|
العقائد
في القرآن
الإنسان
بين الخلق والبعث
محمد حسن الأنصاري/
باحث إسلامي
الإنسان ذلك المركب العجيب الذي حير
العقول في كل شي في حركاته وسكناته في مادته وروحه وأخذت
النظريات المتعددة المتضاربة يضرب بعضها البعض مرة بشدة وأخرى
بلين وتارة بين بين وبعد صراعات كثيرة ظهر أن الحق والصواب مع
من ذهب إلى أن الإنسان ذلك الممكن الذي وجد لا عن صرف مادة
ولاعن صدف كما يذهب إليه الطبيعيون والماديون للضرورة القاضية
بعدمها بل له موجد خالق مريد توحد بالخلق وهذا من البديهيات
التي جاءت مطابقة للفطرة البشرية ولا تقبل الجدل والحوار فركبه
الله تعالى من المادة التي خلقها من الطين فقال تعالى ((ولقد
خلقنا لانسان من سلالة من طين ))(1) وقال تعالى ((فانا خلقناكم
من تراب )) (2) ((هو الذي خلقكم من طين ثم قضى أجلاً وأجل مسمى
عنده ثم انتم تمترون )) (3) وكيف كان هذا الطين... ؟ انه
الصلصال.(ولقد خلقنا الإنسان من صلصال من حمأ مسنون ))(4)
فجعله نطفة في قرار مكين ..((قال له صاحبه وهو يحاوره أكفرت
بالذي خلقك من تراب ثم من نطفة ثم سواك رجلا )) (5) فالخلق
الأول من تراب وبعد ذلك من نطفة تلك التي جعلها في الارحام
جيلا بعد جيل ((خلق الانسان من نطفة فاذا هو خصيم مبين)) ( 6)
. ويأخذ القرآن الكريم بسرد المراحل الاولى للانسان ((ولقد
خلقنا الانسان من سلالة من طين ثم جعناه نطفة في قرار مكين ثم
خلقنا النطفة علقة فخلقنا العلقة مضغة فخلقنا المضغة عظاما
فكسونا العظام لحما ثم أنشأناه خلقا آخر فتبارك الله أحسن
الخالقين )) ( 7) فجعل فيه الروح ليصبح الإنسان مركبا من
المادة والروح التي يقول فيها تعالى : (( ويسألونك عن الروح قل
الروح من أمر ربي وما أوتيتم من العلم الا قليلاً )) (8) فما
هي اذن ماهية الروح وما هو أمرها لقد ذهب بعض العلماء الى أنها
طاقة تسير في هذا الجسد فتمنحه الحياة وهناك من قال غير ذلك في
تفسيرات مطولة وآراء متضاربة من أرادها فليراجع ( التفاسير )
لأننا لا نريد الخوض في ذلك بل نبقى في اطار القرآن الكريم
فقال عز من قائل : ((فاذا سويته ونفخت فيه من روحي )) (9) أي
جعلت فيه الروح ونلاحظ انه تعالى استعمل لفطة النفخ فيقال :
((نفخت الكرة )) أي وضعت فيها الهواء وقد ورد عن أبا عبدا لله
(ع) قال :( الروح التي في آدم (ع) في قوله تعالى(فإذا سويته
ونفخت فيه من روحي )) قال : ((هذه روح مخلوقة والروح التي في
عيسى مخلوق )) (10) وكذلك في رواية حمران قال : سألت أبي عبد
الله (ع) عن قول الله عزوجل ((وروح منه ))قال هي روح الله
مخلوقة خلقها الله في آدم وعيسى )) ( 11) وأيضا رواية محمد بن
مسلم قال : سألت أباجعفر (ع) عما يرون ان الله خلق آدم على
صورتة فقال هي صورة محدثه مخلوقة اصطفاها الله واختارها على
سائر الصور المختلفة فأضافها إلى نفسه كما أضاف الكعبة إلى
نفسه والروح إلى نفسه فقال ((بيتي ))(ونفخت فيه من روحي ))
(12) ورواية محمد بن مسلم تجمع هذه المعاني ففيه قال : ((سألت
أبا عبد الله (ع) عن قوله عزوجل ((ونفخت فيه من روحي )) كيف
هذا النفخ فقال : ان الروح متحرك كالريح وانما سمي روحا لانه
اشتق اسمه من الريح وإنما أضافه إلى نفسه لأنه اصطفاه على سائر
الأرواح كما قال لبيت من البيوت بيتي ورسول من
الرسل خليلي وأشباه ذلك وكل مخلوق مصنوع
محدث مربوب مدبر وأما ما هي حقيقة الروح؟ فعلمها بيده لا
يستطيع الإنسان أن يحيط بذلك ولعل الأمر راجع إلى أن المادة
العقلية لا تستطيع الإحاطة بالروح لأنها عملية ميكانيكية
والروح هي المحركة لذلك الجزء المادي فهي إذن أوسع دائرة فلا
يمكن على ذلك الإحاطة بها ومعرفة كنهها . هذا بالنسبة إلى
الروح وأما بالنسبة إلى الجسد المادي الصرف الذي أوجده الله
تعالى من العدم كما هو الأمر بالروح أوجدها بعد أن لم تكن..
ذلك التركيب الذي ركب بدقة متناهية بهرت العقول بصنعه من
عناصره الأولية فامتزجت بالروح فكانت ذلك الإنسان المفكر
المدبر العامل فهل يا ترى هذا الفكر المدبر والعمل للاشيء أم
لشيء ما ؟ القران الكريم نراه يخبرنا بأن الإنسان لايترك
سدى وان نتيجته الحتمية هي الحياة الأبدية التي خلق لها لا
للدنيا فكانت الآخرة هي حصاد الدنيا (( وما هذه الحياة الدنيا
إلا لهو ولعب وان الدار الآخرة لهي الحيوان لو كانوا يعلمون
))(13) فإذا كان كذلك فلابد من بقاء الإنسان بما هو إنسان ليصح
بأنه خلق للاخره ,وإلا إذا فني وتلاشى وذهب فما الفائدة
أذن..؟ اختلف العلماء والفلاسفة كما اتفقوا على بقاء الروح
وأنها لا تتغير وتبقى.. اختلفوا بالجسد المادي الصرف فمنهم من
ذهب إلى فنائه والروح هي التي تتنعم وتعذب , وقسم من قال بأن
الجسد يرجع إلى حالته الأولية وقسم قال غير ذلك (.. ونحن نقول
بأننا لانتعمق بهذه النظريات ولا نأخذ بالجدال معها, وأيها
المحق من الأخرى لانا ارتأينا عدم التطويل بل الاختصار فعلى
ذلك نبقى في إطار القرآن الكريم الذي هو كلام خالق الروح
والجسد يعطينا الصورة الحقة لذلك.. ) فلو أننا تصفحنا القرآن
الكريم واستطرقتا آياته البينات.. نراه تعالى يأخذ بأيدينا
ويدلنا على الصواب من أول لحظة من الخلق, كما ذكرت لك بعض
الآيات البينات في الخلق ثم يبين لنا مسيرة الحياة ((ياأيها
الناس إن كنتم في ريب من البعث فانا خلقنا كم من تراب ثم من
نطفة ثم من علقة ثم من مضغة مخلقة وغير مخلقة لنبين لكم ونقر
في الأرحام ما نشاء إلى أجل مسمى ثم نخرجكم طفلا ثم لتبلغوا
أشدكم ومنكم من يتوفي ومنكم يرد إلى أرذل العمر لكيلا يعلم من
بعد علم شيئا) (14) ((ياأيها الناس اتقوا ربكم الذي خلقكم من
نفس واحدة وخلق منها زوجها وبث منهما رجالا كثيرا ونساءاً )
(15) فكانت مسيرة الحياة وبعد هذه المسيرة تكون الإعادة إلى
الأرض التي وجد منها ((ثم يعيد كم فيها ويخرجكم إخراجا ))(
16) إذن هو الموت بعد الحياة والرجوع إلى التراب كما إن
النشوء من التراب وهذا الرجوع ياترى أفناء له.. ؟ أم تغيير من
حال إلى حال ..؟ لاشك ولا ريب بأن القرآن الكريم كما انه دقيق
في معانيه دقيق بألفاظه حتى لا يقع فيها التباس واخذ ورد..
فلو أننا نظرنا إلى الألفاظ التي استعملها القران الكريم في
هذا المجال لرأينا مدى الدقة المتناهية .. فنراه استعمل لفظة
((الخلق))عند الوجود الأول.. ونراه لم يستعمل ((الفناء))بعد
ذلك لان الفناء معناه الرجوع إلى العدم وإعادة المعدوم محال
لأنه وجود ثان غير الأول فيكون الواحد اثنين بينما استعمل
ألفاظ التحلل عند الموت ((قال من يحيي العظام وهي رميم قل
يحييها الذي أنشأها أول مرة وهو بكل شيء عليم )) ( 17) والنشوء
غير الإعادة .. فالنشوء للشيء الذي لم يكن ثم كان فأنشأه
إنشاء, لكن الإعادة هي للموجود المتفكك ((الله يبدأ الخلق ثم
يعيده ثم إليه ترجعون )) ( 18) فتجمع الأجزاء مع بعضها لترجع
إلى سيرتها الأولى وأرانا كيف يكون ذلك في قصة الرجل( الذي مر
على قرية وهي خاوية على عروشها قال أنى يحيي هذه الله بعد
موتها فأماته الله مائة عام ثم بعثه قال كم لبثت قال لبثت يوما
أو بعض يوم قال بل لبثت مائة عام فانظر إلى طعامك وشرابك لم
يتسنه وانظر إلى حمارك ولنجعلك آية للناس وانظر إلى العظام
كيف ننشزها ثم نكسوها لحما فلما تبين له قال أعلم أن الله على
كل شيء قدير )) (19) وهكذا وبهذه الطريقة يكون الجمع.
((أيحسب الإنسان ألن نجمع عظامه, بلى قادرين على أن نسوى
بنانه )) ( 20) .. نعم إن من أهم الأشياء الدقيقة في الإنسان
هو البنان وذلك لوجود الخطوط الدقيقة المتناهية في الدقة,والتي
تختلف من شخص لآخر مثل بها القران الكريم ليؤكد الرجوع والجمع
في يوم لا مفر منه ألا وهو يوم الجمع الأكبر ((ليجمعنكم إلى
يوم القيامة لا ريب فيه )) ( 21) ((فكيف إذا جمعناكم ليوم لا
ريب فيه ووفيت كل نفس ما كسبت وهم لا يظلمون )) (22) ((ونفخ في
الصور فجمعناهم جمعا )) (23) فيجمعون في ذلك الموقف بعد أن
يخرجون من الأجداث( يوم يخرجون من الأجداث سراعا كأنهم إلى نصب
يوفضون )) (24 ) ((وكذلك نخرج الموتى لعلكم تذكرون ))
فالمتمعن بهذه الآيات البينات يراها صارخة بحقيقة معينة ألا
وهي الخروج من الأجداث أي القبور وهذا مما يدل على أن الأجساد
تظهر بعد الجمع للواحد القهار فيكون بعث الجسد بحسب هذه الآيات
اللاحقة التي سوف نراها حقا لابد منه كما في لآيات التي وردت
فيها لفظة الحشر : (( وربك هو يحشرهم جميعا )) ((وهو الذي اليه
تحشرون )) (25) ((واتقـــوا الله الذي إليــه تحشــرون )) (
26) (ويوم نحشرهم جميعا )) ( 27) وخطابه للكافرين ((وتحشرون
إلى جهنم وبئس المهاد )) (28) (( ونحشرهم يوم القيامة على
وجوههم عميا وبكما وصما مأواهم جهنم كلما خبت زدناهم سعيرا ))
(29) وكذلك آية (9) من سورة الإسراء نراها تبين لسان حالهم
بقولها ((وقالوا اأذا كنا عظاما ورفاتا أانا لمبعوثون خلقا
جديدا ) . وأعطى الوعد بذلك .. ( وأقسموا بالله جهد أيمانهم لا
يبعث الله من يموت بلى وعدا عليه حقا ولكن أكثر الناس لا
يعلمون )) ( 30) . بل ويبين سبحانه وتعالى لهذه العقول
المحدودة مقدرته على البعث بمثال ملموس بالنسبة لها فيقول ((
والله الذي أرسل الرياح فتثير سحابا فسقناه إلى بلد ميت
,فأحيينا به الأرض بعد موتها كذلك النشور )) ( 31) . وهاك
الحوار بين أجزاء البدن الذي صوره الله تعالى لنا من خلال لآية
المباركة ..((حتى إذا ما جاء وها شهد عليهم سمعهم وأبصارهم
وجلودهم بما كانوا يعملون وقالوا لجلودهم لم شهدتم علينا قالوا
أنطقنا الله الذي أنطق كل شيء وهو خلقكم أول مرة واليه ترجعون
)) (32) . فهل ياترى نريد بيانا أوضح من هذا البيان أم نحتاج
إلى دليل أدل منه على الحشر الجسدي فيكون على هذا رجوع بعد
الموت.. الرجوع أيضا لا يناسب الفناء التام ((إن إلى ربك
الرجعى )) (33) . (( كيف تكفرون بالله وكنتم أمواتا فأحياكم ثم
يميتكم ثم يحييكم ثم اليه ترجعون)) (34) . وهذا الرجوع هو
البعث ((ولئن قلت أنكم مبعوثون من بعد الموت ليقولن الذين
كفروا إن هذا الاسحر مبين )) ( 35) . وقوله عزوجل (وأقسموا
بالله جهد أيمانهم لا يبعث الله من يموت بلى وعدا عليه حقا
ولكن أكثر الناس لا يعلمون )) ( 36). فيكون الانباء والأخبار
بما يعملون في هذه الحياة ليأخذ كل ذي حق حقه قول عز من قائل
((... ثم إلي مرجعكم فأنبئكم بما كنتم تعلمون )) ( 37) . فهذا
هو الحساب الحق وهذا يومه الموعود فالسعيد هو الذي يأخذ كتابة
بيمينه والشقي يأخذ كتابه بشماله ((والذين آمنوا وعملوا
الصالحات سندخلهم جنات تجري من تحتها الأنهار )) (( وأدخل
الذين آمنوا عملوا الصالحات جنات تجري من تحتها الأنهار خالدين
فيها بإذن ربهم تحيتهم فيها سلام )) (38). والكافرين من الجن
والإنس (مأواهم جهنم كلما خبت زدناهم سعيرا)) (39).(فوربك
لنحشرهم والشياطين ثم لنحضرهم حول جهنم جثيا)) (40) فهذا هو
الحشر الجسدي الذي لابد منه وما ينطق به القران الكريم على
لسان سيد الأولين والآخرين محمد بن عبد الله (صلى الله عليه
واله ) فنخرج بحصيلة لا تقبل الجدل من أن الجسد لا يفنى الفناء
التام ليصح الرجوع بل يتحلل إلى أجزاء وجزيئات متفرقة ويأخذ
دورات ودورات في مسيرة الحياة ((فانظر إلى آثار رحمة ربك كيف
يحيي الأرض بعد موتها إن ذلك لمحيي الموتى وهو على كل شيء قدير
) ( 41 ) .
التحدي
الفطري في القرآن الكريم
علي كامل/باحث
إسلامي
اهتم القرآن الكريم بالحياة
البشرية باعتبارها المجتمع المتكون من شبكة العلاقات السلوكية
المبنية على الدين كمنهج في تسييرها , من ثم إصباغها بصبغتها
الشرعية.. فبا لإسناد عن أبي عبد الله الصادق (عليه السلام )
في معنى قوله تعالى ( صبغة الله ومن أحسن من الله صبغة )
البقرة/138. قال : هي الإسلام . بينما أصل تلك الصبغة أو ذلك
الإسلام هو الفطرة التي جُبلت عليها أواصر العلاقات الاجتماعية
الدينية.يقول سبحانه وتعالى : ( فأقم وجهك للدين حيفاً فطرة
الله التي فطر الناس عليها لاتبديل لخلق الله ذلك الدين القيم
ولكن أكثر الناس لايعلمون ) الروم/30.
ومن
مضامين هذه الآية استشعار الهي نحو مفردة ( الدين ) مرتين : (
وجهك للدين ) و (ذلك الدين القيم )... وتقع الفطرة بينهما ,
إيذانا بان الدين يحكم الفطرة ابتداءً وانتهاءً ... وكذلك
هناك مفردة ( الناس ) فقد ذكرت مرتان إيعازا بان النوع
الإنساني مشمول في هذه الآية ... وذلك كله بفعالية علمية
عملية لاتناهض بآية شرعية إنسانية كما افرزها ذيل الآية (
ولكن أكثر الناس لايعلمون ). وقطعاً فان قليلاً من الناس
يعلمون مدى صيغة تلك الفطرة ومدى عنفوانها ). في الشرعية
الإسلامية كأسبقية في الولوج إلى المسيرة الإنسانية. وإذا
تدبرنا آيات الفطرة في القرآن الكريم نجد انه هناك تلازم
بين الفطرة الإنسانية وبين فطرة السماوات والارضين الكونية
... أي إن الكونية تمهيد لشرعة الإنسان في تقويم الحياة
واستقامتها .. كما في قوله تعالى (إني وجهت وجهي للذي فطر
السموات والأرض حنيفاً وما أنا من المشركين) (الأنعام 79).
فالحنفية جمعت في الآيتين السابقتين :(فأقم وجهك للدين حنيفاً
فطرة الله )و(فطر السموات والأرض حنيفاً)بين الفطرة الإنسانية
والفطرة الكونية للوصول الىتقويم الحياة من خلا ل استقامة
الدين والشريعة. ويستند الدين الإسلامي في صياغة الشبكة
الاجتماعية الإنسانية إلى بديهة المعجزة التي صاغها القرآن
الكريم .. أي أن الدين الإسلامي يقول: كما إن القرآن الكريم
معجزة الكون الإنساني ,فلا بد أن يصار إلى معجزة الشبكة
الاجتماعية التي عليها الحياة لأنه ( لاتبديل لخلق الله )لا في
المعجزة القرآنية ولا في المعجزة الاجتماعية، فالمعجزة
القرآنية التي حكى عنها القرآن الكريم ذاته بعدة آيات بينات,
فقد كان بمجمله تحدٍ واضح لعلماء العربية في الجاهلية الذين
يملكون كل فنون الأدب والبلاغة ,وجاء ذلك التحدي من مطلقية
المعرفة المخزونة في آيا ت القرآن الكريم , والتي تجتمع فيها
جميع المعارف التي يجهلها العلماء ضمن البيئة التي تقو لبوا
بقالبها .
وجاء
التحدي من القرآن الكريم على شكل مراحل متتابعة وفقاً لمستويات
العقل العلمي أو العربي لتلكم العلماء المقصودين من جهة
,ولفنون الأدب التي يحملونها من جهة أخرى . فالتحدي الأول كان
بإتيان أولئك بعشر سور مثل القران حتى لو كانت مفتريات – على
حد زعمهم – وهو ما نادت به الآية (أم يقولون افتراه قل فاتوا
بعشر سور مثله مفتريات وادعوا من استطعتم من دون الله إن كنتم
صادقين )( هود 13) وهو تحدٍ من دون الله قطعاً لأنه سبحانه
تحداهم بذات الافتراء الذي نعتوه به0ثم جاء التحدي الثاني أدنى
قوة من سابقه ,وذلك بان يأتوا بسورة واحدة مفتراة كما يزعمون
,وهو قوله تعالى : (وان كنتم في ريب مما نزلنا على عبدنا فا
توا بسورة من مثله وادعوا شهداءكم من دون الله إن كنتم صادقين
) البقرة 23/ 000وقوله تعالى (أم يقولون افتراه قل فا توا
بسورة مثله وادعوا من استطعتم من دون الله إن كنتم صادقين )
يونس 38/ .
ومن
الأدلة التي ظهرت في الآيات السابقات إنها انتهت بجملة (إن
كنتم صادقين ) في دعواهم إن هذا القرآن مفترى وهو نوع من أنواع
الاستهزاء بالعقل الجاهلي الذي يتعامى عن المعجزة البلاغية
للرسول الأعظم (صلى الله عليه واله ) فالله سبحانه يريد أن
يقول لهم إن كان ما يقوله القرآن كذبا فاتوا بمثله كذباً إن
كنتم صادقين في كذبكم 0000تامل!! وجاء التحدي الثالث أدنى قوة
من سابقه وهي الإتيان ببضع آيات حتى ولو كن َمفتريات فما
استطاع الكافرون أن يأتوا حتى بهذا القسم المتواضع من التحدي
000فما كان التحدي القرآني إذن إلا اندهاش ألجم ذهنيتهم في
التوقف عن الإتيان حتى بآية واحدة فقط .
فقد روى
هشام بن الحكم (رض) (1)انه قال :اجتمع أربعة نفر وهم مشاهير
البلغاء وكبار الزنادقة وأعاظم الدهرية ,وهؤلاء هم عبد الكريم
بن أبي العوجاء ,وأبو شاكر الديصاني, وعبد الله بن المقفع ,
وعبد الملك البصري في بيت الله الحرام وخاضوا في الحج ومناسكه
ونبي الإسلام ومعجزته وما جاء به من فصاحة القرآن وبلاغته ثم
استقرت آرائهم على معارضة القرآن الذي هو أساس الدين ومحوره
ليسقط اعتباره بمعارضتهم إياه , فتعهد كل واحد منهم أن ينقض
ربعاً منه إلى السنة الآتية , فتفرقوا , ولما اجتمعوا في الحج
القادم تساءلوا عما فعلوا , فاعتذر ابن أبي العوجاء : إن آية (
لو كان فيهما آلهة إلا الله لفسدتا ) أدهشته فشغلته بلاغتها
وحجتها البالغة عن التفكير.
واعتذر
أبو شاكر الديصاني بان آية (ياأيها الناس ضُرب مثل فاستمعوا له
إن الذين تدعون من دون الله لن يخلقوا ذباباً ولو اجتمعوا له
وان يسلبهم الذباب شيئاً لايستنقذوه منه ضعف الطلب والمطلوب )
(الحج 73/) أدهشته فشاغلته عن عمله , وقال ابن المقفع :
أدهشتني آية (وقيل ياأرض ابلعي ماءك ويا سماء اقلعي وغيض الماء
وقضي الأمر واستوت على الجودي وقيل بعداً للقوم الظالمين
)(هود44) فا شغلتني عن التفكير في غيرها. وقال عبد الملك
البصري :أدهشتني آية (فلما استيأسوا منه خلصوا نجياً)(يوسف80)
فا شغلتني بلاغتها الموجزة عن الفكرة في معارضتها .
قال
هشام: وإذا بابي عبد الله الصادق (عليه السلام ) يمر عليهم
قائلاً وهو يومئ إليهم (قل لئن اجتمعت الإنس والجن على أن
يأتوا بمثل هذا القرآن لايأتون بمثله ولو كان بعضهم لبعضٍ
ظهيراً)(الإسراء/ 88) .واشتهر تاريخياً أن قريشاً لما نزل قوله
تعالى (وقيل ياأرض ابلعي ماءك ويا سماء اقلعي وغيض الماء وقضي
الأمر واستوت على الجودي وقيل بعداً للقوم الظالمين )(هود /44)
بادروا إلى القصائد السبع المعلقات حول الكعبة فانزلوها
ومزقوها خجلاً,وهي التي تعد من أنفس وأجود ماجادت به قريحة
شعراء الجاهلية .ولا نريد أن نقفز على أدلة التحدي التي ذكرها
القرآن الكريم 000فهو يستوقفنا على تحدٍ آخر يستتبع التحدي
القرآني السابق ,هو التمثل في جميع آيات القرآن الكريم 00بمعنى
أن القرآن الكريم تحدى الملأ على أن يأتوا بمثله في جميع
جوانبه , ومن ضمن تلك الجوانب السلوك الاجتماعي 00فان العالم
بأسره لم يستطع أن يأتي ببرنامج سلوكي يضاهي السلوك القرآني.
يقول الإمام علي (ع) في نهج البلاغة : (إن هذا القرآن هو
الناصح الذي لايغش , والهادي الذي لايضل , والمحدث الذي لايكذب
, وما جالس هذا القرآن احد إلا قام عنه بزيادة أو نقصان ,
زيادة في هدى أو نقصان من عمى,فاستشفوا من أدوائكم , فان فيه
شفاء من اكبر الداء , فاسألوا الله به وتوجهوا إليه بحبه )0 وقد
قال بعض علماء الانكليز وهو أستاذ يدرس الآداب العربية , عندما
سألوه عن إعجاز القرآن قال : إن للقرآن أخاً صغيراً يسمى نهج
البلاغة فهل في إمكان احد أن يأتي بمثل هذا الأخ الصغير حتى
يسوغ لنا البحث عن الأخ الكبير.
|