الرئيسية

 

فواتح السور في القرآن الكريم

شهيد المحراب ( خلد الله منهجه)

من الموضوعات القرآنية التي تناولها الباحثون هي فواتح السور, ونعني بفواتح السور تلك الحروف المقطعه الموجودة في فاتحة بعض السور القرآنية وتزداد أهمية هذا الموضوع عندما نلاحظ ما اثير حوله من مشاكل وشبهات قد تؤدي الى الشبهة في القرآن الكريم نفسه . وسوف يعالج هذا البحث تفسير هذه الظاهرة في القرآن الكريم ومن خلال ذلك نعرف الجواب الاجمالي على الشبهات التي اثيرت حول هذا الموضوع ونترك معالجة الشبهات حولها تفصيلا الى بحث قرآني أخر.وقد جاءت هذه الحروف المقطعة في سورمتعددة من القرآن وعلى أشكال مختلفة:
منها ما هو ذو حرف واحد مثل:
( ص وَالْقُرْآنِ ذِي الذِّكْرِ ) و( ق وَالْقُرْآنِ الْمَجِيدِ) و(ن وَالْقَلَمِ وَمَا يَسْطُرُونَ)
ومنها ما هو ذو حرفين مثل :
( طه، مَا أَنزَلْنَا عَلَيْكَ الْقُرْآنَ لِتَشْقَى) (طه2 ) ,
( يس، وَالْقُرْآنِ الْحَكِيمِ) و (حم، تَنزِيلُ الْكِتَابِ مِنَ اللَّهِ الْعَزِيزِ الْحَكِيمِ)
ومنها ما هو ذو ثلاثة حروف أو أكثر مثل ( الم ) او ( المص ) و( المر...) و( كهيعص) و ( حم * عسق. )وحين نأتي لمعالجة هذه الظاهرة في القرآن الكريم لانجد العرب قد عرفوا الاسلوب عند افتتاح كلامهم كما أننا لانجد لهذه الحروف معنى بازائها غير مسمياتها من الحروف الهجائيه. ولم يؤثر عن الرسول( صلى الله عليه واله) شيء صحيح في تفسير هذه الحروف بل يكاد لايؤثر عنه شيء في ذلك مطلقاً (الإ النزر القليل ) ليكون هو القول الفصل فيها ولعل هذا هو السبب في تعدد اراء العلماء واختلاف وجهات النظر فيما بينهم بصدد تفسير هذه الحروف الأمر الذي زاد من غموض هذه الظاهرة . وهناك اتجاهان رئيسيان في تفسير هذه الحروف.
الاتجاه الاول :
هو الذي يرى ان هذه الحروف من الأشياء التي استأثر الله سبحانه بعلمها ولذا فليس من الممكن لأحد أن يصل الى معرفة المراد منها ويؤيد هذا الاتجاه ما روي عن عدد من الصحابة والتابعين من ان الفواتح سر القرآن وأنها سر الله فلا تطلبوه، وذهب إليه كثير من العلماء والمحققين كما جاء ذلك أيضاً في بعض الروايات عن طريق أهل البيت عليهم السلام.
والاتجاه الثاني :
هو الذي يرى أنه ليس في القرآن الكريم شيء غير مفهوم لنا او غير معروف لدى العلماء والمحققين وذلك انطلاقاً من حقيقة أن الله سبحانه وتعالى وصف القران الكريم بصفات متعددة لاتتفق مع هذا الخفاء والاستتار فهو جاء ( بلسان عربي مبين ) الشعراء/195. كما أنه نزل ( تبيانا لكل شيء ) النحل /89. وهدى للناس وغير ذلك، وحين يكون القرآن بهذه الصفة لايمكن إلا أن يكون مفهوماً للناس وواضحاً لهم . وقد نسب هذا الاتجاه الى المتكلمين من علماء الاسلام (1)
وعلى أساس هذا الاتجاه نجد كثيراً من العلماء يحاولون تفسير هذه الحروف المقطعة ، الأمر الذي استلزم تعدد مذاهبهم في ذلك وقد ذكر الشيخ الطوسي مذاهب مختلفة في تفسير هذه الحروف وعد الفخر الرازي واحداً وعشرين تفسيراً وسوف نقتصرعلى ذكر المهم منها فضلاً عن أن بعضها يمكن إرجاعه الى البعض الاخر.

مذاهب تفسير فواتح السور
المذهب الاول :
مانسب الى ابن عباس من أن هذه الحروف ترمز الى بعض اسماء الله وصفاته وأفعاله فقد روى عنه في ( ألم )، ( أنا الله أعلم )، وفي( المر)، ( انا الله اعلم وأرى) (1 ) .الى غير ذلك . ويؤيده ما روي عن معاويه بن قرة عن النبي (صلى الله عليه واله) من أنها حروف من اسماء الله ) ( 2 ) .
الثاني :
انها اسماء للقرآن الكريم كالكتاب والفرقان والذكر، والى هذا المذهب صار جماعة من التابعين كقتادة ومجاهد وابن جريج والكلبي والسدي ( 3)ويناقش هذان المذهبان بأنهما لايستندان الى دليل علمي او قرينة معتمدة، وانما هما من الرجم بالغيب فلامناسبات الظروف الموضوعية ولامناسبات الكلام اللغوية هي التي تشير الى هذا المعنى، وحالهما حال كل تفسير أو فرضية أخرى يمكن أن تذكر في هذا المجال شريطة أن لا تتنافى مع بديهيات العقيدة القرآنية.
الثالث:
أن هذه الحروف مقتطعة من أسماء لها دلالة معينة بحسب الواقع وهي مجهولة لنا معلومة للنبي (صلى الله عليه واله)، ويؤيد ذلك أن هذه الطريقة كانت معروفة لدى بعض العرب في مخاطباتهم وأحاديثهم وقد روي ذلك عن ابن عباس وابن مسعود وجماعة من الصحابة (4)
كما أن ما ذهب إليه الطبري وروي عن ابن أنس يكاد يتفق مع هذا المذهب أيضاً، وهذا المذهب قريب الى المذهب الاول الذي روى عن ابن عباس أيضاً .
ويمكن أن يناقش هذا المذهب بنفس مناقشتنا للمذهبين السابقين.
الرابع:
انها اسماء للسور التي جاءت فيها، ( الم ) اسم لسورة البقرة و(كهيعص) اسم لسورة مريم و(ن) اسم لسورة القلم وهكذا ...وقد اختارهذا الري أكثر المتكلمين وجماعة من اللغويين ( 1.) واستحسنه الشيخ الطوسي كما رجحه الطبرسي ودافع عنه بعد ان أوردَ عليه بعض الشبهات (2) كما اختاره أيضاً الشيخ محمد عبده ( 3).وتحمس الفخر الرازي في تأييده وأطنب في بيان الشبهات التي أوردوها عليه ونقضها (4 )
وأهم ما اورد عليه الشبهتان التاليتان .
الشبهه الاولى :
أن الاسم انما يوضع للتمييز بين المسميات، وهذا لايتفق مع تسمية عدة سور باسم واحد كما حدث في البقرة وال عمران، فأنه ورد في اولهما ( الم ) وحدث في السجدة وغافر وفصلت فأنه في اولها ( حم)
الشبهه الثانيه :
أن الاسم لابد ان يكون غير المسمى في الوقت الذي قام الاجماع على أن هذه الحروف جزء من السور التي جاءت فيها .
وقد اجاب الشيخ الطوسي عن الشبهة الاولى : بأنه لا مانع من تسمية عدة أشياء باسم واحد مع التمييز بينهما بعلامة مميزة، وقد وقع هذا في الاعلام الشخصيةُ كثيراً .كما أجاب عن الشبهة الثانية بأنه لامانع من تسمية الشيء ببعض ما فيه، كما حدث في تسمية سورة البقرة وال عمران والأعراف من السور.

ولكن مع كل هذا- قد يلاحظ على هذا الرأي :أن الحروف تقرأ مقطعة بذكر اسمائها (ألف-لام- ميم ) لا مسمياتها *، وهذا لايتناسب ان تكون أسماء للسور- وإلا لكانت قراءتها بمسمياتها كما هي مكتوبة ، وهذه الكيفية من القراءة تتناسب أن تكون الحروف مقصودة في نفسها بالذكر الا أنها أسماء لأشياء اخرى وقد اشار الزمخشري : ( 1) الى هذه الملاحظة ولكن بصياغة اخرى ثم ردها .
فقد قال الزمخشري : فان قلت فما بالها مكتوبة في المصحف على صورة الحروف أنفسها لاعلى صور أساميها؟
قلت : لأن الكلمة لما كانت مركبة من ذوات الحروف واستمرت العادة حتى تهجيت، وحتى قيل للكاتب اكتب كيت وكيت أن يلفظ بالأسماء وتقع في الكتابة الحروف أنفسها عمل على تلك الشاكله المألوفة في كتابة الفواتح( 2)
وهذا الرد الذي ذكره الزمخشري يؤكد ملاحظتنا- بصيغتها الصحيحة - في أن الكيفية من النطق تعني أن الحروف هي المقصودة بذاتها لا أن المقصود الاشارة الى السور المسماة بهذا الحروف- والإ لنطقت الحروف بنفسها لا باسمائها- ولذا نرى صحة في الملاحظة بهذه الصيغة.
الخامس:
أن هذه الحروف إنما جيء بها ليفتتح بها القرآن الكريم وليعلم بها ابتداء السورة وانقضاء ما قبلها، وقد اختار هذا الرأي البلخي وروي عن مجاهد أيضاً- وذكر له الشيخ الطوسي بعض الأمثلة من استعمالات العرب (3). ويؤيده قول أحمد بن يحيى بن ثعلب:إن العرب إذا استأنفت كلاماً فمن شأنهم أن يأتوا بشىء غير الكلام الذي يريدون استئنافه فيجعلونه تنبيهاً للمخاطبين على قطع الكلام الأول واستئناف الكلام الجديد ( 4). قد يلاحظ على هذا الرأي عدم شمول هذه الطريقة لجميع سور القرآن الكريم ويبقى الاختصاص حينئذ سراً نحتاج إلى إيضاحه والكشف عنه. نعم قد يقال : إن هذه الطريقة انما كانت الحاجة اليها موجودة في السور الطوال التي كانت تنزل تدريجياً وليس في جميع سور القرآن الكريم، حيث كان بعضها ينزل دفعة واحدة كما في السور القصار . ولكن الملاحظة الأساسية الأخرى على هذا الرأي هي أن البسملة يمكن أن تقوم بهذا الدور في تمييز الانتهاء من السور والشروع بالسور الاُخرى - حيث وردت الأحاديث التي تؤكد ان البسملة كان لها دورفي تمييز انقضاء السورة من ابتدائها (5)
السادس :
أنها أسماء للحروف الهجائية المعروفة. وإنما جيء بها تنبيهاً للناس على أن القرآن الكريم الذي عجزوا عن مسايرته والاتيان بمثله ليس الامؤلفاً من هذه الحروف ومركباً منها فلم يكن التحدي به لأنه يحتوي على مادة غريبة عنهم وإنما كان بشىء مركب من هذه الحروف التي يتكلمون ويتحادثون بها ، وقد عجز عن الاتيان بمثله أهل الفصاحة والبلاغة . وقد ذهب المبرد وجمع كبيرمن المحققين الى هذا المذهب .
وقد يناقش هذا المذهب بأن مجرد ذكر الحروف في أول السورة بهذا الشكل المتقطع لايكفي في ايضاح هذه الحقيقة - وقد لايشعر الناس بذلك فلايحقق حينئذ القرآن هدفه من ذكرها - الا إذا كانت القرائن الخارجية والحالية التي تحيط الكلام لها دور في الافهام وتحقيق هذا الهدف - وهذا ما لايمكن أن نعرفه من نفس هذه الحروف. وقد كان من الممكن أن يصل القرآن إلى ذلك عن طريق إيضاح الفكرة ببيان قضية عامة تستوعب هذا المضمون وتشرحه . فالفكرة التي يتبناها هذا المذهب وان كانت صحيحة ولكنها تحتاج الى إبراز القرائن الحالية التي كانت تؤدي دور الافهام.

السابع:
أن هذه الحروف انما جاءت في اول السور ليفتح القرآن اسماع المشركين الذين تواصوا بعدم الانصات اليه - كما أشار القرآن الكريم الى ذلك في قوله تعالى - على لسانهم -
(َ َقَالَ الَّذِينَ كَفَرُوا لَا تَسْمَعُوا لِهَذَا الْقُرْآنِ وَالْغَوْا فِيهِ لَعَلَّكُمْ تَغْلِبُونَ) فصلت/26.
فكانت هذه الحروف - بطريقة عرضها وغموضها - سبباً للفت أنظار المشركين الى استماع القرآن الكريم رجاء أن يتضح لهم منه هذا الغموض والابهام عند استماعهم له.
ويزداد هذا المذهب وضوحاً إذا لاحظنا الحالة النفسية التي كان يعيشها المشركون آنذاك حيث ينظرون إلى القرآن الكريم على أنه صورة المعجزة المدعاة وانه ذو صلة بالغيب وعوالمه العجيبة فهم ينتظرون في كل لحظة أن تحدث ظاهرة غريبة تفسر لهم الموقف وتأتيهم بالأمور العجيبة.
الثامن:
أنها حروف من حساب الجمل - لان طريقة الحساب الأبجدي المعروفة الآن كانت متداولة بين أهل الكتاب انذاك- فهذه الحروف تعبر عن آجال أقوام معينين .
ومن هنا نجد - كما روى عن ابن عباس - أبا ياسر ابن أخطب اليهودي يحاول ان يتعرف على أجل ألأمة الإسلامية وعمرها من خلال هذه الحروف ( 1)
وقد لاحظ ابن كثير على هذا بقوله :( واما من زعم أنها دالة على معرفة العدد وانه يستخرج من ذلك اوقات الحوادث والفتن والملاحم فقد ادعى ما ليس له- وطار في غير مطاره وقد ورد في ذلك حديث ضعيف- وهو مع ذلك أدل على بطلان هذا المسلك من التمسك به على صحته ) (2).
كما لاحظ عليه السيد رشيد رضا بمثل هذه الملاحظة حيث قال :( إن اضعف ما قيل في هذه الحروف واسخفه ان المراد بها الإشارة باعداها في حساب الجمل الى مدة هذه الأمة أو ما يشابه ذلك) (3)
موقفنا من هذه المذاهب:
وموقفنا من هذه المذاهب يتحدد في ضوء الظواهر العامة التي عاشتها مسألة (فواتح السور) وهي.
1 - عدم ورود تفسير واضح للفواتح عن الرسول ( صلى الله عليه واله)
2 - سكوت الصحابة بشكل عام عن سؤال الرسول بصدد هذا الموضوع
3 - عدم تعارف استعمال العرب لهذا الاسلوب في كلامهم .
وهذه الظواهر الثلاث تجعلنا نؤمن بأن الموقف تجاه هذه الحروف من قبل معاصري الوحي والنبوة كان واضحاً وجلياً- الأمر الذي ادى الى سكوت النبي عن بيانه والصحابة عن سؤاله- وحينئذ فاما أن يكون هذا الوضوح نتيجة توضيح النبي بأنها من المتشابهات التي يحسن السكوت عنها والتسليم بها ،او أنه كان نتيجة أن الغاية من استعمالها كانت جارية على نهج المذهب السادس اوالسابع- فأنهما المذهبان الوحيدان اللذان يفسران هذه الظاهرة بشكل ينسجم مع هذه الظواهر المسلمة بدون الحاجة إلى السؤال والاستفسار.
أما المذهب السادس فباعتبار أن هذه الالفاظ هي اسماء للحروف ومن الطبيعي ان رض ان كانوا يفهمون مسمياتها ،وكانو يفسرون ذكرها في اوائل السور على اساس هذا الترابط بين هذه الحروف وقضية التحدي في القرآن . واما المذهب السابع فباعتبار أن هذا الأسلوب كان يمثل عملية خارجية يمارسها النبي ( صلى الله عليه واله ) لإسكاتهم وإلفات أنظارهم وكانت بوجودها الخارجي والقرائن الحالية تدل على مضمونها وهدفها من دون حاجة إلى تفسير، نظير بعض الإشارات باليد أو العين أو الأفعال التي كان يقوم بها النبي ( صلى الله علبه واله ) وكان يفهمها المشاهدون مباشرة دون حاجة إلى سؤال أو استفسار أو شرح . ويكون هذا الأسلوب في الألفات من الأساليب التي برع القرآن في استعمالها.


التكــرار فــي القــران

بقلم : الاستاذ ظاهر الحسني - ماجستير اداب -جامعة بغداد

في القرآن الكريم قصص تكررت أكثر من مرة، وآيات ترددت في مواضع عديدة، وألفاظ وردت في مواطن متعددة، وغير ذلك من تساؤلات محورها التكرار في القرآن، هذا الموضوع الذي كثر الحديث عنه، وتعدد اللغو فيه، وأثيرت الشبهات حوله، وقامت الدنيا لأجله ولم تقعد بعدُ، ليس طلبًا للحقيقة، ولا حبًا في العلم ومعرفته، بل لمجرد التشكيك والتثبيط فحسب...فما حقيقة التكرار الواقع في كتاب الله، وما هو فيصل القول فيه، وما مدى صدق ما يقوله المشككون: إن القرآن إذا حُذف منه المكرر لم يبق منه إلا القليل ؟ تعالى الله عما يقولون علوًا كبيرًا . هذه هي الشبهة التي يثيرها المشككون بمسلَّمات هذا الدين، وينسجون حولها خيوط العنكبوت {وإنَّ أوهن البيوت لبيت العنكبوت لو كانوا يعلمون } (العنكبوت -41 )
إن التكرار في القرآن الكريم أمر واقع لاشك فيه، وهو حق لا ريب فيه أيضًا، سواء ظهرت لنا الحكمة من وراء هذا التكرار أم لم تظهر، هذا على سبيل الإجمال. أما على وجه التفصيل، فنقول:
إن التكرار في القرآن يقع على وجوه؛ فهناك التكرار في القصة الواحدة، كقصة آدم عليه السلام، وهناك التكرار في الآية الواحدة، كقوله تعالى: { (فبأي آلاء ربكما تكذبان) } (الرحمن:13) وهناك التكرار في اللفظه الواحدة، وهناك التكرار في الأوامر والنواهي، ونحو ذلك.
إلا أن التكرار الواقع في القرآن الكريم، يباين التكرار الكائن في كلام البشر؛ إذ إن هذا الأخير لا يَسْلَمُ عادة من القلق والاضطراب، ويُعدُّ عيبًا في الأسلوب، يُعاب عليه الكاتب.
والتكرار في كلام الله سبحانه ليس هو التكرار المعهود والمذموم في كلام البشر، إذ هو تكرار محكم، ذو وظيفة يؤديها في النص القرآني؛ يعرف ذلك كل من خَبَر طبيعة النص القرآني وخصائصه. ونستطيع أن نقول هنا: إن التكرار في القرآن يؤدي وظيفتين اثنتين، الأولى: وظيفة دينية، غايتها تقرير وتأكيد الحكم الشرعي، الذي جاء به النص القرآني؛ أما الوظيفة الثانية للتكرار، فهي وظيفة أدبية، تتمثل في تأكيد المعاني وإبرازها وبيانها بالصورة الأوفق والأنسب والأقوم.
ولبيان وظيفة التكرار في القرآن نمثِّل لذلك بأمثلة، بادئين ذلك بالتكرار الواقع في الأداة؛ فمن ذلك قوله تعالى في سورة النحل: { (ثم إِنَّ ربك للذين هاجروا من بعد ما فتنوا ثم جاهدوا وصبروا إنَّ ربك من بعدها لغفور رحيم )} (النحل:110) فتكرار الأداة { (إنَّ } ) في الآية، يوهم أن ثمة تكرارًا في الآية لا مسوِّغ له، والتدقيق والتحقيق يدفع إلى القول بخلاف ذلك؛ وبيانه كما قال أهل العلم: إنه لما طال الفصل بين الأداة {( إنَّ } ) وخبرها، حَسُنَ تكرار الأداة {( إنَّ } ) مرة أخرى، فاقتضت البلاغة إعادتها لِتُلْحَظَ النسبة بين ركني الجملة ( الاسم والخبر ) ويُنبئك بأهمية التكرار هنا، أنك لو قرأت الآية من غير إعادة الأداة { (إنَّ } ) لوجدت الأسلوب ركيكًا ضعيفُا مضطربًا .والشيء نفسه يقال في قوله تعالى بعدُ: {( ثم إنَّ ربك للذين عملوا السوء بجهالة ثم تابوا من بعد ذلك وأصلحوا إنَّ ربك من بعدها لغفور رحيم) } (النحل-119)
قال أهل العلم في هذا السياق: إذا وردت ( إنَّ ) وكان بين اسمها وخبرها فسحة طويلة من الكلام، فالبلاغة والفصاحة إنما تكون بإعادة تلك الأداة وتكرارها.

وعلى وفق هذا قول الشاعر:
وإن امرأً طالت مواثيق عهده
على مثل هذا إنه لكريم
فقد أعاد الأداة ( إنَّ ) لما طال الفصل في الكلام بين اسمها وخبرها، فاقتضت البلاغة الإعادة والتكرار .
هذا على مستوى تكرار الأداة في القرآن، أما على مستوى تكراراللفظه، فالمثال عليه قوله تعالى: {( أولئك الذين لهم سوء العذاب وهم في الآخرة هم الأخسرون }) (النمل:5) ففي الآية الكريمة تكرار كلمة {هم} وهي ضمير رفع منفصل، جيء بها لتأكيد النسبة بين الطرفين، الذين لهم سوء العذاب، والأخسرين .
وعلى هذا المنحى يجري قوله تعالى: {
( أُوْلَـئِكَ الَّذِينَ كَفَرُواْ بِرَبِّهِمْ وَأُوْلَئِكَ الأَغْلاَلُ فِي أَعْنَاقِهِمْ وَأُوْلَـئِكَ أَصْحَابُ النَّارِ هُمْ فِيهَا خَالِدونَ) (الرعد : 5) }
ففي الآية الكريمة تكرار لكلمة { (أولئك) } ثلاث مرات، ولهذا التكرار وظيفة، حاصلها أن مجيئها في الموضع الأول قُصِدَ به الإخبار عن شأن منكري البعث، وأنهم كفروا بربهم بهذا الإنكار؛ ومجيئها في الموضع الثاني فلبيان حالهم، وأن الأغلال في أعناقهم؛ أما مجيئها في الموضع الثالث، فإنما كان لبيان مآلهم ومصيرهم الذي صاروا إليه، وهو العذاب الخالد والمهين...ولو أنك أسقطت هذا اللفظ في موضع من المواضع الثلاثة لضَعُفَ المعنى، اضطرب الأسلوب، وتجافى عن الذوق السليم. ولأجل ما تقدم حَسُنَ التكرار في هذا الموضع، تبيانًا للمعنى، وتأكيدًا للعلاقة بين المواضع الثلاثة.
أما ما جاء من تكرار في الآية القرآنية الواحدة، فنقف في ذلك عند ثلاث سور لهذا التكرار .
في سورة القمر تكرر فيها قوله تعالى: {
(فَكَيْفَ كَانَ عَذَابِي وَنُذُرِ )} (القمر:16)
وهذه السورة قصَّ الله علينا فيها أخبار قوم نوح ، و عاد ، و ثمود ، و لوط ؛ وما جاء في كل واحدة من هذه القصص من التخويف والتحذير مما حلَّ بتلك الأقوام، فكان المقام والحال يستدعي هذا التكرار، إيعاظًا لأهل القرآن، وتحذيرًا للمعرضين عنه من التمادي في غيِّهم وإعراضهم، وأن عاقبتهم إذا ما استمروا على ما هم عليه عاقبة أولئك الأقوام، الذين قصَّ القرآن علينا خبرهم، وما كان من أمرهم ومآلهم .
وفي سورة الرحمن تكرر فيها قوله تعالى:
{ (فَبِأَيِّ آلَاء رَبِّكُمَا تُكَذِّبَانِ) (الرحمن:13)
حيث المقام في هذه السورة كان مقام تعداد عجائب خلق الله، وبدائع صنعه، ومبدأ الخلق والمعاد، وذكر النار وشدائدها، ووصف الجنان ونعيمها، فاقتضى كل ذلك هذا التكرار للآية الكريمة، تنبيهًا على نِعَمِ الله، وتقديرًا لِمُوْجِد هذه النعم حق قدره، وحثًا على شكره . أما ما جاء في سورة المرسلات من تكرار لقوله تعالى: { (ويل يومئذ للمكذبين } )(المرسلات:15) فلأنَّ كل واحد من هذه التكرارات ذكِرَ عقيب آية غير الآية الأولى، فلا يكون تكرارًا مستهجنًا، ولا إعادة لا فائدة منها؛ بل لو لم يكن هذا التكرار للآية لكان الوعيد حاصلاً لبعض دون بعض.
وعلى هذا الأساس، يمكن بيسير عقل وإعمال فكر، إدراك علة التكرار الوارد في سورة الشعراء، في قوله تعالى:
{ (إِنَّ فِي ذَلِكَ لَآيَةً وَمَا كَانَ أَكْثَرُهُم مُّؤْمِنِينَ وَإِنَّ رَبَّكَ لَهُوَ الْعَزِيزُ الرَّحِيمُ}) (الشعراء:103-104)
وغير ذلك من سور القرآن الكريم .
أما عن تكرار القصص القرآني، فلا يمكن أن يُفهم حق الفهم إلا إذا عُلِمَ الهدف منها ، ومن ثم عُرفت خصائص هذه القصص، وبالتالي تتضح لنا الحكمة من هذا التكرار . ومجمل القول في ذلك بأن نقول: لما كان من أغراض القصة في القرآن، إثبات وحدة الإله، ووحدة الدين، ووحدة الرسل ، ووحدة المصير الذي يلقاه المكذبون...نقول: لما كان الأمر كذلك، استدعى المنطق القرآني هذا التكرار، لتحقيق تلك الأغراض، وتثبيتها في قلوب المؤمنين، وتحذير المعاندين من مغبَّة الإعراض عنها. فنشأ عن خضوع القصة لهذه الأغراض - كما يقول العلامة السيد الطباطبائي - أن يُعْرَض شريط الأنبياء والرسل الداعين إلى الإيمان بدين واحد، والإنسانية المكذبة بهذا الدين الواحد، مرات متعددة، بتعدد هذه الأغراض؛ وأن يُنشيء هذا ظاهرة التكرار في بعض المواضع. ونوضح المقصود بهذا، بقصة نوح عليه السلام؛ يقول تعالى: {
( لَقَدْ أَرْسَلْنَا نُوحاً إِلَى قَوْمِهِ فَقَالَ يَا قَوْمِ اعْبُدُواْ اللَّهَ مَا لَكُم مِّنْ إِلَـهٍ غَيْرُهُ إِنِّيَ أَخَافُ عَلَيْكُمْ عَذَابَ يَوْمٍ عَظِيمٍ ، قَالَ الْمَلأُ مِن قَوْمِهِ إِنَّا لَنَرَاكَ فِي ضَلاَلٍ مُّبِينٍ ، قَالَ يَا قَوْمِ لَيْسَ بِي ضَلاَلَةٌ وَلَكِنِّي رَسُولٌ مِّن رَّبِّ الْعَالَمِينَ، أُبَلِّغُكُمْ رِسَالاَتِ رَبِّي وَأَنصَحُ لَكُمْ وَأَعْلَمُ مِنَ اللّهِ مَا لاَ تَعْلَمُونَ ، أَوَعَجِبْتُمْ أَن جَاءكُمْ ذِكْرٌ مِّن رَّبِّكُمْ عَلَى رَجُلٍ مِّنكُمْ لِيُنذِرَكُمْ وَلِتَتَّقُواْ وَلَعَلَّكُمْ تُرْحَمُونَ ، فَكَذَّبُوهُ فَأَنجَيْنَاهُ وَالَّذِينَ مَعَهُ فِي الْفُلْكِ وَأَغْرَقْنَا الَّذِينَ كَذَّبُواْ بِآيَاتِنَا إِنَّهُمْ كَانُواْ قَوْماً عَمِينَ) } (الأعراف: (59 -64) .
فكلما تكرر هذا الاستعراض، كان هناك مجال لتملي هذا الشريط، الذي يقف مرة عند كل نبي، ثم يمضي في عرضه مطردًا...حتى يقف محمد (صلى الله عليه واله وسلم) أمام كفار قريش، فاذا هو يقول القولة الواحدة، وإذا هم يردون ذلك الرد المكرور .
ثم لما كان الغرض من القصص القرآني غرض ديني في المقام الأول، اقتضى الأمر أن تعرض منه الحلقات التي تقتضيها هذه الأغراض. فآخر حلقة تُعْرَض - بحسب ترتيب السور - تتفق مع إظهار غرض ديني، صيغت القصة من أجله .
فمثلاً، قصة موسى عليه السلام ورد أول ذِكْرٍ لها في سورة البقرة، وكان موضوعها ذبح البقرة وتشديد بني إسرائيل على أنفسهم، فشدد الله عليهم؛ ثم جاء ذكر لها في سورة المائدة وفيها عرض لحلقة التيه. فهؤلاء بنو إسرائيل قد أغدق الله عليهم نعمته، وأملى لهم في رحمته؛ ثم ها هم أولاء في النهاية لا يحافظون على النعمة، ولا يدخلون الأرض المقدسة، وقد جهد موسى عليه السلام ما جهد لردهم إليها؛ فيكون تأديبهم على هذا الموقف، تركهم في التيه لا مرشد لهم ولا معين، حتى يأتي الأجل المعلوم .
وهذا الهدف الديني للقصص، هدف ملحوظ ومقصود في باقي القصص القرآني؛ كقصة آدم ، وقصة إبراهيم ، وقصص باقي الأنبياء، على نبينا واله عليهم الصلاة والسلام؛ هذا ناهيك عما يرافق هذا الهدف الديني من تناسب واقعي لأحداث القصة، وتناسق فني في سياقاتها المتكررة والمتعددة .
ونشير ختامًا، إلى أن من القصص القرآني ما لا يأتي إلا مرة واحدة، مثل قصة لقمان ، وقصة أصحاب الكهف؛ ومنه ما يأتي متكررًا حسب ما تدعو إليه الحاجة، وتقتضيه المصلحة، ولا يكون هذا المتكرر على وجه واحد، بل يختلف في الطول والقصر، واللين والشدة، وذكر بعض جوانب القصة في موضع دون آخر. وأن من الحكمة في هذا التكرار: بيان أهمية تلك القصة، لأن تكرارها يدل على العناية بها وتوكيدها؛ لتثبت في قلوب الناس. ومن الحكمة في هذا التكرار مراعاة الزمن وحال المخاطبين بها، ولهذا نجد الإِيجاز والشدة غالبًا فيما أتى من القصص في السور المكية، والعكس فيما أتى في السور المدنية. فضلاً عما في هذا التكرار من ظهور صدق القرآن، وأنه من عند الله تعالى، حيث تأتي هذه القصص على رغم تكرارها على أتم وجه، وأفضل تناسب، دون تناقض في المضمون، أو تعارض في سرد الحدث القصصي .
فإذا تبين هذا، عُلِمَ ضَعْفُ هذه الشبهة ووَهْنَها، وكذلك تساقطها؛ وتبين أيضًا أن ما يقوله أصحابها إنما هو قول بغير علم؛ وهو أقرب إلى أن يكون جعجعة لا تُسمن ولا تغني من جوع. وأن الحق أحق أن يُتَّبَعَ لو كانوا يعلمون.

مجلة تعنى بشؤون القرآن الكريم تصدر عن مؤسسة الثقافة والاعلام لمنظمة بدر/دار القرآن الكريم المركزي              الرئيسية

      Design by:    internetbadr@yahoo.com