُ الْمُفْلِحُونَ (5) وقوام وصفهم : الإيمان بالله والغيب وما انزل من قبل وبالآخرة , مسندا ذلك بإعمال منها : إقامة الصلاة والأنفاق في سبيله .

2.  الكافرون : وقد أوجز القول في صفتهم في الآيتين :( ِنَّ الَّذِينَ كَفَرُواْ سَوَاءٌ عَلَيْهِمْ أَأَنذَرْتَهُمْ أَمْ لَمْ تُنذِرْهُمْ لاَ يُؤْمِنُونَ (6) خَتَمَ اللّهُ عَلَى قُلُوبِهمْ وَعَلَى سَمْعِهِمْ وَعَلَى أَبْصَارِهِمْ غِشَاوَةٌ وَلَهُمْ عَذَابٌ عظِيمٌ (7), فأخرجهم من مجال الدعوة لغلبة الكفر عليهم وقد ختم الله على قلوبهم به .

3.  المنافقون : وهم مدار الحديث وقد فصل الله القول فيهم في الآيات : (َ {  مِنَ النَّاسِ مَن يَقُولُ آمَنَّا بِاللّهِ وَبِالْيَوْمِ الآخِرِ وَمَا هُم بِمُؤْمِنِينَ (8) خَادِعُونَ اللّهَ وَالَّذِينَ آمَنُوا وَمَا يَخْدَعُونَ إِلاَّ أَنفُسَهُم وَمَا يَشْعُرُونَ (9) ِفي قُلُوبِهِم مَّرَضٌ فَزَادَهُمُ اللّهُ مَرَضاً وَلَهُم عَذَابٌ أَلِيمٌ بِمَا كَانُوا يَكْذِبُونَ (10) وَإِذَا قِيلَ لَهُمْ لاَ تُفْسِدُواْ فِي الأَرْضِ قَالُواْ إِنَّمَا نَحْنُ مُصْلِحُونَ (11) أَلا إِنَّهُمْ هُمُ الْمُفْسِدُونَ وَلَـكِن لاَّ يَشْعُرُونَ (12) وَإِذَا قِيلَ لَهُمْ آمِنُواْ كَمَا آمَنَ النَّاسُ قَالُواْ أَنُؤْمِنُ كَمَا آمَنَ السُّفَهَاء أَلا إِنَّهُمْ هُمُ السُّفَهَاء وَلَـكِن لاَّ يَعْلَمُونَ (13) وَإِذَا لَقُواْ الَّذِينَ آمَنُواْ قَالُواْ آمَنَّا وَإِذَا خَلَوْاْ إِلَى شَيَاطِينِهِمْ قَالُواْ إِنَّا مَعَكْمْ إِنَّمَا نَحْنُ مُسْتَهْزِئُونَ (14) اللّهُ يَسْتَهْزِئُ بِهِمْ وَيَمُدُّهُمْ فِي طُغْيَانِهِمْ يَعْمَهُونَ (15) أُوْلَـئِكَ الَّذِينَ اشْتَرُوُاْ الضَّلاَلَةَ بِالْهُدَى فَمَا رَبِحَت تِّجَارَتُهُمْ وَمَا كَانُواْ مُهْتَدِينَ (16) مَثَلُهُمْ كَمَثَلِ الَّذِي اسْتَوْقَدَ نَاراً فَلَمَّا أَضَاءتْ مَا حَوْلَهُ ذَهَبَ اللّهُ بِنُورِهِمْ وَتَرَكَهُمْ فِي ظُلُمَاتٍ لاَّ يُبْصِرُونَ (17) صُمٌّ بُكْمٌ عُمْيٌ فَهُمْ لاَ يَرْجِعُونَ (18) أَوْ كَصَيِّبٍ مِّنَ السَّمَاءِ فِيهِ ظُلُمَاتٌ وَرَعْدٌ وَبَرْقٌ يَجْعَلُونَ أَصْابِعَهُمْ فِي آذَانِهِم مِّنَ الصَّوَاعِقِ حَذَرَ الْمَوْتِ واللّهُ مُحِيطٌ بِالْكافِرِينَ (19) يَكَادُ الْبَرْقُ يَخْطَفُ أَبْصَارَهُمْ كُلَّمَا أَضَاء لَهُم مَّشَوْاْ فِيهِ وَإِذَا أَظْلَمَ عَلَيْهِمْ قَامُواْ وَلَوْ شَاء اللّهُ لَذَهَبَ بِسَمْعِهِمْ وَأَبْصَارِهِمْ إِنَّ اللَّه عَلَى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ (20)  } ولو شئنا الموازنة العددية لرأينا البون الشاسع , ولذلك أسبابه , فالمؤمن ظاهر الإيمان في نفسه وعمله , مخلصا لله ورسوله لا يشك في أمره , والكافر قد جاهر بالعداء معلنا الحرب باليد واللسان من دون مواربة , أما المنافق فهو الذي يشكل أمره على الناس حين يظهر خلاف ما يبطن فتكاد صفاته تعمى على الناظر , وبها حاجة إلى البيان والتفصيل .نظرة في الآيات :بدأت الآية الأولى بـ (من) التي تفيد التبعيض ( ومن الناس من يقول أمنا بالله وباليوم الأخر وما هم بمؤمنين ) فقد جعل الله المنافقين فئة من الناس , ثالثة , بعد أن بين حال الفئتين السابقتين : المؤمنين والكافرين , فهؤلاء يدعون القول بالأيمان كالمؤمنين لكن الله ينفي عنهم ذلك نفيا قاطعا بقوله : وما هم بمؤمنين , ليفتح باب التردد بين أمري الأيمان وعدمه عندهم , وتلك الصفة سماها " خداع " مشتقة من الفعل " يخادعون " المسندة إلى واو الجماعة , ولكنه يعود عليهم من حيث لم يشعروا : ( وما يخدعون إلا أنفسهم وما يشعرون ) اما تشخيص هذا الفعل وبيان أسبابه فقد اختار الله له كلمة " مرض " بقوله : في قلوبهم مرض , أي علة كامنة في قلوبهم , وما داموا عليها مصرين فقد زادهم الله عليها عذاب الآخرة : ( فزادهم الله مرضا ولهم عذاب اليم بما كانوا يكذبون ) . لقد عد الله النفاق من بعض الفساد في الأرض , ولكن المنافقين لما فيهم من مرض يدعون فسادهم إصلاحا وهو من بعض الخداع الذي دأبوا عليه ولكن الله يفند دعواهم بقوله : ( إلا أنهم هم المفسدون ولكن لا يشعرون ) ويلحظ هنا نفي الشعور عن العمل وذلك لما يسيطر على نفس المنافق من قوة المرض الذي يريه السيئ صالحا حتى ليكاد يخدع نفسه بأمره ليسهل عليه خداع الناس من بعد ولذلك يشدد الله في بيان هذه الصفة تحذيرا من الانسياق وراءها إذ المنافقون يستهزؤون بالمؤمنين ويستجيبون لشياطينهم والله يقطع عليهم ذلك بقوله : ( الله يستهزئ بهم ويمدهم في طغيانهم يعمهون ) .

بعد أن فرغ الله من بيان صفة المنافقين وحذر المؤمنين من إخطارهم جاء بآيات فيها من الأمثال والحكمة ما يبين بالصورة التمثيلية أمرهم وذلك بدءا من الآية 16 ( أولئك الذين اشتروا الضلالة بالهدى فما ربحت تجارتهم وما كانوا مهتدين ) ليخرجهم من الهدى وينسبهم إلى الضلال مع أن الفعل مسند إليهم فهم الذين اشتروا , واستعمال اسم الإشارة للبعيد " أولئك " ليباعد بينهم وبين رحمته بعد أن حكم عليهم بالعذاب مؤكدا النفي مرتين مرة للفعل ومرة لنتيجته قاطعا بذلك كل شك في أمرهم .لقد رسم الله صورتين , فضلا عن ذلك , تؤكد هذا المعنى هما :

أ – صورة نارية وهي صورة : ( الذي استوقد نارا فلما أضاءت ما حوله ذهب الله بنورهم وتركهم في ظلمات لا يبصرون ) فهي صورة فنية واقعية لمن يعشي الضوء بصره فإذا اختفى عنه الضوء ظل كأنه في عمى لا يبصر شيئا وقد زاد الله على العمى قوله : ( صم بكم عمي فهم لا يرجعون ) ليمتد الأمر من الضوء المادي إلى نور الهادية الذي فارقه هؤلاء .

ب – صورة مائية أصلها صيب من السماء لكنها لا تخلو من النار ممثلة بالرعد والبرق والصواعق التي تصل حد الموت , وما اصغر الفعل الذي يقابل به المنافقون كل هذه الإخطار من حولهم فما زادوا إلا أن وضعوا أصابعهم في أذانهم كفعل النعامة إذ تدفن في التراب رأسها , ثم يفصل الله في الآية الأخرى صورة البرق وفعله فيجعله خاطفا للإبصار مفضيا إلى الظلمة بعد اللمح ليظهر تخبط أمرهم وضلالهم في ما هم فيه من النفاق ولا شك في أن جمع النار والماء في صعيد واحد من الصور التي ضربها الله مثلا لهؤلاء أنما هو تعبير فني عما ينطوون عليه من الازدواج في القول والفعل .تنتهي الآيات الواصفة للنفاق والمنافقين بانتهاء الآية العشرين ليعود الله إلى خطاب الناس بان يعبدوا الله ليصلوا إلى الإيمان والتقوى فكأنه يقول للناس لا تخدعوا بهؤلاء المخادعين المخدوعين واخلصوا لله أمركم لعلكم تتقون .

 

مجلة تعنى بشؤون القرآن الكريم تصدر عن مؤسسة الثقافة والاعلام لمنظمة بدر/دار القرآن الكريم المركزي              الرئيسية

      Design by:    internetbadr@yahoo.com