|
الاعجاز في القرآن
الإعجاز اللفظي في القرآن
محمد مالك الفرطوسي/
باحث إسلامي
عرف القرآن الكريم اصطلاحاً في أغلب المصادر المعتبرة (1)على
أنه :( كلام الله المعجز، المنّزل وحياً على رسوله الكريم (ص)،
المنقول بالتواتر المكتوب بالمصاحف المتعبد بتلاوته). بنظرة
فاحصة للتعريف نجد أن الإعجاز هنا مقرن بكلام الله سبحانه
وتعالى..ترى كيف يكون الكلام معجز؟ والكل يعرف إن سكان الجزيرة
العربية كانت صناعتهم التي اشتهروا بها هي البيان فهم أهل
فصاحة وأسلوب حتى قيل أنهم عبدة بيان أكثر من أن يكونوا عبدة
أوثان ! بدليل انه قد يساء إلى أوثانهم ويقبلون بذلك لكنهم لن
يرضوا أبدا إن يساء إلى بيانهم. وهنا يمكن أن نستدل ببساطة
شديدة أن الله سبحانه وتعالى أراد أن يعجزهم في مهنتهم التي
أبدعوا فيها... إذا ما علمنا أن خير الإعجاز ما شابه فنون
العصر وأمثلة كثيرة تؤيد القول حيث نجد أن معجزة نبي الله
موسى(ع) السحر لأن قومه آنذاك اشتهروا بالسحر ونبي الله عيسى
(ع) كانت معجزته الطب لأن قومه كانوا ماهرين في هذا المجال
وهكذا كانت معجزات الأنبياء والرسل وصولاً إلى المعجزة الخالدة
(القرآن الكريم)حيث كانت معجزة الفصاحة والبلاغة والأسلوب
فكانت بحق باقية مادامت السماوات والأرض وما بقي الليل والنهار
وسر بقائها كونها تختلف بعض الشيء عن معجزات الرسل فإن موسى(ع)
كانت معجزته العصا ومنهجه التوراة، وعيسى(ع) كانت معجزته الطب
ومنهجه الإنجيل أما معجزة النبي محمد(صلى الله علية وآله وسلم)
كانت عين منهجه بمعنى أن القرآن كان هو المنهج وهو
المعجزة..وهذا هو سر البقاء والديمومة..فكان القران محفوظا
بالمعجزة ..والمعجزة بالقرآن.
وكان الله سبحانه قد اختبر الأقوام السابقة فلم يجد لديهم
القدرة على المحافظة على الكتب السماوية (وَمِنَ الَّذِينَ
قَالُواْ إِنَّا نَصَارَى أَخَذْنَا مِيثَاقَهُمْ فَنَسُواْ
حَظّاً مِّمَّا ذُكِّرُواْ بِهِ فَأَغْرَيْنَا بَيْنَهُمُ
الْعَدَاوَةَ وَالْبَغْضَاء إِلَى يَوْمِ
الْقِيَامَةِ)المائدة:14، وتعمد بعضهم كتمان ما جاء في الكتب ،
والبعض الأخر أضاف إليه من عنده ليضل به الناس(فَوَيْلٌ
لِّلَّذِينَ يَكْتُبُونَ الْكِتَابَ بِأَيْدِيهِمْ ثُمَّ
يَقُولُونَ هَـذَا مِنْ عِندِ اللّهِ لِيَشْتَرُواْ بِهِ
ثَمَناً قَلِيلاً فَوَيْلٌ لَّهُم مِّمَّا كَتَبَتْ
أَيْدِيهِمْ وَوَيْلٌ لَّهُمْ مِّمَّا يَكْسِبُونَ) البقرة :
79.
عليه فإن القرآن وإن كان كتاب علوم وتشريع فإنه في نفس الوقت
معجزة خالدة وهذه حقيقة يجب أن نضعها في عقولنا..ومن هنا كان
إعجازه لكل العصور..إعجاز لنا ولمن قبلنا ولمن بعدنا..حتى
تنتهي الدنيا.
فجاء القرآن الكريم من جنس ما نبغ به العرب فإن القوم الذين
كان فيهم محمد (صلى الله علية وآله وسلم) من قريش عرفوا
بالبلاغة والفصاحة وحسن الأداء وجمال المنطق وسلاسة التعبير،
لذا قالوا على محمد(صلى الله علية وآله وسلم) بأنه ساحر ونسوا
أن الساحر يمكن أن يسحر الجميع بسحره ويسلبهم الإرادة فلماذا
لم يسحرهم وهم سادة قريش وكبرائها ليكونوا معه؟.
ثم قالوا شاعر! وهم يعرفون قبل غيرهم أن محمد(صلى الله علية
وآله وسلم) لم يقل الشعر في حياته!، ومن كثرة تخبطهم قالوا
مجنون ! فكيف يكون المجنون صادقاً وأميناً وحسن العشرة وهذا
وصفهم له قبل البعثة الشريفة والمعروف أن المجنون ليس له
القدرة على السيطرة على تصرفاته وانفعالاته فهل كان محمد(صلى
الله علية وآله وسلم) كذلك؟.
إن الذي حدث أنهم كانوا تحت تأثير الصدمة فإن هولها ابهرهم
وأذهلهم وأخرجهم من وقارهم وثباتهم فأخذوا يتخبطون بالأقوال
والأفعال من هول ما سمعوا..كيف أن محمد (صلى الله علية وآله
وسلم) أعجزهم وهم ملوك البلاغة وسلاطين الفصاحة..وكيف يكون
الكلام معجزة لهم وهم أهل الكلام..فالزعيم عندهم إنما سمي
زعيماً كونه يزعم من القول (2) والأقيال قوم يسكنون اليمن إنما
لقبوا بالأقيال لأنهم أهل كلام وفي ظل ذلك تحدى الله سبحانه
وتعالى العرب بأن يأتوا بمثله ولو كان بعضهم لبعض ظهيراً كما
في قوله تعالى: ( أَمْ يَقُولُونَ افْتَرَاهُ قُلْ فَأْتُواْ
بِعَشْرِ سُوَرٍ مِّثْلِهِ مُفْتَرَيَاتٍ وَادْعُواْ مَنِ
اسْتَطَعْتُم مِّن دُونِ اللّهِ إِن كُنتُمْ صَادِقِينَ )هود :
13. ووصل التحدي إلى ابعد من ذلك حيث تحدى الله الإنس والجن
على أن يأتوا بمثله (قُل لَّئِنِ اجْتَمَعَتِ الإِنسُ
وَالْجِنُّ عَلَى أَن يَأْتُواْ بِمِثْلِ هَـذَا الْقُرْآنِ
لاَ يَأْتُونَ بِمِثْلِهِ وَلَوْ كَانَ بَعْضُهُمْ لِبَعْضٍ
ظَهِيراً ) الإسراء : 88.
معنى ان الله تحدى كل القوى التي لها القدرة على الاختيار التي
ميزها على غيرها بقدرة العقل والفكر والاختيار.. لذلك لم يتحدى
الله الملائكة كونهم يفعلون ما يأمرهم به الله سبحانه وتعالى
ولم يكن لهم خيار في ذلك لنعرض نموذجاً واحداً فقط من مجموع
مئات النماذج التي تثبت هذا التحدي وتحديداً التحدي اللفظي وهو
ما يسمى بالإعجاز اللفظي أو البلاغي . لا يخفى على احد إن أحرف
اللغة العربية مكونة من ثمانية وعشرون حرفاً يستطيع الإنسان أن
يكون عدداً كبير ومحدود من الكلمات من خلال توظيف تلك الحروف
لتعطي معاني عديدة فمهما بلغت تلك الكلمات المتشكلة من تلك
الحروف من الكثرة إلا أنها في نهاية الأمر محدودة ولها نهاية..
لذلك فإن أحاسيس الإنسان ومشاعره لا حدود لها لكنه يقف عاجزاً
عن التعبير عنها لحدودية الكلمات المتوفرة لديه فهو لا يستطيع
أن يعبر عن كل المشاعر والأحاسيس لذلك تراه يعبر عن الوجع
للألم مع اختلاف نوع هذا الألم فإنه يعبر عن وجع الرأس بالألم
عن وجع البطن بالألم ووجع الرجل بالأم مع ملاحظة تباين تلك
الآلام وشدتها لكنه تراه عاجز عن التعبير عن كل وجع بلفظ معين
حيث لا يملك أن يسميه ألماً. وكذلك فإنك عندما تشم رائحة وردة
بيضاء في حديقة ماء فإنك تقول أن رائحتها زكية وكذلك في الوردة
الحمراء تقول رائحتها زكية وفي الصفراء كذلك.. فنلحظ مع الفرق
في اللون والرائحة بين الورود فإن الإحساس بها واحد لأنك تعجز
عن التعبير بغير ذلك ترى كيف تعامل القرآن الكريم مع هذه
الحالة الله سبحانه وتعالى متحرر من جميع القيود فليس له حد
وكلامه غير محدود وأن كانت كلمات اللغة العربية محدودة (قُل
لَّوْ كَانَ الْبَحْرُ مِدَاداً لِّكَلِمَاتِ رَبِّي لَنَفِدَ
الْبَحْرُ قَبْلَ أَن تَنفَدَ كَلِمَاتُ رَبِّي وَلَوْ جِئْنَا
بِمِثْلِهِ مَدَداً )الكهف : 109. كانت معجزة القرآن الكريم
اللفظية بأنه استطاع أن يركب عدة كلمات ليستخلص منها كلمة
واحدة ذات معنى كما في كلمة (منقعر) التي جاءت في قوله تعالى
(تَنزِعُ النَّاسَ كَأَنَّهُمْ أَعْجَازُ نَخْلٍ مُّنقَعِرٍ
)القمر : 20.
ابحث في كل كتب اللغة وكل قواميس العربية فإنك لم تجد لهذه
اللفظة من أثر ولا معنى وهذا هو الإعجاز بعينه حيث يعجز كل ذي
لب أن يصور قوم عاد هذه الصور الكاريكاتيرية الساخرة بلفظة
واحدة حيث مزج الله سبحانه وتعالى كلمتين هما (منقلعة من
قعرها) لتصبح كلمة واحدة بهيئة (منقعر) فهل كان لأحد القدرة
والدراية للوصول إلى هذه المرتبة من التعبير؟ تحدى الله الجميع
وهل بمقدور احد أن يصور التثاقل والالتصاق بالأرض عند سماع
الأمر بالنفير في سبيل الله كما صورته الآية المباركة في سورة
التوبة (يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُواْ مَا لَكُمْ إِذَا
قِيلَ لَكُمُ انفِرُواْ فِي سَبِيلِ اللّهِ اثَّاقَلْتُمْ
إِلَى الأَرْضِ أَرَضِيتُم بِالْحَيَاةِ الدُّنْيَا مِنَ
الآخِرَةِ فَمَا مَتَاعُ الْحَيَاةِ الدُّنْيَا فِي الآخِرَةِ
إِلاَّ قَلِيلٌ )التوبة : 38 .
فتأمل عبارة (اثقاقلتم) وتفحصها جيداً فهل تجد في الكون كلمة
يمكن أن تكون مكانها لتعطي نفس المعنى.. وتعبر على شدة
الالتصاق في الأرض وعدم التمكن من النهوض من هنا كان عجز
الإنسان على العصور والدهور, نعم إن المعجزة كان المراد منها
إعجاز الناس والتسليم والطاعة لمن جاء بها وكان الدليل قاطع
على من ادع النبوة وانه مرسل من قبل السماء فالمعجزة على نوعين
حسية وعقلية فالحسية كانت معجزة للأقوام السابقة حيث إننا لم
نراها ولم نشهدها لذا لايمكن التصديق بها بسهولة ولا يمكن
الإيمان بها إلا من خلال النقل المتواتر الموثوق فلولا القرآن
لم نكن نعرف هذه المعجزات ومن جاء بها ومن شهدها فعصا موسى (ع)
شهدها جمعاً من الناس فمنهم من آمن ومنهم من كفر فكانت المعجزة
الحسية حجة عليهم وكذلك قوم عيسى (ع) عندما أعجزهم بالطب.
أما معجزة النبي(صلى الله علية وآله وسلم) فهي خالدة كونها
معجزة عقلية فهي لا تنتهي لمجرد أن يشهدها الناس كما في
المعجزة الحسية من هنا يمكن معرفة أن الله سبحانه وتعالى جعل
الإنسان في هذه الحقبة من الزمن قادر على تحمل مثل هذه
المعجزات لنمو عقله وتوسع مداركه المعرفية لذلك وصل الناس في
تلك الحقبة لمستوى يؤهلهم ليكونوا قادرين على حمل الأطروحة
الإلهية الخالدة المتمثلة في الدين الإسلامي الحديث ويكون خاتم
الأديان.
من هنا يمكن القول إن المعجزة العقلية بالإضافة إلى كونها دليل
نبوة النبي ودفع الناس لعبادة الله الواحد الأحد إلا إنها يمكن
أن تسعى أيضا لتطوير وتحفيز المجتمعات والأفراد حيث أراد الله
سبحانه وتعالى من خلال المعجزة إيصال الناس إلى اعلى مستوى من
الصناعة التي يشتهرون بها ويدخلهم في منافسة معه بمعنى إنها
كانت لتحريك العقول والتدبر في صنع الخالق مقابل ما كانوا
يصنعون.
الهوامش
1- علوم القرآن – شهيد المحراب ( محمد باقر الحكيم ) ص17.
2- مفردات غريب القرآن – الراغب الأصفهاني ص211.
|