الرئيسية

 

القصة في القرآن

قصة نبي الله يونس (ع ) انموذجا

الباحث الاسلامي  / عبد اللطيف الحسيني

القران الكريم كتاب جاء لتهذيب الانسان والتاريخ البشري ، له دور مهم في تعليم وتربية الانسان في حركة حياته الفردية والاجتماعية ، ان الانسان يعيش التجربة والحوادث المتنوعة في هذه الحياة وما احسن ان يستفيد الانسان من تجارب الاخرين على مستوى العبرة والسلوك العملي لا ان يتمنى كما يقول بعض الشعراء ان يعيش ويحيى مرتين ويجعل احدى الحياتين لممارسة التجارب والثانية للاستفادة من تلكم التجارب الماضية ، يقول تبارك وتعالى في الاية (111) من سورة يوسف (لقد كان في قصصهم عبرة لاولي الالباب) ويشير ايضا في بداية سورة الحاقة الى قصص الانبياء والسابقين مع اقوامهم في قوله تعالى (وجاء فرعون ومن قبله والمؤتفكات بالخاطئة)من القصص القرانية التي لها تعلق بالبراء والابتلاء والدعاء وسائر الحقائق الكونية قصة يونس بن متي (عليه السلام) ، قال عز من قائل (فلولا كانت قرية امنت فنفعها ايمانها الا قوم يونس لما امنوا كشفنا عنهم عذاب الخزي في الحياة الدنيا ومتعناهم الى حين ).

تفسير الاية الكريمة ومفادها: قوله تعالى (فلولا كانت قرية امنت فنفعها ايمانها ) لولا بمعنى هلا وهي اداة استفهام وتستعمل على وجهين احداهما التحضيض الذي بمعنى التعريض على الشيء الحسن (والاخر) التأنيب الذي بمعنى العتاب واللوم على الشيء السيء كقولك في التحضيض هلا صدقت او نجوت او هلا تأتي زيداً لحاجتك فيقضها وفي التأنيب كقولك هلا امتنعت من الفساد فسلمت او هلا تركت الخمرة فصحوت والظاهر من السياق ان (لولا) هنا للتحضيض كما ينص على ذلك اكثر المفسرين وان المراد من قوله تعالى (آمنت) الايمان الاختياري الصحيح والمراد من القرية اهلها كما هو معلوم والمعنى هلا كانت قرية من هذه القرى السابقة التي جاءتهم رسلنا فكذبوهم آمنت قبل نزول العذاب ايماناً اختيارياً في الوقت الذي ينفعها ايمانها وهنا يكون تقدير الجواب لا ولم يؤمن الا قوم يونس لما امنوا كشفنا عنهم عذاب الخزي في الحياة الدنيا ومتعناهم الى حين أي الى حين اجالهم النهائية المسماة لهم عند الله عز وجل ومعنى هذا ان أجلهم الذي صرف عنهم بسبب ايمانهم لم يكن من الاجل المحتوم بل من الاجل المقضي والموقوف الذي يمحى ولا يكون له وجود بعد المحو على ما سبق في علم الله الازلي وعدم اثباته في اللوح المحفوظ وقيل ان المعنى لم يكن فيما خلا ان يؤمن اهل قرية باجمعهم بحيث لايشذ منهم احد الا قوم يونس فهلا كان اهل القرية امنوا كلهم هكذا فكلمة هلا تحضض على الايمان لاهل القرى الاخرى هذا مجمل التفسير للاية الكريمة واليك قصتهم مع نبيهم في القران والحديث .

قصتهم في القران الكريم :

اما القران فقد استعرض الله فيه قصة يونس مع قومه في عدة سور مثلاً في سورة يونس في الاية المبحوث عنها ((فلولا كانت قرية آمنت فنفعها ايمانها الا قوم يونس لما امنوا كشفنا عنهم عذاب الخزي في الحياة الدنيا ومتعناهم الى حين )) وفي سورة الانبياء قوله تعالى ((وذا النون اذ ذهب مغاضباً فظن ان لن نقدر عليه فنادى في الظلمات ان لا اله الا انت سبحانك اني كنت من الظالمين فاستجبنا له ونجيناه من الغم وكذلك ننجي المؤمنين)) وفي سورة الصافات بقوله تعالى ((وان يونس لمن المرسلين * اذ ابق الى الفلك المشحون *  فساهم فكان من المدحضين فالتقمه الحوت مليم فلولا انه كان من المسبحين للبث في بطنه الى يوم يبعثون فنبذناه بالعراء وهو سقيم وانبتنا عليه شجرة من يقطين وارسلناه الى مائة الف او يزيدون فآمنوا فمتعناهم الى حين )) وفي سورة القلم بقوله تعالى مخاطباً رسوله الكريم (صلى الله عليه واله) (فاصبر لحكم ربك ولا تكن كصاحب الحوت اذ نادى وهو مكظوم لولا ان تداركه نعمة من ربه لنبذ في العراء وهو مذموم فاجتباه ربه فجعله من الصالحين )) وخلاصة ما يستفاد من قصته مع قومه في مجموع هذه السور والايات ان يونس كان من رسل الله تعالى الى قومه وهم جمع كثير يزيدون على مائة الف وانه دعاهم الى الايمان بالله عز وجل والتوبة اليه فلم يجيبوه الا بالتكذيب والرد حتى ظهر بهم عذاب أوعدهم به على ما وعد الله من اتيانه في الوقت الموعود ثم خرج من بينهم قبل ان يظهر لهم اثر العذاب فلما اشرف عليهم اثره وشاهدوه مشاهدة عيان اجمعوا على الايمان بالله والتوبة اليه سبحانه من ذنوبهم وتمردهم ولذلك كشف الله عنهم العذاب الخزي لايمانهم وتوبتهم جميعاً فأبقاهم سالمين من العذاب وكان الله سبحانه قد اوعد يونس ان يأتيهم العذاب ولم يعده انه ينزل بهم ويهلكهم بالفعل فكان كما وعد وجاء العذاب ولم ينزل بهم هذا ما كان من شأن قومه معه ومع دعوته اما هو فقد استخبر عن ما بهم فوجد ان العذاب قد انكشف عنهم ولم ينزل بهم فلم يعيد اليهم بل ذهب لوجهه على ما به من الغضب والسخط عليهم بظنه انهم بعد لم يؤمنوا ولم يتوبوا من حيث كان الاولى له والحال هذا ان يرجع اليهم وان يتحقق عن سبب نزول العذاب والهلاك بهم ولكنه ترك هذا الاولى فكانت حاله حال من ابق من ربه ومولاه وظن بذهابه ذلك ان الله لن يقدر عليه أي لن يضيق عليه ويبتليه بما ابتلاه به ثم انه ركب البحر في الفلك المشحون فعرض لهم حوت عظيم لم يجدوا بداً من ان يلقوا اليه واحداً منهم يبتلعه وينجوا الفلك بذلك فما هموا وقارعوا ما بينهم فاصابت القرعة يونس (عليه السلام) فالقوه في البحر فابتلعه الحوت ونجت السفينة ثم ان الله سبحانه حفظه في بطن الحوت سوياً اياماً وليالياً وقد علم يونس عند ذلك انها بلية ابتلاه الله بها مؤاخذه بما فعل من ترك الاولى فجعل يناجي ربه وينادي في بطنه ((ان لا اله الا انت سبحانك اني كنت من الظالمين)) وقد نسب الظلم لنفسه في مناجاته لربه باعتبار انه ترك الاولى الذي كان يلزمه فعله وهو الرجوع الى قومه فاستجاب الله له وامر الحوت ان يلفظه فنبذه بالعراء وهو سقيم أي (مريض و عليل) فانبت الله سبحانه عليه شجرة من يقطين يستظل باوراقها حتى اذا استقامت حاله وصح بدنه ارسله الله تعالى الى قومه ثانية فلبوا دعوته وامنوا به فمتعهم الله الى حيث اجالهم النهائيه المثبته لهم في اللوح المحفوظ هذه قصتهم في القرأن االكريم .

قصتهم في الاخبار :

اما قصتهم فيما جاء في الاخبار فهي كثيرة واردة عن جماعة من الصحابة والتابعين وعن اهل البيت (عليهم السلام ) مما وردت عن قصتهم عن ابن عباس وسعيد بن جبير واسيد ووهب وغيرهم ان قوم يونس كانوا بنينوى من ارض الموصل وكانوا يعبدون الاصنام فبعث الله اليهم يونس حتى يدعوهم الى الاسلام ونبذ عبادة الاصنام فابوا وقد اقام فيهم يدعوهم الى الايمان بالله والتصديق به واتباعه ثلاثاً وثلاثين سنة على ما جاء في رواية عن الامام الباقر عليه السلام واخيراً اخبرهم عن العذاب مصبحهم بعد ثلاثة ايام ان لم يتوبوا فقالوا : انا لم نجرب عليه كذباً فانظروا فان بات فيكم تلك الليلة فليس بشيء وان لم يبيت فاعلموا ان العذاب مصبحكم فلما كان في جوف الليل خرج يونس من بينهم فلما اصبحوا جائهم العذاب وقد غشيهم . قال وهب :- اغامت السماء غيماً اسوداً هائلاً يدخن دخاناً شديداً وقد هبط عليهم حتى غشي مدينتهم واسودت سطوحهم وقال ابن عباس كان العذاب فوق رؤوسهم قدر ثلثي ميل فلما رأوا ذلك ايقنوا بالهلاك فطلبوا نبيهم فلم يجدوه فخرجوا على الصعيد بانفسهم ونسائهم وصبيانهم ودوابهم وقد لبسوا االمسوح واظهروا الايمان والتوبة واخلصوا لله النية وفرقوا بين كل والدة وولدها من الناس والانعام حتى علت اصواتهم بالبكاء واختلط حنين الناس بحنين الانعام وتضرعوا الى الله عز وجل وقالوا يا رب امنا بما جاء به يونس فرحمهم ربهم حين بدا منهم وشاهد صدق النية والتوبة واستحباب دعائهم وكشف عنهم العذاب بعدما اظلهم وقال عبد الله بن مسعود : بلغ من قرية اهل نينوى ان يردوا المظالم بينهم حتى كان الرجل ليأتي الى الحجر المغصوب وقد وضع عليه اساس بنيانه فيقتلعه ويرده الى صاحبه ، وعن ابي مخلد : لما غشيهم العذاب سعوا الى شيخ من بقية علمائهم فقالوا له : لقد نزل بنا العذاب فما ترى قال : قولوا يا حي حين لا حي ويا محيي الموتى ويا حي لا اله الا انت فقالوها صادقين بها فانكشف عنهم العذاب ومتعوا الى حين ومما ورد في قصتهم من طريق اهل البيت (عليهم السلام)  وما رواه القمي في تفسيره بسنده عن ابن أبي عمير عن جميل قال : قال لي ابو عبد (الله عليه السلام) ما رد الله العذاب عن قوم يونس وكان فيهم رجلان مؤمنان عابد وعالم وكان اسم احدهما وهو العابد مليغا وفي رواية اخرى اسمه تنوخا والاخر وهو العالم اسمه روبيل وكان العابد يشير الى يونس بالدعاء عليهم وكان العالم ينهاه ويقول لا تدع عليهم فقبل يونس قول العابد ولم يقبل قول العالم فدعا عليهم فاوحى الله تعالى اليه ان ياتيهم العذاب في سنة كذا و كذا في شهر كذا وكذا في يوم كذا وكذا فلما قرب الوقت خرج يونس من بينهم مع العابد فبقي العالم فيهم ولم يخرج فلما كان اليوم الموعود تنزل العذاب وبانت لهم اشارة فقال لهم العالم : يا قوم افزعوا الى الله لعله يرحمكم ويرد العذاب عنكم فقالوا كيف نصنع قال : اجتمعوا واخرجوا الى المغارة وفرقوا بين النساء و الأولاد وبين الابل واولادها وبين البقر و اولادها وبين الغنم و اولادها ثم ابكوا وادعوا وذهبوا وفعلوا ذلك وضجوا بالبكاء فرحمهم الله وصرف عنهم العذاب وفرقه على الجبال وقد كاد ينزل وقرب منهم . فاقبل يونس ينظر كيف اهلكهم الله فرأى الزارعين يزرعون ارضهم قال لهم : ما فعل قوم يونس فقالوا له ولم يعرفوه ان يونس دعا عليهم فاستجاب الله له وانزل عليهم العذاب فاجتمعوا وبكوا ودعوا فرحمهم الله وصرف ذلك عنهم وفرق العذاب على الجبال وهم الان يطلبون يونس ليؤمنوا به ومر على وجهه مغاضباً كما حكى الله حتى انتهى الى ساحل البحر فاذا سفينة قد شحنت وارادوا ان يدفعوها فسألهم يونس ان يحملوه فحملوه فلما توسطوا البحر بعث الله حوتاً عظيماً فحبس عليهم السفينة من قدامها فنظر يونس الى الحوت ففزع منه واسرع  الى مؤخرة السفينة فدار اليه الحوت وفتح فاه فخرج اهل السفينة فقالوا : فينا عاصي فتساهموا فخرج سهم يونس وهو قول الله عز وجل ((فساهم فكان من المدحضين)) فاخرجوه والقوه في البحر فالتقمه الحوت ومر به في المساء .  وقد سأل بعض اليهود امير المؤمنين (عليه السلام ) عن سجن طاف في  اقطار الارض بصاحبه فقال :- يا يهودي اما السجن الذي طاف في  اقطار الارض بصاحبه فانه الحوت الذي حبس يونس في بطنه فدخل في بحر القلزم ثم خرج الى بحر مصر ثم دخل الى بحر طبرستان ثم خرج ودخل في دجلة في العوراء والغوراء ثم مرت به تحت الارض الى ان قال (عليه السلام   ) فلما رأى يونس ذلك نادى في الظلمات ((ان لا اله الا انت سبحانك اني كنت من الظالمين)) فاستجاب الله وله وامر الحوت فلفظه على ساحل البحر وقد ذهب جلده ولحمه وانبت الله عليه شجرة من يقطين وهي الدباء أي الشجر الاحمر فاخلته من الشحب فشكر الله عز وجل على ذلك ثم امر الله الشجرة فتنحت عنه ووقعت الشمس عليه فجزع فاوحى الله اليه : يا يونس لم لم ترحم مائة الف او يزيدون ؟ وانت تجزع من الم ساعة فقال : عفوك عفوك فرد الله عليه بدنه ورجع الى قومه وامنوا به وهو قوله تعالى : ((فلولا كانت قرية امنت فنفعها ايمانها الا قوم يونس لما امنوا كشفنا عنهم عذاب الخزي في الحياة الدنيا ومتعناهم الى حين)) وفي رواية ابي الجارود عن ابي جعفر (عليه السلام) انه قال : لبث يونس في بطن الحوت ثلاث ايام ونادى في ظلمات وهي ظلمة بطن الحوت وظلمة الليل وظلمة البحر ((ان لا اله الا انت سبحانك اني كنت من الظالمين)) فاستجاب الله له فاخرجه الحوت الى الساحل .... الخ.نعم هذا هو البدء بمعنية الظهور والتغيير للجزاء فحين بدء الله نداء يونس في تلك الظلمات الثلاث بكل اخلاص مع الاعتراف على نفسه بالظلم الذي هو ترك الاولى استجاب الله له دعائه ونجاه من الغم واجتباه وجعله من الصالحين وحين بدا لله جزعه عن تنحي الشجرة منه ووقوع الشمس عليه اوحى اليه جل وعلا يا يونس لم لم ترحم مائة الف او يزيدون وانت تجزع من الم ساعة ؟ فقال عفوك عفوك فرد الله عليه صحته ورجع الى قومه وقومه حين تابوا الى الله توبه نصوحاً وتضرعوا اليه باخلاص وندم وبكاء ودعاء كشف عنهم عذاب الخزي ومتعهم بالبقاء الى حين اجالهم النهائية ولقد جاء في الحديث الذي نقله السيوطي في الدر المنثور عن ابن النجار عن عائشة انها قالت : قال رسول الله صلى الله عليه واله وسلم لا ينجى حذر من قدر وان الدعاء يدفع من البلاء وقد قال الله تعالى في كتابه (الا قوم يونس لما امنوا كشفنا عنهم عذاب الخزي في الحياة الدنيا ومتعناهم الى حين )) وروى الكليني في الكافي بسنده عن عمر بن يزيد قال : سمعت ابا الحسن (عليه السلام) يقول ان الدعاء يرد ما قد قدر وما لم يقدر قلت وما قدر عرفناه فما لم يقدر ؟ قال (عليه السلام ) حتى لا يكون وروى ايضاً عن ابن ابي حاتم  في السنة عن علي ابن ابي طالب (عليه السلام)  انه قال : ان الحذر لا يرد القدر وقوله (عليه السلام ): ما قد قدر أي ما كتب وقوعه في اللوح المحفوظ وقوله : ما لم يقدر أي ما يمحوه الله في اللوح المحفوظ والاثبات هو الذي لم يقدر وقوعه وكل من المقدر وقوعه وغير المقدر مسبوق العلم لله عز وجل ومن هنا روى العياشي في تفسيره والصدوق في علل الشرائع مسنداً عن ابي بصير انه قال : قلت لابي عبد الله (عليه السلام )لاي علة صرف الله عز وجل العذاب عن قوم يونس وقد اجلهم ولم يفعل كذلك بغيرهم من الامم فقال : لانه كان في علم الله عز وجل انه سيصرفه عنهم بتويتهم أي ان غيرهم من الامم ثم يتوبوا كتوبة قوم يونس وانما ترك اخبار يونس بذلك لانه عز وجل اراد ان يفرغه لعبادته في بطن الحوت فيتوجب بذلك ثوابه وكرامته .


الحبكة القصصية في القرآن الكريم

قصة يوسف (ع) انموذجا

عبد الكريم احمد المحمود/ استاذ كلية الفقه- قسم القرآن الكريم  

كون قصة يوسف (ع) أنموذجاً ممتازاً لدراسة القصص القرآني، إذ إنها جاءت في سورة خاصة تامة،  يمكن أن كاملة دون ان يتكرر ورودها في سورة أخرى بعكس ما جاء من قصص الأنبياء في القرآن ، اذ تكرر ورود القصة الواحدة في أكثر من سورة مع اختلاف المغزى والجهة التي يراد ابرازها من القصة . ولذلك لا يمكن ان نأخذ القصة كاملة بالاعتماد على سورة واحدة من القرآن الكريم إلاّ قصة يوسف التي نجد فيها مثالاً طيباً لدراسة الحبكة القصصية في القرآن ، تاركين دراسة العناصر الاخرى في هذه القصة إلى بحوث لاحقة .  يبدأ الصراع الخارجي في القصة بقول يعقوب (ع) لابنه يوسف :( يابنيّ لا تقصص رؤياك على اخوتك فيكيدوا لك كيداً ان الشيطان للانسان عدوّ مبين )،فهذا القول يكشف عن ان اخوة يوسف كانوا منطوين على الغيرة والحسد والكره ليوسف وهم – بهذه الاهواء النفسية –مستعدون لاستقبال ايحاءات الشيطان ووسوساته لهم بالكيد والمكر بيوسف حتى لوادى ذلك الى ارتكاب الحد الاقصى من الجريمة وهو القتل . وهم بهذه الخصال يمّثلون  قوة الشر بمقابل قوة الخير المتمثلة بنبيّ الله يعقوب وابنه الصدّيق عليهما السلام . ومن هنا يبدأ الصراع بين هاتين القوتين في القصة ، ثم يتنامى هذا الصراع ويتأزّم الموقف أكثر فاكثر بقولهم :( اقتلوا يوسف او اطرحوه ارضاً ) ، انه التحدي السافر للقيم الانسانية المنبثقة عن مشاعرالاخوة بالنسبة ليوسف ومشاعر البنوّة بالنسبة ليعقوب ، وهو تحدٍّ بعد ذلك لإرادة الله وتعاليم السماء في احترام تلك القيم والحفاظ على أصولها في عمق المشاعر الانسانية الحقة .

  ان هذا التحدّي المغذي للصراع في القصة ، يتفاقم ويتصاعد إلى مرحلة خطيرة حين يتحول من جانبه النفسي كوساوس وآراء نظرية عند أخوة يوسف ، إلى جانبه التطبيقي في الواقع الخارجي عندما ذهبوا بيوسف وألقوه في غيابة الجبّ . ولكن الصراع لاينتهي عن هذا الحدّ وان ظنّ اخوة يوسف بأنهم قد حسموا الموقف لصالحهم اذ تخلصوا من خصمهم وأبعدوه عن طريقهم إلى الابد ، فقد غابت عنهم حقيقة مهمة وهي ان هذا الطفل الصغير وراءه ارادة عظيمة هي ارادة الله الغالبة على المدى البعيد ، وان هذه الارادة ستجدد الصراع في جولات لاحقة حتى تصل به إلى نهايته المرسومة بانتصار قوة الخير وهزيمة قوى الشر . وهكذا يتنامى الصراع مرة اخرى وتتفرع عنه مواقف درامية تعزّز من حبكة القصة في صيرورتها لترصين الاعتقاد بالهيمنة الشاملة لارادة الله وغلبته على امره وهو يمدّ يد العون والانقاذ لذلك الانسان الطاهر الضعيف الذي تتقاذفه امواج الشرّ وتلقي به في أتون المصائب والآلام ، ويظل رغم ذلك مصراً على محالفة الخير والحق محسناً إلى الناس وإن اساءوا إليه . لنتصورْ، كمْ عانى يوسف عليه السلام وهو ذو النفس الطاهرة والضمير المتيقظ والمشاعرالمرهفة ، كم عانى من الآلام النفسية والجسدية وهو يبعد عن ابويه على يد اقرب الناس اليه وهم اخوته ، ثم وهو يلقى في غيابة الجبّ المظلم ،ثم وهو يباع في السوق بثمن بخس ، ثم وهو يراود عن نفسه من قبل انسانة احتضنته وربته وكان ينظر إليها بمثابة الأمّ التي فقدها ، ثم وهو يلقى في السجن دون ذنب إرتكبه ، ومع كل ذلك يظل هذا الانسان هو المحسن وهو المخلص وهو الصدّيق وهو المؤمن بالله وحكمه ، المتّبع لتعاليم الانبياء بصبر لاينفد وعزيمة لاتُقهر .   ان هذا التناقض بين قوى الخير وقوى الشر سواء على صعيد النفس الانسانية او على صعيد المجتمع ، هو مجال الصراع الاساس في هذه القصة ، وهذا الصراع الواسع يتضمن انواعاً متعددة ، منها صراع البطل يوسف (ع)  مع الشخصيات الاخرى في القصة كاخوته ، وامراة العزيز ونسوة المدينة ، وصراعه ضد الظروف والاحوال السيئة التي المّت به كإلقائه في الجب وبيعه رقيقاً وابعاده عن اهله ووطنه وادخاله السجن , وصراعه ضد نوازع الهوى في النفس الانسانية بكبح شهوة الانتقام ضد اخوته وشهوة الجنس مع امراة العزيز .   ان هذا الصراع المتنوع في قصة يوسف يمكن استخلاصه من المواقف الدرامية المتعددة التي حفلت بها القصة ، ومنها موقف الاخوة وهم يأتمرون بيوسف ليقتلوه او يبعدوه ، وموقفهم وهم يخادعون اباهم ويكذبون عليه ، وموقفهم وهم يلقون يوسف في غيابه الجب ، وموقفهم وهم يصطنعون البكاء والتفجّع على يوسف امام ابيهم ، ثم في موقف يعقوب وهو يصطدم بقسوة ابنائه واصرارهم على ايذائه وهو مع ذلك يلتزم الصبر والاستعانة بالله ، ثم في موقف يوسف وهو يباع رقيقاً بثمن بخس ، وموقفه مع امراة العزيز وهما في الخلوة وموقفه مع زوجها وقد اتهمته بالسوء , وموقفه وهويقاد إلى السجن دون ذنب , ثم في موقف امرأة العزيز وهي تعترف بذنبها وتقرّ ببراءة يوسف , ثم في موقف اخوة يوسف وهم يُتهمون بالسرقة وموقف ابيهم وقد خسر ابنه الثاني واستبدّ به الحزن والأسف على ولديه , وموقف يوسف وهو يكشف عن شخصه لاخوته ويفتح قلبه لقبولهم ومسامحتهم بعد كل ما فعلوه من سوء , وموقف يعقوب وهو يتلقى قميص يوسف بوجهه فيرتدّ بصيرا , وموقفه وهو يستغفر لابنائه بعد كل ما واجهوه به من عقوق , وموقفه وهو يرى ابنه يوسف منتصراً شامخاً بعد كل ما جابهه من محن .

إن كل هذه المواقف الدرامية تثير ألواناً من الصراع في نفوس الشخصيات , يتحدد كل لون منها بطبيعة الشخصية وأخلاقها وأهدافها . وإن كل هذه الالوان من الصراع في قصة يوسف تتوحّد في أنها صراع بين نوازع الخير ونوازع الشرّ في النفس البشرية , فحتى الصراع الخارجي بين الشخصيات يعود في عمقه وحقيقته إلى صراع داخلي بين تلك النوازع المتضاربة في النفس . اذ نلاحظ أن بعض الشخصيات التي كانت تّعدّ في معسكر الشرّ أصبحت تّعدّ في معسكر الخير بعد تغيّر في مواقفها ناتج عن تغيّر في نوازعها الداخلية كالشعور بالذنب والندم عليه والتراجع عنه ، مما يعني ان هذه الشخصية تصحو من غفوتها وتنحو منحى جديداً في سلوكها ، وهذا التغير في الموقف نشهده لدى امرأة العزيز وهي تعلن اعترافها بالذنب وبراءة يوسف واستغفارها المضمّن في قولها :( ان ربي غفور رحيم ) . ونشهد هذ التغير ايضاً في موقف اخوة يوسف وهم يعترفون بذنبهم امام ابيهم ويطلبون استغفاره لهم بقولهم :( ياابانا استغفر لنا ذنوبنا انا كنا خاطئين ) .ان هذا التبدل في موقف امراة العزيز واخوة يوسف يكشف عن تبدل في نوازعهم الداخلية بعد صراع تنتصر فيه قوة الخير على قوة الشر في نفوسهم.وبهذا يمكننا ان نقسّم الشخصيات في قصة يوسف إلى نوعين رئيسين هما: الشخصيات الثابتة ، وأبرزها يعقوب ويوسف ، والشخصيات القلقة المتغيرة وابرزها امرأة العزيز واخوة يوسف . ان الصراع في قصة يوسف يبلغ ذروته حين تظهر الشخصيات القلقة بمظهر المنتصر الظافر ، وتظل الشخصيات الثابتة – وعلى  الأخص شخصية يوسف – في حالة يكتنفها الغموض والابهام والترقب لما يأتي به الغيب . ثم تأتي نهاية الصراع وحل العقدة عندما ينكشف زيف الشخصيات القلقة وتراجعها عن مواقفها امام قوة البطل وثباته على موقفه الحق .   ان الحبكة في قصة يوسف تختلف عن الحبكة في قصة عادية يكتبها أحد القصّاصين , فما تعارف عليه كتّاب القصة من عقدة وصراع ناشيء عن العقدة وحلّ ناشيء عن الصراع لايلتزم به القرآن الكريم في هذه القصة ، فهو يضع هنا نوعاً جديداً من القصص هو أروع في اسلوبه مما تنتجه اقلام الفنانين رغم انه يتجاوز ماتعارفوا عليه من وحدات الزمان والمكان والمصادفة، إلا انه لايخلو من عنصر التشويق والمتعة بالإضافة إلى الفائدة والموعظة. 

 

مجلة تعنى بشؤون القرآن الكريم تصدر عن مؤسسة الثقافة والاعلام لمنظمة بدر/دار القرآن الكريم المركزي              الرئيسية

      Design by:    internetbadr@yahoo.com