|
مفاهيم
قرآنية
الخذِلان
"التخاذل"
د. حيدر
السعدوني (أستاذ اللغة العربية في جامعة بابل)
كثيرة هي المفاهيم التي تمتلك
تصوراتٍ مشتركة في أذهان الناس نحو الصدق، والكذب، والوفاء،
والغدر، والخيانة، وأمثالها، فلا يختلف في الوجود اثنان إن
الكذب قبيح والغدر بشع، وان الصدق حسن مستحسن.
وددت هنا أن القي بظلال حديثي على قيمة من القيم الذميمة وصفة
من الصفات التي تأباها الفطرة الإنسانية لما تتركه من آثار
بالغة في هدم الكيان الاجتماعي، لكن المجتمع لم ينبذها في
مراحله التاريخية، تلك صفة التخاذل شأنها شأن غيرها من القيم
الرديئة التي أسهمت في إفساد المجتمع.
ولا بأس أن نقف على معنى الخذلان وما يحتمل من الأوجه مشفوعا
بالشواهد القرآنية والتاريخية، والخذِلان - بكسر الخاء- معناه:
ترك النصر والمعونة، إذ نفيد من هذا المعنى من الآية الكريمة
في سورة آل عمران في قوله تعالى
(إِن يَنصُرْكُمُ اللّهُ فَلاَ غَالِبَ لَكُمْ وَإِن
يَخْذُلْكُمْ فَمَن ذَا الَّذِي يَنصُرُكُم)..{ سورة آل عمران،
آية 160.
وللخذِلان -بحسب التعريف المتقدم- وجهان:
الأول: ترك النصر بمعناه الواضح من تحويل النصر إلى هزيمة
وانكسار وهو يشير بوضوح إلى العرف العسكري للخذِلان، ولعل هذا
ما يتبادر إلى ذهن السامع من التخاذل في ارض المعركة وتحويل
النصر - كما قلنا- إلى هزيمة مما يصدر من قادة الجيش وأمراء
الجند، وسياسة الانقلابات، وقد زخر التاريخ الإنساني والإسلامي
بمواقف الخذِلان التي ظلت شاهدة البصمات على الانتكاسات التي
مرت بها الأمم.
فمن شواهد الخِذلان في تاريخنا الإسلامي ما حصل في معركة احد،
إذ كاد المسلمون يمسكون بزمام النصر لولا تقاعس كتيبة من
المسلمين عن الامتثال لأمر رسول الله (ص)، وليس فرع تدبير
وتخطيط مسبق لإيقاع الهزيمة.
وصورة أخرى من شواهد الخذِلان ما حصل لسفير الحسين (ع) من أهل
الكوفة لما دعاهم إلى نصرة الحسين (ع)، وبيعته فكانوا ثلاثين
ألفا خذلوه وتركوا نصرته- وهنا يتردد معنى ترك النصرة- ولم يجد
عند وصوله إلى قصر الإمارة إلا نفسه، فكان هذا خذلاناًَ وقع
تحت وطأة السيف، وضعف العزيمة الإرادة في نصرة مسلم (ع.
أما الصورة الثالثة من صور الخذِلان التي كان مبعثها التدبير
والتآمر فهو ما حصل مع سبط النبي الحسن المجتبى (ع) من امة جده
(ص) التي لم تحفظ ذريته فيه وقد قيل المرء يحفظ في ولده فما
رعوه والصورة تبدو واضحة للقارئ لما يطلع على تخاذِل جيشه
وخذِلانه له (ع) وإيثارهم المال والجاه على نصرته - لوعود
قطعها لهم معاوية- حتى جرءوا وسعوا إلى اغتياله، وانقلاب كثير
من جيشه وتقاعسهم عن نصرته فما وجد الإمام (ع) بدا من الصلح.
الثاني: وهو اعم معنىً من ترك النصرة بالمعنى الأول، واشمل في
مصاديقه، ويراد منه ترك النصرة والمعونة في مواقف الشدة
والبلاء بنحو يتوقف عل ترك النصرة والمعونة في مواطن البلاء
ومواقف الشدة، ذهاب الدين وتفكيك الوحدة الاجتماعية وضياع
المصالح العليا للناس.
فنجد إشارات لهذا المعنى في الخطاب القرآني نحو ما جرى في قصة
ميقات موسى (ع) واستخلاف أخيه هارون (ع)، إذ كان موقف الخذِلان
واضحا من لدن السامري حين اتخذ العجل إلها له ولقوم موسى (ع)
فكان منه موقف التخاذِل المشهود الذي قصه القران في قوله
تعالى}
(قَالَ ابْنَ أُمَّ إِنَّ الْقَوْمَ اسْتَضْعَفُونِي
وَكَادُواْ يَقْتُلُونَنِي فَلاَ تُشْمِتْ بِيَ الأعْدَاء
وَلاَ تَجْعَلْنِي مَعَ الْقَوْمِ الظَّالِمِينَن{ )سورة
الأعراف، آية 150 ،
وقد أشارت آية أخرى إلى نكتة تشير
فيها إلى حكمة هارون (ع) في حفظ الوحدة الاجتماعية لبني
إسرائيل مع انقلابهم العقائدي الخطير مما جعل موسى (ع) بعد أن
سكت عنه الغضب يمضي فعل هارون (ع) كما قص القرآن في قوله
تعالى} :
(قَالَ يَا ابْنَ أُمَّ لَا تَأْخُذْ بِلِحْيَتِي وَلَا
بِرَأْسِي إِنِّي خَشِيتُ أَن تَقُولَ فَرَّقْتَ بَيْنَ بَنِي
إِسْرَائِيلَ وَلَمْ تَرْقُبْ قَوْلِي)
سورة طه، آية 94،
وقوله تعالى إشارة إلى إمضاء موسى (ع) لفعل هارون (ع)}
(قَالَ رَبِّ اغْفِرْ لِي وَلأَخِي وَأَدْخِلْنَا فِي
رَحْمَتِكَ وَأَنتَ أَرْحَمُ الرَّاحِمِينَ)سورة الأعراف، آية
151.
ولا يبعد أن يقع التخاذل مشتملا على معنى الغدر، وعدم الوفاء،
والخيانة، بل أعظم الخيانة إذا توقف عليها هدم الكيان
الاجتماعي وضياع المصالح العليا على نحو ما تقدم في القصة
المذكورة، لكن الخيانة تشمل المعنى الأخلاقي من قبيل الخيانة
الخلقية نحو قوله تعالى في سورة يوسف، آية 52:}
(ذَلِكَ لِيَعْلَمَ أَنِّي لَمْ أَخُنْهُ بِالْغَيْبِ وَأَنَّ
اللّهَ لاَ يَهْدِي كَيْدَ الْخَائِنِينَ)
، والمعنى الاجتماعي من قبيل الخيانة الاجتماعية نحو ما قصه
القرآن من حال زوجتي نوح ولوط (ع) قال تعالى:}
(ضَرَبَ اللَّهُ مَثَلاً لِّلَّذِينَ كَفَرُوا اِمْرَأَةَ
نُوحٍ وَاِمْرَأَةَ لُوطٍ كَانَتَا تَحْتَ عَبْدَيْنِ مِنْ
عِبَادِنَا صَالِحَيْنِ فَخَانَتَاهُمَا) سورة التحريم آية 10
،
والتخاذل ليس ظاهرة يعتادها المجتمع في سلوكه اليومي وإنما نحو
تصرف نوعي للمتخلق به يكون الباعث إليه الطمع أو الحسد أو نزعة
انتقام فيصدر ذلك الفعل في ظرف مباغت لا يبدو المتخاذل في
مراحله الأولى خصما أو عدوا، وإنما هو - في ظاهر حاله- صديق أو
حليف أو قريب في المنزلة والمكانة، والخذِلان اشد وقعاً في
النفس وأعظم أثراً وألماً في نفس المخذول عندما يلتمس المتخاذل
القرب والصحبة منه فيطمأن إليه ويأتمنه، فيأته من حيث اطمأن
ومن مأمنه، وقد أشار إليه سيد الشهداء (ع) وقد اعتلج بصدره
الألم وانكسر قلبه بخيبة الأمل لان ما وصلت إليه (ع) من الكتب
والمواثيق التي يطلب فيها أصحابها منه المجيء لنصرته تجعله في
ظاهر الأمر يطمأن إليها لكنهم خذلوه لذا نجده (ع) في دعائه يوم
عاشوراء يقرن صفة الخذِلان بالصديق إذ يقول (ع): (كم من هم
يضعف فيه الفؤاد وتقل فيه الحيل ويخذل فيه الصديق ويشمت فيه
العدو) سوى من ثبت معه من أصحابه بعدما خبر نواياهم وعلم
الإخلاص منهم. وتلاحظ في منطق المتخاذل صفة الإنكار الفعلي -
وقد بدا منه ما بدا-، وصفة الإنكار القولي لتبرئة نفسه، وهذه
صفة تلازم سلوكه نفيدها من إقرار الإمام الحسين (ع) لأمثال شبث
بن ربعي وحجار بن ابجر إذ أنكرا عليه قوله وهم يعلمون انه (ع)
صادق مصدق.
نعم يتحول الخذِلان إلى سلوك تحكمه عقلية جمعية نحو أفراد
القبيلة أو الجماعة الضالة أو الأمة، نحو ما حصل مع الأنبياء
والأئمة والأولياء (ع) في مجتمعاتهم وإنكارهم لمنطق التوحيد
وسخريتهم من نبيهم كما هو حال قوم نوح (ع)، وقوم هود (ع)، وقوم
صالح (ع)، أو إنكار الأئمة لمنطق الاستخلاف الشرعي كما هو حال
الأمة بعد وفاة النبي (ص ).
فيصح منا إن نصف خط الأنبياء والأولياء الرسالي بالخط المخذول
ودونك أيها القارئ ما يقصه القران الكريم من تجارب الأمم
السالفة مع أنبيائها وتخاذلهم في نصرتهم إذ لم يؤمن بهم إلا
الصفوة المخلصة نحو قوله تعالى في وصف حال قوم نوح }:
( ...وما امن معه إلا قليل{ )سورة هود، آية 40،
وغير ذلك من عظيم الآيات وجليل العظات ولكن من ذا يفقه ويسلك
المحجة البيضاء؟
ومن المؤكد بعد هذا البيان إن يكون التخاذل ذا آثار عظيمة
الفساد والإضرار بالكيان العقائدي والاجتماعي والخلقي حتى على
صعيد الفرد، وعليه ورد في الروايات الشريفة من مغبة هذا السلوك
وضرورة نصرة المؤمن وعدم ترك إعانته واصفة جزاء الخذِلان له
إلا يجد من ينصره في الدنيا وفي الآخرة مشيرة الروايات إلى
جزائه الدنيوي - بما فيه الجزاء الاجتماعي من نبذ المجتمع له
واستصغاره والحذر منه- وجزائه الأخروي لما انطوت عليه سريرته
من فساد وإفساد.
التكـــبر فـــي القـــرأن
بقلم : المهندس كفاح مطشر
جامعة بغداد ـ كلية الهندسة
يقسّم علماء الأخلاق التكبّرفي ضوء
القرآن إلى ثلاثة أقسام :
1 - التكبّر أمام الله.
2 - التكبّر مقابل الأنبياء.
3 - التكبّر على خلق الله.
والمراد من التكبّر مقابل الله تعالى ، والّذي يُعد من أسوأ
أنواع التكبّر وناشئاً من غاية الجهل ، هو أنّ الإنسان الضعيف
يدّعي الإلوهية، وليس فقط أنّه لا يرى نفسه عبداً لله بل يسعى
إلى دعوة الناس لعبادته أيضاً، أو يقول كما قال فرعون
(.... انا رَبُّكُمُ الاَْعْلَى)(النازعات 240) أو يقول
(... مَا عَلِمْتُ لَكُمْ مِنْ اِله غَيْري...)(القصص - 38)
ومن البعيد جداً أن يرى الإنسان مثل فرعون الّذي حكم أرض مصر
سنين متمادية أنه واقعاً الربّ الأعلى للناس وأنّه معبود الناس
جميعاً حتّى لو كان على درجة شديدة من قلّة العقل وقلّة
الذكاء، إذن فالمراد حسب الظاهر أنّ فرعون وأمثاله ولغرض تحميق
عامّة الناس واستحمار السُذّج منهم أن يدعوا هذا الأدّعاء
لتثبيت أركان حكومتهم وسيطرتهم.
الشكل الآخر من التكبّر أمام الله هو ما نجده من تكبّر إبليس
وأتباعه حيث استكبروا ورفضوا طاعة الله تعالى من موقع الأفضلية
لأنفسهم والاعتراض على الحكم الإلهي وأمره حيث قالوا: إنّ
إبليس الّذي خلق من النار لا ينبغي له السجود لمخلوق من تراب
كما تقول الآية على لسان إبليس:
(... لَمْ اَكُنْ لاَِسْجُدَ لِبَشَر خَلَقْتَهُ مِنْ صَلْصال
مِنْ حَمَا مَسْنُون)(الحجر 33)
، أو تقول الآية: (... قَالَ اَنَا خَيْرٌ مِنْهُ خَلَقْتَنِي
مِنْ نَار وَخَلَقْتَهُ مِنْ طِين)( سورة ص آية 76)
أجل فإنّ الحجاب العظيم للكبر والغرور قد يصل إلى درجة أن يحجب
عقل الإنسان وبصيرته عن رؤية حقائق الاُمور وأنّه موجود ضعيف
فيرى انه أعلم من الله تعالى.
القسم الآخر للتكبّر : هو التكبّر في مقابل الأنبياء والمرسلين
الّذين أرسلهم الله تعالى إلى أقوامهم كما نرى هذه الحالة في
طوائف المستكبرين من الأقوام السالفة أمام أنبيائهم اذ رفضوا
طاعة الأنبياء من موقع التكبّر والغرور وقالوا: (...أَنُؤْمِنُ
لِبَشَرَيْنِ مِثْلِنَا...)(المؤمنون 47) أي موسى وهارون،
وتارة كانوا يقولون مثل مقولة قوم نوح(عليه السلام): (وَلَئِنْ
اَطَعْتُمْ بَشَراً مِثْلَكُمْ اِنَّكُمْ إذاً لَخَاسِرُونَ
)(المؤمنون - 38 )
وتارة اُخرى يتذرعون بذرائع طفولية ويقولون من موقع العناد
واللجاجة: (وَقَالَ الَّذِينَ لاَ يَرْجُونَ لِقَائَنَا
لَوْلاَ اُنْزِلَ عَلَيْنَا الْمَلاَئِكَةُ أَوْ نَرى
رَبَّنَا)(الفرقان - 21).
القرآن الكريم يقول في سياق هذه الآيات الشريفة: (لَقَدِ
اسْتَكْبَرُوا فِي اَنْفُسِهِمْ وَعَتَوْا عُتُوّاً
كَبِيراً)(الفرقان -21).
القسم الثالث من أقسام التكبّر : هو التكبر في مقابل عباد الله
بحيث يرى نفسه أعلى منهم ويرى الآخرين من موقع الحقارة
والدناءة وأنّهم لا قيمة لهم أمامه وبالتالي فلا يرى للآخرين
حقّاً عليه بل يتوقع من الآخرين أن يحترموه ويعترفوا بعظمته
ويذعنوا لأوامره ومطاليبه.
وهذا النوع من التكبّر له نماذج كثيرة في حياتنا الإجتماعية
فلا حاجة للإطالة في شرحه وبيان مصاديقه وموارده، وقد يمتد هذا
النوع من التكبّر ويصل إلى درجة في أعماق النفس إلى التكبّر في
مقابل الأنبياء ثمّ التكبّر أمام الله تعالى.
أجل فإنّ نار التكبّر والغرور تنشأ
من التكبّر في مقابل عباد الله عادة ثمّ يتدرج الإنسان ويتمادى
في هذه الحال حتّى يتكبّر أمام دعوة الأنبياء ويرفض طاعتهم
وبالتالي يصل به الأمر إلى التكبّر أمام الله تعالى.
دوافع التكبّر :
للتكبّر أسباب ودوافع كثيرة تعود كلّها إلى أنّ الإنسان يتصور
لنفسه كمالاً معيناً، وبسبب حبّه لذاته فإنه يرى نفسه أكبر من
واقعها ويحتقر الآخرين كذلك.
بعض علماء الأخلاق مثل المرحوم (الفيض الكاشاني) في كتابه
المحجّة البيضاء يذكرون في مسألة دوافع الكِبر وأسبابه سبعة
أسباب : الأسباب الدينية من العلم والعمل، والاُخرى الأسباب
الدنيوية من النسب والجمال والقوّة والثروة وكثرة الأعوان
والأصحاب، ثمّ ذكر الفيض الكاشاني لكلّ واحدة من هذه الأسباب
شرحاً وافياً نذكره بشكل مختصر، حيث يقول:
1 - العلم، وما اسرع الكبر إلى العلماء ولذلك قال رسول
الله(صلى الله عليه وآله) : آفة العلم الخيلاء فلا يلبث أن
يتعزز بعز العلم، ويستشعر في نفسه جمال العلم وكماله ويستعظم
نفسه ويستحقر الناس وينظر إليهم نظره إلى البهائم ويتوقع أن
يبادروه بالسلام.
2 - العمل والعبادة وليس يخلو عن رذيلة الغرور والكبر واستمالة
قلوب الناس الزهّاد والعبّاد ويترشح الكبر منهم في الدنيا
والدين. أما الدنيا فهو أنّهم يرون غيرهم بزيارتهم أولى من
أنفسهم بزيارة غيرهم ويتوقعون قيام الناس بقضاء حوائجهم
وتوقيرهم والتوسع لهم في المجالس وذكرهم بالورع والتقوى
وتقديمهم على سائر الناس من الحظوظ إلى جميع ما ذكرناه في حقّ
العلماء وكأنهم يرون عبادتهم منّة على الخلق، وأما فى الدين
فهو أن يرى الناس هالكين ويرى نفسه ناجياً وهو الهالك تحقيقاً
مهما رأى ذلك قال النبي (صلى الله عليه وآله) : إذا سمعتم
الرجل يقول هلك الناس فهو أهلكهم، وإنما قال ذلك لأن هذا القول
يدل على أنّه لخلق الله، مغتر بالله، آمن من مكره، غير خائف من
سطوته، وكيف لا يخاف ويكفيه شراً احتقاره لغيره، قال رسول الله
(صلى الله عليه وآله) :(كفى بالمرء شراً أن يحقر أخاه المسلم
)وكم من الفرق بينه وبين مَنْ يحبّه لله ويعظمه لعبادته
ويستعظمه ويرجو له ما لا يرجو لنفسه فالخلق يدركون النجاة
بتعظيمهم إياه لله فهم يتقربون إلى الله بالدنو منه وهو يتمقت
إلى الله بالتنزه والتباعد منهم كأنه مرتفع عن مجالستهم، فما
أجدرهم إذا أحبّوه لصلاحه أن ينقلهم الله الى درجته في العمل
وما أجدر إذا ازدراهم بعينه أن ينقله الله الى حدّ الإهمال.
وهذه الآفة أيضاً قلما ينفك عنها العباد وهو أنّه لو استخف به
مستخف أو آذاه مؤذ استبعد أن يغفر الله له ولا يشك في أنّه صار
ممقوتاً عند الله ولو آذى مسلما آخر لم يستنكر ذلك الاستنكار
وذلك لعظم قدر نفسه عنده وهو جهل وجمع بين العجب والكبر
والاغترار بالله وقد ينتهي الحمق والغباوة لبعضهم إلى أن
يتحدّى ويقول سترون ما يجري عليه، وإذا اُصيب بنكبة زعم أنّ
ذلك من كراماته وأنّ الله ما أراد به إلاّ شفاء علته والانتقام
له.
فما أعظم الفرق بين مثل هذا الجاهل وبين بعض ما ورد عن أحد
العباد الّذي قال بعد انصرافه من عرفات : كنت أرجو الرحمة
لجميعهم لولا كوني فيهم، فانظر إلى الفرق بين الرجلين.
ونختم هذا البحث بحديث شريف عن النبي الأكرم حيث ورد في
الروايات أنّه تحدث بعض الأصحاب عن رجل وذكروه بخير للنبي(صلى
الله عليه وآله) فأقبل ذات يوم فقالوا : يارسول الله هذا الّذي
ذكرناه لك، فقال : إني أرى في وجهه سفعة من الشيطان فسلم ووقف
على النبي(صلى الله عليه وآله)وأصحابه، فقال النبي(صلى الله
عليه وآله) : أسألك بالله حدّثتك نفسك أن ليس في القوم أفضل
منك ؟ فقال : اللهم نعم(المحجة البيضاء ج6ص240)، فرأى رسول
الله(صلى الله عليه وآله) بنور النبوة ما استكن في قلبه سفعة
في وجهه.
- التكبر بالنسب والحسب فالّذي
له نسب شريف يحتقر من ليس له ذلك النسب وإن كان أرفع منه عملاً
وعلماً وقد يتكبر بعضهم فيرى أنّ الناس له موالٍ وعبيد ويأنف
من مجالستهم ومخالطتهم، والحال أنّ الإسلام ليس فيه تفاضل
بالحسب والنسب، كما روي عن أبي ذر أنّه قال قاولت رجلاً عند
النبي(صلى الله عليه وآله) فقلت له : يا ابن السوداء فقال
النبي(صلى الله عليه وآله) : يا أبا ذر طف الصّاع ليس لابن
بيضاء على ابن سوداء فضل".
قال أبو ذر فاضطجعت وقلت للرجل : قم فطأ على خدي. فانظر كيف
نبهه رسول الله(صلى الله عليه وآله) أنّه رأى لنفسه فضلاً
بكونه ابن بيضاء وإن ذلك خطأ وجهل فانظر كيف تاب وكيف قلع من
نفسه شجرة الكبرياء بأخمص قدم من تكبر عليه إذ عرف أنّ العزّ
لا يقمعه إلاّ الذلّ(المحجة البيضاء ج6 ص( 242 )
وعلى أى حال فقد قرأنا كثيراً من النصوص الشريفة في القرآن
والروايات التي تؤكد لنا أن لا فضل لإنسان على آخر بالنسب
والعرق وأمثال ذلك، فهذه كلها اُمور اعتبارية تعرض على الإنسان
من الخارج، بينما تتقوم شخصية الإنسان وقيمته بما يتضمنه من
امتيازات معنوية في محتواه الباطني، وعلى فرض أنّ ارتباطه مع
بعض العظماء بالنسب يوجب له فضيلةً وامتيازاً على غيره، فلا
ينبغي أن يكون ذلك سبباً للاحساس بالغرور والتكبّر والتفاخر
على الآخرين.
وعندما نرى الإمام أمير المؤمنين(عليه السلام) في نهج البلاغة،
أو الإمام زين العابدين(عليه السلام) في خطبته المعروفة في
الشام يفتخران بنسبهما فذلك ليس من قبيل حبّ التفوق والتفاخر،
بل بدافع آخر، حيث أرادا إظهار إمامتهما ورسالتهما الدينية
الإلهية لبعض المغفلين والجهلاء، مثل ما يقوم به قائد الجيش من
تعريف نفسه للجنود وبيان مكانته ومقامه بهدف دعوتهم الى اطاعته
وامتثال أوامره.
4 - التفاخر بالجمال وذلك يجري أكثره بين النساء ويدعو ذلك
التنقّص والثلب والغيبة وذكر عيوب الناس، ومن ذلك ما روي عن
عائشة أنّها قالت : دخلت امرأة على النبي(صلى الله عليه وآله)
فلما خرجت فقلت بيدي ـ هكذا ـ أي أنّها قصيرة، فقال النبي(صلى
الله عليه وآله) : قد اغتبتها وهذا منشؤه خفي الكبر لأنها لو
كانت أيضاً قصيرة لما ذكرتها بالقصر فكأنها أعجبت بقامتها
واستقصرت المرأة في جنب نفسها فقالت ما قالت. .
5 - الكبر بالمال وذلك يجري بين الملوك في الخزائن، وبين
التجار في بضائعهم، وبين الدهاقين في أراضيهم، وبين المتجملين
في لباسهم وخيولهم ومراكبهم فيحتقر الغني الفقير ويقول له أنت
شحاذ ومسكين وأنا لو أردت لاشتريت مثلك واستخدمت من هو فوقك
ومن أنت وما معك وأثاث بيتي يساوي أكثر من جميع مالك.
ومن ذلك تكبر قارون اذ قال تعالى :
(فَخَرَجَ عَلَى قَوْمِهِ فِى زِينَتِهِ قَالَ الَّذِينَ
يُرِيدُونَ الْحَيَاةَ الدُّنْيَا يَالَيْتَ لَنَا مِثْلَ مَآ
أُوتِىَ قَارُونُ إِنَّهُ لَذُو حَظّ عَظِيم)(القصص 79)
وقد ورد في التواريخ أنّه كان يخرج على قومه من بنى إسرائيل
بجميع خدمه وحشمه البالغ عددهم أربعة آلاف نفر وهم يركبون
الجياد المزينة بالحلي وملابس الزينة ويصحبون معهم الجواري
الجميلات وهنّ في كامل الزينة من الجواهر والذهب، ولكن كل ذلك
ينتهي في لحظة حيث خسفت به الأرض بأمر الله وابتلعت ما كان له
من ثروات وقصور ودفن قارون معها أيضاً وصار عبرة لمن اعتبر.
6 - القوة والقدرة البدنية وشدة البطش أو الموقع السياسي أو
الاجتماعي، والتكبر به على أهل الضعف، وغالباً ما يتوفر هذا
الحال لدى الاُمراء والأقوياء وأصحاب السلطة من الناس حيث يرون
أنفسهم ظل الله في الأرض ويتوقعون من الآخرين أن يتعاملوا معهم
من موقع التعظيم والتكريم كما يفعل الغلمان والعبيد. ولو صدرت
منهم أقل حركة أو كلمة خاطئة لا تتفق ومقامهم العالي وشأنهم
الكبير فسوف لا ينجو صاحبها من العقاب.
وقد ذكر في بعض حالات السلاطين
القدماء أنّه كلما أراد الناس الدخول عليه في مجلسه فيجب عليهم
تكميم أفواههم بمنديل أو أي شيء آخر لئلاّ يتلوث معطف السلطان
ببخار أفواه الرعايا ورائحة فمهم الكريهة، وهذا هو السبب في
تفعيل عنصر الكبر والغرور في نفوس هؤلاء وما يتولد منه من
أخطاء كبيرة ومآثم شنيعة تؤدي إلى الإسراع في زوال حكمهم
وإنهيار دولتهم
7- - التكبر بالأتباع والأنصار
والتلامذة والعلماء والعشيرة والأقارب والبنين ويجري ذلك بين
الملوك في المكاثرة بالجنود وبين العلماء بالمكاثرة
بالمتنفذين، وبالجملة فكلّ ما هو نعمة وأمكن أن يعتقد كمالاً
وإن لم يكن في نفسه كمالاً أمكن أن يتكبر به، حتّى أنّ المخنث
يتكبر على أقرانه بزيادة قدرته ومعرفته في صنعة المخنثين لأنّه
يرى ذلك كمالاً فيفتخر به وإن لم يكن فعله إلاّ نكالاً وكذلك
الفاسق قد يفتخر بكثرة الشرب وكثرة الفجور بالنسوان والغلمان
ويتكبر به لظنه أنّ ذلك كمال وإن كان مخطأً فيه(المحجة
البيضاءج6 ص240-( 244)
هذه الاُمور السبعة هي اُمور قد يصاب الأشخاص بجميعها أو ببعض
منها ويتطاولون على الآخرين بالفخر والتكبّر، وبالطبع لا تنحصر
الدوافع بهذه السبعة، فإنّ كلّ صفة كمال أو صفة قوّة معنوية أو
مادية سواءً واقعية أو خيالية يمكن أن تسبب الغرور وتدفع
بصاحبها إلى التكبّر على الآخرين.
وهذا الكلام لا يعني أنّ الإنسان يجب عليه للتوقي من التكبّر
والغرور أن يبتعد عن أسباب الكمال ولا يتحرّك باتجاه المعنويات
والكمالات الإنسانية ويقتل في نفسه عناصر الخير والصلاح لكي لا
تكون منشئاً للغرور والفخر، بل الغرض من ذلك إن الإنسان كلّما
ازداد في علمه وعبادته وقوته وقدرته وثروته فعليه أن يسعى
ليكون أكثر تواضعاً وخشية وخضوعاً للحقّ، ويتفكر في أنّ هذه
الكمالات والمواهب ليست ثابتة له بالذات وكلّها لا تعدّ شيئاً
مقابل قدرة الله تعالى وصفاته وأسمائه الحسنى.
5 - جذور التكبّر :
إن حالة التكبّر الذميمة لها جذور كما هو الحال في سائر
الرذائل الأخلاقية، فينبغي البحث عنها بدقة ومعرفتها، وفي غير
هذه الصورة فإنّ قلع هذه الصفة من أعماق النفس وتطهير القلب
منها يكون أمراً محالاً.
ويذكر بعض علماء الأخلاق مثل المرحوم (الفيض الكاشاني) في
كتابه المحجّة البيضاء أربعة جذور واُصول للتكبّر وهي : العجب،
الحقد، الحسد، الرياء.
ويرى الفيض الكاشاني أنّ جذور التكبّر الباطنية تتمثّل في
(العجب) فهذه الحالة من رؤية الذات والإعجاب بها وتعظيمها هي
السبب في أن يرى الإنسان نفسه أعلى من الآخرين وأفضل منهم
وبالتالي يتحرّك في التعامل معهم من موقع التفاخر والتعالي،
وهناك أصل آخر وهو (الحقد) والكراهية الّتي يشعر بها الإنسان
تجاه الشخص الآخر حيث يتسبب ذلك في أن يتظاهر بمواهبه
وامتيازاته أمام ذلك الشخص، والثالث (الحسد) الّذي يتسبّب في
إيجاد هذه الرذيلة الأخلاقية، والرابع (الرياء) الّذي يؤدي إلى
أن يتظاهر الإنسان بامتيازاته أمام الآخرين فيورثه ذلك حالة من
التكبّر عليهم.
هذه الجذور الأربع تشكل الاُصول والاُسس لصفة التكبّر، ولكن
حسب الظاهر أنّ جذور التكبّر لا تنحصر في هذه الصفات الأربع بل
هناك اُمور اُخرى يمكنها أن تكون منشأ ومصدراً للتكبّر.
|