|
البــلاغة فــــي القــــــرآن
رتبة
النسق في القرآن الكريم
الاستاذة
منى الشيخ/ ماجستير- جامعة بغداد
إن القرآن الكريم خطاب فصل يسمو على
الخطابات كافة , بحسن بيانه ودقة نظمه. ولعل من أهم الظواهر
الأسلوبية التي تميز بها الخطاب القرآني هي ظاهرة التقدم
والتأخير التي شغلت اللغويين والنحويين والبلاغيين على اختلاف
مشاربهم ومرجعياتهم الثقافية فتصدت أقلامهم للكشف عن هذه
الخصيصة التركيبية التي تنشأ من تغيير في العلاقات الداخلية
للمتتاليات النصية أو الوحدات الصغرى للجملة. فتعددت الآراء
حول هذه الخصيصة الأسلوبية بحسب المناهج المتخذة في هذا المنحى
بوصفها ظاهرة حيوية ومترامية الأطراف ومتشعبة الغصون . ولعل
ظاهرة ( رتبة النسق ) تعد إحدى معطياتها التي تدل على بيان
القرآن وإعجازه , لارتباطها بموقع الألفاظ القرآنية في النسق
الذي يعني لغة : ( ما كان على طريقة نظام واحد , عام في
الأشياء ويعني أيضا ما جاء من الكلام على نظام واحد . والعرب
تقول لطور الحبل إذا امتد مستويا : خذ هذا النسق أي سر على هذا
الطور , والكلام إذا عطفت بعضه على بعض , ويقال نسقت , بين
الشيئين وناسقت ( 1 ) أما النحويون فيصطلحون على حروف العطف
حروف النسق , وعطف النسق هو التابع المتوسط بينه وبين متبوعة
أحد حروف العطف وهي الواو , ثم الفاء , حتى , أم , أو ( 2 ) .
ويختلف عطف النسق عن غيره من التوابع بكونه منفصلا عن متبوعة
لفظا بحرف العطف ومعنى من حيث أن المعطوف في الأغلب غير
المعطوف عليه ( 3 ) .
إن هذه الدراسة القصيرة تستعرض لأهم
المدارس التفسيرية والبلاغية في رؤيتها لتلك الظاهرة
الأسلوبية المهمة في القرآن الكريم من زوايا مختلفة . وفي ظل
معطيات القراءة الأسلوبية وما توافر من مندوحة في استشراف النص
القرآني, ينبغي لهذه الدراسة أن تدلي برأيها في ضوء ما أنتج
من مظان مهمة في هذا الشأن . إن ما تتبعه الدراسة من منهج
يشابه إلى حد ما شرع فيه بع أصحاب النظر من المفسرين وأصحاب
الحديث , ولعل هذا المنهاج كان شرطا يجب أن يتخلى به أصحاب
التأويل. لابد من الإشارة الى أن قضية التقدم والتأخير – على
نحو عام – تعد من القضايا المهمة التي تدخل في حيز حقول
المعرفة اللغوية المُتنوعة. وقد حاول بعض البلاغيين المعاصرين
ربط هذه الظاهرة بنظرية معاصرة هي النظرية التحويلية التي
أطلقها ( نعوم تشو مسكي ) كما فعل الناقد الدكتور محمد عبد
المطلب في كتابه ( البلاغة العربية , قراءة أخرى ) (4 ) , وقد
كانت للدراسات القرآنية والتأويلية اثر بالغ الأهمية في تطور
هذه الظاهرة نحوياً وبلاغياً لما وجدته تلك الدراسات من حافز
أسلوبي للصياغة القرآنية ذي نزعه دلالية وجمالية في الآن نفسه.
وفي حدود ما وصل إلينا من نصوص مختصة بهذا الشأن يتجلى لدينا
اتجاهان رئيسيان :
الأول : الاتجاه الشكلي ( الجمالي ) في
النظر إلى النسق القرآني للتقديم والتأخير . إذ نظر أصحاب هذا
الاتجاه إليه من الوجهة الشكلية ( الموسيقية ) ولا سيما في ما
يتعلق بالفاصلة . إذ يجري تقدم بعض المفردات القرآنية على
بعضها على وفق نسق الفاصلة الذي يحكم في ورودها كما تقدم لفظة
( ( موسى ) على ( هارون ) في موضع وتأخير عنه موضع لمكان
السجع وتساوي مقاطع الكلام وهو اتجاه لا يولي الجانب لإعجازي
أهمية في ورودها على صور مختلفة . ويمتاز الاتجاه الآخر من
الأول بكونه ينظر إلى قضية التقدم والتأخر على نحو أكثر
اتزاناً بين الشكل والمعنى , لكنه يهمل الجانب الجمالي للنسق
القرآني ويؤكد هذا الاتجاه على المستوى المعنوي في التعبير
القرآني اظهاراً لإعجازه .ويتجلى هذا الاتجاه عند المتأخرون
من المفسرين الذين أيقنوا أن كتاب الله معجز لأنه نظم خارج عن
جميع وجود النظم المعتاد في كلام العرب , وأن البديع لا يُعد
من الوجوه التي يعلل بها الإعجاز . زيادة على أنه يرى أن ما
ذكره أصحاب الاتجاه الأول ( الشكلي ) بخصوص تقدم لفظة ( موسى
) على ( هارون ) في موضع وتأخيره عنه في موضع آخر لمكان السجع
وتساوي مقاطع الكلام ليس بصحيح ويعلل ذلك بقوله (( لأن الفائدة
عندنا غير ما ذكروه وهي إعادة ذكر القصة الواحدة بألفاظ
مختلفة تؤدي معنى واحداً من الأمر الصعب , الذي تظهر به
الفصاحة , وتتبين به البلاغة وأ عيد كثير من القصص في مواضع
كثيرة مختلفة على ترتيبات متفاوتة , ونبهوا بذلك على عجزهم عن
الإتيان بمثله مبتدأ به ومكررا , ولو كان فيهم تمكن من
المعارضة لقصدوا تلك القصة وعبروا عنها بألفاظ لهم تؤدي تلك
المعاني ونحوها . وجعلوها بإزاء ما جاء به , وتواصلوا بذلك
إلى تكذيبه ... فعلى هذا يكون المقصد بتقديم بعض الكلمات
وتأخيرها أظهار الإعجاز على الطريقين جميعا دون السجع الذي
توهموه ) (6 ) .
ولا يخفى أن هذا الرأي لايتفق مع جميع
الحيثيات . إذ أن النسق الجمالي ( الموسيقي ) له الأثر الواضح
في توجيه التقديم والتأخير , ناهيك عن المناخ الذي يحدثه الجرس
الموسيقي للفاصلة بانسجامه مع النسق المضموني المراد بثه
للمتلقي . ولعل ابن الأثير خير من تنبه إلى هذه الخصيصة
الأسلوبية -التي امتاز بها الخطاب القرآني من غيره من
الخطابات – وزاد في تفصيلها . إذ على الزمخشري صحاب تفسير (
الكشاف ) وعلى من حذا حذوه كالقرطبي في ( الجامع لأحكام القرآن
) فيما ذهبوا إليه من أن صورة تقديم المفعول به على فعله
المتمثلة بقوله تعالى : ( إياك نعبد , وإياك نستعين )
الفاتحة /4. تخرج عن كونها صورة للاختصاص في تقديم الأهم ( 7
) . فقد رأى ابن الأثير ( أن يستعمل على وجهين أحدهما الاختصاص
والآخر مراعاة نظم الكلام وذلك أن يكون نظمه لا يحسن إلا
بالتقدم وإذا أخر المقدم ذهب ذلك الحسن وهذا الوجه ابلغ واوكد
من الاختصاص ) ( 8 ) . وابن الأثير لا ينظر إلى الآية
الكريمة نظرة أحادية الجانب , بل يتعدها إلى النظر إلى غضون
السياق العام الذي يدخل في نسقه تنغيم الفاصلة القرآنية ,
ومراعاة بنيتها ونظمها . إذ يقول ( إلا ترى أنه تقدم قوله
تعالى( الحمد لله رب العالمين* الرحمن الرحيم* مالك يوم الدين
) فجاء بعد ذلك قوله تعالى : ( إياك نعبد وإياك نستعين ) ,
وذلك لمراعاة حسن النظم السجعي الذي هو حرف النون , ولو قال
نعبدك ونستعينك لذهبت تلك الطلاوة وزال ذلك الحسن ) ( 9) . ولا
يخفى أن هذا المنحى في النظر لم يك من بنات أفكار ابن الأثير ,
بل سبقه إليه جمع من أصحاب البيان , ولا سيما الناقد النحوي
البلاغي عبد القاهر الجرجاني ( 471هـ ) الذي جمع بين النظم
النحوي ( التركيبي ) والجمال الفني في بيان إعجاز القرآني
واستقراء مفاصله , إذ يرى أن القرآن الكريم اعجز العرب بـ (
مزايا ظهرت في نظمه وخصائص صادفوها في سياق لفظه , وبدائع
راعتهم من مبادئ آية ومقاطعها ومجاري ألفاظها ومواقعها ...
وبهرهم أنهم تأملوه سورة سورة, وعشراً عشراً وآية آية فلم
يجدوا في الجميع كلمة ينو بها مكانها , ولفظة ينكر شانها أو
يُرى أن غيرها أصلح هناك أو أشبه أو أحرى و اخلق نبل وجدوا
اتساقا بهر العقول واعجز الجمهور ) ( 10 ). وقد أتفق
على ما لنظرية النظم – التي أطلقها الجرجاني – من أهمية كبرى
في بيان ماهية الإعجاز القرآني , من معرفة للعلاقات الداخلية
بين الكلم في النص القرآني, وعلى الرغم من أن ابن الأثير لم
يُشير من قريب أو بعيد إلى منتج مصطلح ومفهوم ( النظم ) الأول
, لكنه وسع تطبيقات هذا المفهوم وأسبغ عليه نزعته الشكلية
الجمالية من خلال ربطه بظواهر شكلية تتدخل مع مفهوم نسق
البنية الكلية للنص القرآني . مما سبق ذكره نفقه أن علماء
النحو والبلاغة والمفسرين ظلوا مخلصين لمقدمتهم وهي الذود عن
القرآن وعما الحق به من حيف في كينونته الإعجازية , وبقدر ما
كانت أعمالهم لم يفتها الإخلاص , لم يفتها النص أيضا وهذا ديدن
الدراسات ولاسيما حين يكون محورها كتاب عميق لايدرك قعره مثل
القرآن الكريم . ومن بين هذا النقص عدم توسعهم في رصد وجوه
التقدم والتأخير ولا سيما في ما يخص رتب النسق في تقديم بعض
الألفاظ على غيرها مع صحة تقدم غيرها عليها في سياق آخر غير
السياق القرآني . أما في السياق القرآني فلا يصح تغيير موقعها
الذي وضعت له لاختلال النظم الذي هو أصل الإعجاز القرآني.
الهوامش
1- لسان العرب :أبن منظورج10ص و352 وإذا
كان الكلام مسجعا قيل له نسق , تاج ج7ص76.
2- ينظر :شرح ابن عقيل على الفية بن مالك
ج2ص224.
3- ينظر : شرح الرضي على الكافية :رضي
الدين الاستربادي ج2ص337.
4- البلاغة العربية قراءة أخرى :د . محمد
عبد المطلب الشركة المصرية العالمية- لونجمان 1997.
5- ينظر : المثل السائر : ج1/ص2.
6- إعجاز القرآن ص61.
7- ينظر الكشاف : ج1 ص2 والجامع القرآن
ج1ص145.
8- المثل السائر :ج2ص37.
9- المصدر السابق ج2ص37.
10- النكت في إعجاز القرآن: الرماني :ص107
ضمن كتاب : ثلاث رسائل في إعجاز القرآن تحقيق محمد خلف الله .
د محمد زغلول سلام ,القاهرة 1968.
دلالة الجرس والايقاع في المفردة القرآنية
م.م. خالد توفيق
تمتاز اللغة العربية بكونها لغة ذات طابع موسيقي نابع من
الانسجام الصوتي في الفاظها، اذ ان صيغ الالفاظ فيها عبارة عن
اوزان موسيقية ذات نغم ثابت(1).وعلى الرغم من هذا الطابع
الموسيقي العام في الفاظه العربية، فان بعضها يمتاز بجرسه
الموسيقي الخاص على مستوى الدلالة الصوتية، لان الجرس ((خصيصة
ذاتية محسوسة في بناء اللفظة من خلال تباين اجراس حروفها التي
بنيت عليها، وتشكل هذه الحروف في ائتلافها وتنافرها نغم
الالفاظ وقيمتها الحسية مفردة كانت او منظومة في سياق التعبير
الادبي)) (2) ومن هنا فقد استقلت بعض الفاظ العربية بصيغتها
الخاصة وطبيعة الاصوات التي تشكل بنيتها مما منحها صفة التفرد،
وأكسبها ذائقة سمعية تختلف عما سواها من الالفاظ التي تؤدي
المعنى نفسه، فكان ((لها استقلاليتها الصوتية، اما في الصدى
المؤثر، واما في البعد الصوتي الخاص واما بتكيف المعنى بزيادة
المبنى، واما باقبال العاطفة، واما بزيادة التوقع فهي حينا تصك
السمع، وحينا تهيء النفس، وحينا تضفي صيغة التأثر فزعا من شيء،
او توجيها لشيء، او طمعاً في شيء وهكذا)) (3).ولما كان القران
الكريم يعنى بالجرس والايقاع عنايته بالمعنى (4)، فقد ضم بين
دفتيه مجموعة من الالفاظ ذات الجرس الموسيقي المميز، الذي
ينسحب أثره على النص ويسهم في الكشف عن مكنونه الدلالي، وقد
جاء ذلك في اطار اهتمام القران بتخير ((الالفاظ تخيراً يقوم
على اساس من تحقيق الموسيقى المتسقة مع جو الآية وجو السياق،
بل جو السورة كلها في كثير من الاحيان، وبخاصة تلك السور
القصار التي حفل بها العهد المكي لتأكيدها أصول العقيدة
الاسلامية من الايمان بالله وتوحيده، والتصديق برسالة النبي
المبعوث (صلى الله عليه واله)، والبعث والنشور، والجنة والنار،
وما الى ذلك من موضوعات مهمة في بناء العقيدة الاسلامية)) (5).
ومن هنا جاءت اساليب الدعوة القرانية مشتملة على مجموعة من
الالفاظ التي تميزت بجرسها الموسيقي الذي اضفى ظلاله على النص
وأسهم في الكشف عن معناه.
وفي هذا المبحث سنحاول الالمام بما ورد من هذه الالفاظ في
اساليب الدعوة القرآنية، معتمدين في ذلك التدرج في هذه
الاساليب مع الكثافة العددية لهذه الالفاظ.ففي
سياق المثل القرآني وردت طائفة من الالفاظ ذات الجرس الموسيقي
المميز مثل لفظة (حُمِّلوا) الواردة في قوله تعالى: (مَثَلُ
الَّذِينَ حُمِّلُوا التَّوْرَاةَ ثُمَّ لَمْ يَحْمِلُوهَا
كَمَثَلِ الْحِمَارِ يَحْمِلُ أَسْفَاراً بِئْسَ مَثَلُ
الْقَوْمِ الَّذِينَ كَذَّبُوا بِآيَاتِ اللَّهِ وَاللَّهُ لَا
يَهْدِي الْقَوْمَ الظَّالِمِينَ) (6).يقرن النص القرآني في
هذا المثل حملة التوارة من اليهود الذين أنكروا صفة الرسول
محمد (صلى الله عليه وآله) التي بشرت بها التوراة – بحال
الحمار البليد الذي يحمل أثقالاً من الكتب، وهو لا يفقه ما
فيها من العلم، ويقاد الى حيث قدر له، ليس له الا الكد والتعب،
وغايته حمل الاثقال واشباع البطن، فجاء هذا التعبير الفني
متوائما والحال التي يرمي القرآن الكريم ايصالها الى المتلقي،
فهم أشبه بهذا المخلوق (7).
ومن اجل ذلك جاء النص القراني بلفظة (حُمِّلوا) لتكون المحور
الجامع بين الحمار والمنكرين من اليهود، انطلاقاً مما يقدمه
التآزر الوظيفي بين صيغتها المبنية للمجهول والانسجام الصوتي
في حروفها من جرس موسيقي يوحي بمعنى المماثلة بين
الطرفين.((فصيغة (حُمِّلوا) المبنية للمجهول، المضمومة الحاء
متلوة بالميم المكسورة المشددة ونحن ننطقها نحس جرساً شديداً
ونغماً ثقيلاً يشعران بأنهم قد حُمِّلوا التوراة عن ثقل في
ارواحهم وانفسهم، وان هذا الثقل متأت من ان الكتاب السماوي ينص
على ان محمداً (صلى الله عليه واله) خاتم الانبياء، وفي هذا –
من وجهة نظرهم – اغتصاب وهدر لمكانتهم الدينية التي يبغون من
ورائها تحقيق مآرب شخصية)) (8).وبهذا يكون الجرس الموسيقي الذي
تحمله لفظة (حُمِّلوا) قد أسهم اسهاماً فاعلاً في اجلاء المعنى
الذي ينطوي عليه المثل.
ومن الالفاظ ذات الجرس الموسيقي لفظة (متشاكسون) الواردة في
قوله تعالى : (ضَرَبَ اللَّهُ مَثَلاً رَّجُلاً فِيهِ شُرَكَاء
مُتَشَاكِسُونَ وَرَجُلاً سَلَماً لِّرَجُلٍ هَلْ
يَسْتَوِيَانِ مَثَلاً الْحَمْدُ لِلَّهِ بَلْ أَكْثَرُهُمْ
لَا يَعْلَمُونَ) (9).يصور المثل اعلاه مشهداً من مشاهد
المفارقة التامة بين صورتين من صور المجتمع الانساني القائم
على ثنائية السيادة والعبودية في العلاقات الرابطة بين أفراده،
وهذا التصوير ما هو الا انعكاس لواقع الكفر والايمان الذي
يعيشه المجتمع البشري في المراحل الاولى للدعوة الاسلامية، اذ
اتخذ النص القراني من العبد الذي يتنازعه أسياد كثيرون رمزاً
لحال المشرك الذي تتنازعه اهواء الضلالة تجاه مجموعة من
الاصنام والاوثان وهو لا يدري ايها يرضي وايها يترك. ثم اتخذ
النص من العبد المملوك لسيد واحد – يأتمر بأمره ويسعى الى
ارضائه – رمزاً للانسان المؤمن بالله تعالى وحده دون سواه.ومن
اجل ايضاح المفارقة بين الحالين عبر النص القرآني عن التنازع
بين السادة المشتركين في عبد واحد بلفظة (متشاكسون)، وهذه
اللفظة تعني في اللغة: المخاصمة والعناد والجدل في أخذ ورد
(10)، وكان من الممكن ان يستعمل القرآن لفظة أخرى تعبر عن هذه
المعاني كأن تكون لفظة (متجادلون) او (متخاصمون) غير انه ((لم
يستعملها حفاظاً على الدلالة الصوتية التي اعطت معنى النزاع
المستمر، والجدل القائم، وقد جمعت في هذه الكلمة حروف التفشي
والصفير في الشين والسين تعاقباً تتخللها الكاف في وسط الحلق،
والواو والنون للمد والترنم، والتأثر بالحالة فأعطت هذه الحروف
مجتمعة نغماً موسيقياً خاصاً حملها أكثر من معنى الخصومة
والجدل والقاش بما أكسبها أزيزاً في الاذن، يبلغ به السامع ان
الخصام ذو خصوصية بلغت درجة الفورة والعنف والفزع من جهة، كما
أحيط السمع بجرس مهموس معين ذي نبرات تؤثر في الحس والوجدان من
جهة اخرى)) (11) فكان الجرس الموسيقي الذي تحمله اللفظة سبباً
من أسباب اختيار النص القرآني لها من بين مرادفاتها، فقد أسهم
في بيان البعد المفارقي بين الحالين الممثل لهما واجلاء حقيقة
كل منهما.
ومن الالفاظ ما يعبر بجرسه عن الشدة والفزع انسجاماً مع ايقاع
الحدث الوارد في السياق، نحو لفظة (صيِّب) في قوله تعالى:
(أَوْ كَصَيِّبٍ مِّنَ السَّمَاءِ فِيهِ ظُلُمَاتٌ وَرَعْدٌ
وَبَرْقٌ يَجْعَلُونَ أَصْابِعَهُمْ فِي آذَانِهِم مِّنَ
الصَّوَاعِقِ حَذَرَ الْمَوْتِ واللّهُ مُحِيطٌ
بِالْكافِرِينَ) (12).يصف المثل القراني احوال المنافقين وما
هم عليه من المخاوف في ظل ما أحاط بهم من جو عاصف، لذا جاء
بلفظة (كَصَيِّبٍ) لما في جرسها الموسيقي من تناسب مع تلك
الاجواء المهولة، فالصيب يعني: المطر والسحاب (13). غير ان هذا
السحاب والمطر رافق حركته ونزوله اصوات واضطرابات ناتجة عما
يصاحبه من رعد وبرق، فشكل ذلك مشهداً عجيباً حافلاً بالحركة
والاضطراب، والهول والرعب، وفي هذا تصوير للحالة النفسية التي
هيمنت على المنافقين (14). وقد زاد الموقف شحنة من التهويل
اطلاق لفظة (صَيِّب) بدلاً عن السحاب والمطر، وذلك لما فيها
((من المبالغات من جهة المادة الاولى التي هي الصاد المستعلية،
والياء المشددة، والباء الشديدة. ومادة الثانية، أعني الصوب
المنبئ عن شدة الانسكاب، ومن جهة بناءه الدال على الثبات) (15)
فكان ايراد هذه اللفظة بدلاً عن السحاب والمطر أكثر ملاءمة
للمعنى المعبر عنه والجو الترهيبي الذي يسود النص.ومن الالفاظ
الاخرى المعبرة بجرسها عن الشدة والخوف لفظة (زلزلوا) في قوله
تعالى: (أَمْ حَسِبْتُمْ أَن تَدْخُلُواْ الْجَنَّةَ وَلَمَّا
يَأْتِكُم مَّثَلُ الَّذِينَ خَلَوْاْ مِن قَبْلِكُم
مَّسَّتْهُمُ الْبَأْسَاء وَالضَّرَّاء وَزُلْزِلُواْ حَتَّى
يَقُولَ الرَّسُولُ وَالَّذِينَ آمَنُواْ مَعَهُ مَتَى نَصْرُ
اللّهِ أَلا إِنَّ نَصْرَ اللّهِ قَرِيبٌ) (16).يتحدد المسار
الايقاعي للفظة (زلزلوا) في كونها لفظة ذات نسيج مقطعي متماثل
الاصوات، وقد نتج هذا التماثل عن التكرار في صوتي الزاي
واللام، مما منحها شحنة من التردد النغمي أسهم في محاكاة
معناها. فهي تعني: الاهتزاز والاضطراب في الارض (17)، غير انها
استعيرت في سياق المثل لتعبر عن الاحساس البشري بالشدة والخوف،
لانها من الحالات النفسية المرافقة للاهتزاز والاضطراب.واذا
علمنا بان حرف (الزاي) صوت مجهور ذو صفير استمراري (18)، فان
التقاءه بـ (اللام) المجهورة (19). يولد نغماً موسيقياً شديداً
من شأنه الايحاء بالحالة النفسية المضطربة، فاذا ما تكرر هذا
المقطع الصوتي فان الايحاء فيه يتضاعف في الدلالة على شدة
الانزعاج والاضطراب التي كان عليها الرسل ومن آمن معهم من جراء
ما أصابهم من الشدائد والمحن، وما جرى عليهم من تقتيل وتشريد.
ومن هنا شكل حضور لفظة (زلزلوا) في سياق المثل منحىً ايقاعياً
معبراً عن الوضع النفسي المضطرب الذي كان يعيشه الرسل
والمؤمنون بازاء تبليغهم للرسالات السماوية.
اما في سياق الحوار فقد وردت مجموعة من الالفاظ امتازت بجرسها
الموسيقي، مثل لفظة (إدّاركوا) في قوله تعالى: (فَمَنْ
أَظْلَمُ مِمَّنِ افْتَرَى عَلَى اللّهِ كَذِباً أَوْ كَذَّبَ
بِآيَاتِهِ أُوْلَـئِكَ يَنَالُهُمْ نَصِيبُهُم مِّنَ
الْكِتَابِ حَتَّى إِذَا جَاءتْهُمْ رُسُلُنَا
يَتَوَفَّوْنَهُمْ قَالُواْ أَيْنَ مَا كُنتُمْ تَدْعُونَ مِن
دُونِ اللّهِ قَالُواْ ضَلُّواْ عَنَّا وَشَهِدُواْ عَلَى
أَنفُسِهِمْ أَنَّهُمْ كَانُواْ كَافِرِينَ (37) قَالَ
ادْخُلُواْ فِي أُمَمٍ قَدْ خَلَتْ مِن قَبْلِكُم مِّن
الْجِنِّ وَالإِنسِ فِي النَّارِ كُلَّمَا دَخَلَتْ أُمَّةٌ
لَّعَنَتْ أُخْتَهَا حَتَّى إِذَا ادَّارَكُواْ فِيهَا
جَمِيعاً قَالَتْ أُخْرَاهُمْ لأُولاَهُمْ رَبَّنَا هَـؤُلاء
أَضَلُّونَا فَآتِهِمْ عَذَاباً ضِعْفاً مِّنَ النَّارِ قَالَ
لِكُلٍّ ضِعْفٌ وَلَـكِن لاَّ تَعْلَمُونَ (38)) (20).تضمنت
هذه الايات اخباراً عن مصير الكافرين في الاخرة، وقد وردت لفظة
(ادَّارَكُواْ) في سياق النص لتعطي مفهوماً واضح وأدق في
التعبير عن حال الكافرين وهم يزجون في النار، اذ عبرت بجرسها
عن معنى التلاحق والاجتماع في النار (21) فالاصل في صيغة
(ادَّارَكُواْ) هو تداركوا، فأدغمت (التاء) في (الدال) بعد
قلبها (دالاً) وتسكينها ثم المجيء بهمزة الوصل (22)، فأحدث ذلك
نغماً موسيقياً موحياً بالمعنى، فصوت (الدال) يناظر صوت
(التاء) من حيث المخرج والصفة الانفجارية، فكلاهما صوت اسناني
لثوي وكلاهما ذو وقفة انفجارية (23)، والفارق بينهما هو الجهر
في الاولى والهمس في الثانية (24)، فأدى الادغام بينهما الى
مضاعفة الجهر في صوت الدال نتيجة لتحوله الى صوت مضعف ثم
انفتاحه على الف المد مكرراً مما جعله المهيمن الاوضح في
المسار الايقاعي لاصوات اللفظة. ومن هنا كان الادغام هو
المرتكز الصوتي الاساس الذي اضفى على اللفظة جرساً موسيقياً
منحها صفة التفرد، بالنظر لما يحدثه من ثقل على اللسان يشعر
بثقل ما يلاقيه الكافرون من عذاب.ومن الالفاظ ذات الجرس
الموسيقي لفظة (قمطريرا) الواردة في سياق الحوار الداخلي الذي
تضمنته قصة الابرار، يقول تعالى: (إِنَّمَا نُطْعِمُكُمْ
لِوَجْهِ اللَّهِ لَا نُرِيدُ مِنكُمْ جَزَاء وَلَا شُكُوراً
(9) إِنَّا نَخَافُ مِن رَّبِّنَا يَوْماً عَبُوساً
قَمْطَرِيراً (10)) (25).لما كانت الغاية من هذا الحوار هي لفت
انتةباه السامع الى ضرورة ان يكون العمل خالصاً لوجه الله
تعالى (26)، فقد علل النص القراني هذه الضرورة بمخافة الله
تعالى والسعي الى تحصيل مرضاته، ومن اجل ذلك اورد في سياق النص
الفاظاً تعضد هذا المعنى وتعلله ومنها لفظة (قمطريرا) التي
جاءت صفة ثانية ليوم القيامة بعد لفظة (عبوسا)، فكان من شأنها
التعريف بذلك اليوم بعدما جيء به منكرا، اذ دلت بثقل اصواتها
على ثقل ذلك اليوم وطوله (27).فلفظة قمطريرا تعني: الشديد
(28)، ولعل هذا المعنى ظاهر في نطقها فهي ذات اصوات تمتاز
بالفخامة والشدة. (فالقاف) حرف قلقة ذو صوت مهموس انفجاري (29)
يتناسب وفخامة (الطاء) المهموسة الانفجارية (30)، لاسيما وان
(الميم) المجهورة واقعة بينهما ساكنة.فساعد ذلك في زيادة
وضوحهما في السمع، ثم تلا ذلك سلسلة من الجهر المتواصل بين
(الراء) المتكررة الجهر وانفتاحها على صوتي المد المجهورين
(الياء والالف) فأسهم ذلك في احداث تنوع ايقاعي متأرجح بين
الانخفاض والارتفاع ولعله نتج عن طول النسيج المقطعي وصفة
التوسط في صوت الراء بين الرخاوة والشدة (31)، فكان لهذا
التركيب الصوتي الذي تشكلت منه اللفظة اثر كبير في ايجاد ضرب
من المسار الايقاعي انسحب اثره على النص جميعه.
بهذا نجد ان الجرس الصوتي لم يأت اعتباطاً في النص القرآني
وانما جاء بحسب الدلالة المتوخاة منه فكل جرس يستعمله الله
تعالى في آية ما له رابط دلالي معين بتلك الاية ولذا تباينت
الاجراس على اساس تباين الدلالات منها ويبدو ان المسألة لا
تتعلق بالدلالة فحسب وانما تتعلق بالناحية الجمالية لنوع الجرس
المختار لهذه الاية دون سواه فانتقاء الصوت له اثر كبير في نفس
المتلقي على اساس تحسسه لطبيعة الصوت وما يتركه من فعل بالغ في
تصوره وروحه معاً.
الهوامش:
(1) ينظر: فقه اللغة وخصائص العربية: محمد مبارك: 280.
(2) جرس الالفاظ ودلالتها في البحث البلاغي والنقدي عند العرب:
170.
(3) الصوت اللغوي في القرآن: محمد حسين علي الصغير: 164.
(4) ينظر: الجرس والايقاع في تعبير القرآن: 335.
(5) م.ن: 335.
(6) الجمعة: 5.
(7)
ينظر: الكشاف: 4/531، والجمان في تشبيهات القرآن: 341.
(8) صفات بني اسرائيل في القرآن الكريم: 147.
(9) الزمر: 29.
(10)
القاموس المحيط: 1/711، والمعجم الوسيط: 1/490.
(11) الصوت اللغوي في القرآن: 167.
(12) البقرة: 19.
(13) ينظر: مفردات الفاظ القرآن: 495.
(14) ينظر: في ظلال القرآن: 1/46.
(15)ارشاد العقل السليم: 8/52-53.
(16) البقرة: 214.
(17) ينظر: غريب القرآن: 1/54، مفردات الفاظ القرآن: 382.
(18) ينظر: دراسة لاصوات اللغوي: 316.
(19) ينظر: م.ن: 324.
(20)الاعراف: 37-38.
(21) ينظر: التفسير الكبير: 14/61.
(22) ينظر: روح المعاني: 8/116، والبحر المحيط: 4/298.
(23)
ينظر: علم الاصوات: 250.
(24) ينظر: دراسة الصوت اللغوي: 316.
(25) الانسان: 10-11.
(26) ينظر: الاسلام والفن: 124.
(27) ينظر: المشاهد في القرآن الكريم: 484.
(28) ينظر: مفردات الفاظ القرآن: 684.
(29) ينظر: علم الاصوات: 276.
(30) ينظر: م.ن: 250.
(31) ينظر: علم الاصوات: 346.
|