الرئيسية

الاعجاز في القرآن

الهجوم العسكري في القران
بقلم:العميد المهندس سلمان الانصاري

عندما نتكلم عن موضوع علمي عسكري مثل المعركة الهجومية وكيفية التناول القرآني لها فليس معنى ذلك أننا نضفي على القرآن الكريم الصبغة العلمية، فالقرآن الكريم كتاب هداية ورحمة، وكل لفظ وكل آية وكل سورة فيه هي إعجاز إلهي لا يشعر به إلا المتدبر بحق، والمتأمل بصدق، والدارس بعمق، وحيث يستزيد ذلك المتدبر أو المتأمل أو الدارس ومضات ونفحات روحانية تتراكم داخله في صورة إيمان فوق إيمان، ونور على نور.

والكتاب الكريم تناول صور المعركة القتالية كما نعرفها في عصرنا اليوم، سواء كانت هذه المعركة هجومية ـ وهي الصورة الرئيسية للمعركة القتالية ـ أو الصورة الدفاعية، وكل ما هو مشتق منهما من صور قتالية أخرى:
تتم المعركة الهجومية في عصرنا الحاضر من خلال ست مراحل، هي كالآتي:
1 - الصورة الأولى (مرحلة حشد القوات):
لتنفيذ معركة هجومية ضد دفاعات معادية لا بد من حشد القوات في مناطق الحشد، وهي مناطق بعيدة عن العدو يتوفر فيها الأمن سواء من مصادر نيران العدو أو عناصر استطلاعه 0
2 ـ الصورة الثانية ( مرحلة التحرك والاقتراب من دفاعات العدو) :
غالباً ما تتم هذه المرحلة ليلاً حتى لا ينكشف فيها الهجوم، وتعتمد فيها السرية التامة في التحرك والاقتراب
3 - الصورة الثالثة ( مرحلة التحول من تشكيلات التحرك إلى تشكيلات القتال) :
ويشترط فيها السرعة في التحول من تشكيل التحرك إلى تشكيل المعركة مع وجود إخفاء ممثل في درجة إظلام معينة0
4 - الصورة الرابعة (مرحلة الهجوم على دفاعات العدو):
تبدأ العملية الهجومية في الإضاءة الكاملة، حتى تستطيع كل وحدة مقاتلة رؤية الهدف المطلوب الاستيلاء عليه، ومن خلال الانقضاض السريع على القوات المحاربة في صورة إغارة ممزوجة بصيحة النصر (الله أكبر) .
5 - - الصورة الخامسة (مرحلة القتال للاستيلاء على أهداف العدو) :
تستمر القوات في تنفيذ العملية الهجومية لتدمير دفاعات العدو واختراق قواته، ودفع القوات المتواجدة في الخلف لتطوير عملية الهجوم، واستغلال النجاح الذي يتم تحقيقه، وأهم ما يميز هذه المرحلة: الضوضاء الشديدة والصوت العالي ، الرؤية المحدودة بسبب الغبار المتصاعد من حركة المعدات ،التداخل بين الأطراف المقاتلة، وظهور الاختراقات المحدودة في دفاعات الجانب المدافع في شكل جيوب ما تلبث أن تتوحد وتتسع مشكلة اختراقاً عميقاً يصل إلى وسط أو مركز القوات المدافعة.

6- - الصورة السادسة ( مرحلة تدمير العدو وتحقيق الهدف) :
ويلاحظ هنا أن عملية استغلال النجاح وتطوير الهجوم تتم في اتجاهات قد تم تركيز القوات فيها منذ بدء الهجوم بحيث يحقق هذا التركيز سرعة الوصول إلى التجمع الرئيس للعدو وتدميره، والتواجد في منتصفه أو وسطه.
التناول القرآني للمعركة الهجومية.
1 - الصورة الأولى ( مرحلة حشد القوات ): تناول القرآن الكريم هذه المرحلة في قول المولى ـ عز وجل ـ (وأعدوا لهم ما استطعم من قوة ومن رباط الخيل ترهبون به عدو الله وعدوكم وآخرين من دونهم لا تعلمونهم الله يعلمهم ... )[الأنفال: 60]. ويلاحظ هنا أن الأمر الإلهي جاء في صورة عامة شاملاً إعداد وتجهيز القوات في أوقات السلم، وشاملا أيضاً القيام بحشد تلك القوات استعداداً لتنفيذ القتال. وواضح من قوله ـ تعالى ـ أن الإعداد هنا يشمل عنصر القوة ممثلة في القوة البشرية والأسلحة والمعدات ... الخ، وكذلك عنصر المناورة ممثلاً في رباط الخيل، وحيث كانت الخيل هي العنصر المشترك في أغلب معارك هذه الفترة من الزمن، وكانت هي وسيلة المناورة الرئيسة. ويجب ألا ننسى هنا أن أي معركة قتالية تتم في عصرنا اليوم تتكون من عنصرين أساسيين، هما: النيران، والمناورة وقد وردا في الآية الكريمة لأهميتها القصوى عند تنفيذ القتال الصحيح.
2 - الصورة الثانية ( مرحلة الاقتراب من دفاعات العدو ): تناول القرآن الكريم هذه المرحلة من خلال القسم الإلهي في قوله تعالى : (والعاديات ضبحاً)[العاديات : 1]. والعاديات هنا المقصود بها الدواب التي لها القدرة على العدو والسرعة خلال تنفيذ الأعمال القتالية، وهي ـ على وجه التحديد ـ الخيل والإبل، وحيث كان يتم استخدامها في القتال في عصر نزول القرآن. وعندما نتأمل القسم الإلهي هنا فلا بد أن ندرك أن هناك وجه إعجاز في تلك المخلوقات، ويكفي لإيضاح ذلك أن نقول: إن الإبل والخيل كانتا ـ وسوف تستمران إلى يوم قيام الساعة ـ أداة من أدوات القتال فعلى الرغم من التطور الكبير الذي شهدته معدات المناورة مثل الدبابة والناقلة المدرعة والطائرة العمودية إلا أن هناك العديد من الجيوش العالمية التي تحتفظ بوحدات كبيرة من الخيالة والهجانة، خصوصاً إذا كانت مسارح عمل هذه الجيوش ذات طبيعة جبلية أو غابات وأدغالاً، وأيضاً في المسارح الصحراوية لتغطية مواجهات الحدود الواسعة. ويلاحظ هنا أن الآية الكريمة عندما تكلمت عن العاديات لم تتناول التوقيت الذي تتحرك فيه، حيث سيتم استنتاج ذلك من الآية التي تليها، وإنما تناولت الآية ما يجب أن يراعى أثناء التحرك، فجاء اللفظ الكريم (ضبحاً) والذي هو الصوت الوسط للخيل بين الصهيل والحمحمة، وكأنما تريد الآية الكريمة أن تدعونا إلى أن تحرك العاديات المقترب في اتجاه العدو لا بد أن يكون تحركاً مخفياً لا تصدر فيه عن الخيل أصوات عالية، وإنما أصوات مقبولة لا تكشف تحرك القوات. ولعل ذلك واضح من خلال حديثنا عن هذه الصورة في المعركة الهجومية التي تتم في عصرنا الحاضر.
3- الصورة الثالثة ( مرحلة التحول من تشكيلات التحرك إلى تشكيلات القتال ): وقد عبر القرآن الكريم عن هذه المرحلة من خلال قول المولى ـ عز وجل ـ: ( فالموريات قدحاً )[ العاديات / 2 ]وهو الشكل الذي تتخذه القوات المتحركة عند قيامها باتخاذ تشكيل القتال، حيث تقوم بتنفيذ ذلك بأقصى سرعة ممكنة، نظراً لوجودها في ميدان العدو، ونتيجة السرعة في التنفيذ يظهر الشرر من حوافر الخيل. والشرر المنطلق من حوافر الخيل لا يظهر إلا إذا كان هناك درجة من الظلام ، وغالباً ما تتم هذه المرحلة في فترة الشفق البحري. ومن هنا نجد أن لفظ (قدحاً) قد أوحى لنا بتوقيت هذه المرحلة، وبالتالي فإن جميع المراحل السابقة لها تكون سابقة في التوقيت، بمعنى إذا كانت هذه المرحلة (التحول من تشكيل التقدم إلى تشكيل المعركة) تتم في فترة زمنية بها درجة ظلام فإن المراحل السابقة ـ واقصد هنا مرحلة الاقتراب من دفاعات العدو ـ تتم في فترة الليل كما سبق الإيضاح.

4- - الصورة الرابعة (مرحلة الهجوم على دفاعات العدو): وقد تناول القرآن الكريم هذه المرحلة في قوله ـ تعالى ـ(فالمغيرات صبحاً ){العاديات: 3} ولعل استخدام لفظ ً( الإغارةً ) أصدق كثيراً من لفظ الهجوم على دفاعات العدو، فالمعركة الحديثة في عصرنا الحاضر تتم على مواجهات واسعة وفواصل كبيرة، الأمر الذي يسمح للوحدات المهاجمة بالتعامل المستقل والمنفصل مع دفاعات العدو، وتأخذ الصورة بعد وصول القوات إلى خط بدء الهجوم صورة الإغارة ممثلة في الاقتراب المستور والانقضاض السريع على تلك الدفاعات. ويلاحظ هنا أن تحديد التوقيت جاء واضحاً وصريحاً؛ حيث تتم هذه المرحلة صباحاً، وحيث إن الصباح أو النهار من وجهة النظر العسكرية يبدأ مع بداية الشفق المدني، والمرحلة السابقة (فالموريات قدحاً )تمت، وهناك درجة من الظلام، وهذا ما يعني أنها تتم في فترة الشفق البحري، وبالتالي فمرحلة (العاديات ضبحاً) تتم أثناء الليل ووجود الظلام.
5 - الصورة الخامسة (مرحلة القتال للاستيلاء على أهداف العدو): وقد عبر القرآن الكريم عن هذه المرحلة من خلال قوله ـ سبحانه وتعالى ـ: (فأثرن به نقعاً )[العاديات: 4]. ومعنى أثرن أي: أحدثن به نقعاً. والنقع هنا له معان عديدة، فهو يأتي بمعنى شق الجيب (الاختراق الهجومي لدفاعات العدو) ومعنى الغبار والأتربة (التي تنتج من حركة الخيل، والدبابات في عصرنا الحاضر) ومعنى رفع الصوت (الضوضاء الناتجة عن المعركة) ومعنى القتل والتدمير (الخسائر التي تحدث في هذه المرحلة)... الخ.حيث هناك أكثر من عشر معان للفظ القرآني، وعلى الرغم من اختلافها تماماً بعضها عن بعض الا أن جميعها تصب في صلب موضوع هذه المرحلة.
6 - الصورة السادسة (مرحلة تدمير العدو وتحقيق الهدف): تناول القرآن الكريم هذه المرحلة في قوله تعالى:(فوسطن به جمعا )[العاديات: 5]وكما سبق الإيضاح عند شرح هذه المرحلة أن توسط التجميع القتالي المعادي يعني النجاح الكامل في تحقيق الهدف النهائي، وأن الوصول إلى ذلك يتم من خلال توحيد الجيوب المخترقة مع بعضها البعض وفي إطار اتجاه محدد منتقى بعناية من قبل (أثناء التخطيط للمعركة في منطقة الحشد) بحيث يحقق هذا الاتجاه سرعة عمل القوات المهاجمة والمحافظة على إجراءات التنسيق بينها... الخ. والوصول إلى وسط التجمع المعادي قد يتم بالمواجهة أو من الجوانب. فاذا كان من المواجهة فان ( وسطن) هنا تأتي بمعنى شطران . اما اذا كان الوصول الى التمجع المعادي من خلال الجوانب فأن لفظة الوسط هنا يأتي بمعنى المركز ، وهنا يكون التعبير القرآني الكريم قد غطى المفهوم الكامل للمرحلة وبأشكال المناورة المطلوبة لتحقيق ذلك .

الخاتمة

مع نهاية البحث أحب أن أقف أمام نقاط أرى أنها من وجهة نظري مهمة، وهي الآتي :
1 - النقطة الأولى: إن التناول القرآني للمعركة الهجومية يتم من خلال خمس آيات تتكون من عشرة ألفاظ، ورغم ذلك فإن التناول القرآني عبر عن محتويات المعركة بالكامل، بل وتطرق إلى تفاصيل دقيقة للغاية، وهذا الاختصار الشديد والتكامل العجيب خارج قدرة البشر.
2 - النقطة الثانية: إن التناول القرآني للمعركة الهجومية يتم من خلال استخدامات لفظية تلفت انتباه القارى والسامع، انظر إلى لفظة ضبحا الذي يدل على ما يجب اتخاذه من إجراءات أثناء حركة القوات. ولفظة قدحاً الذي يدل على توقيت الحدث بصورة ضمنية، وطبيعة الحدث بصورة صريحة ... وهكذا.
3 - النقطة الثالثة: وهي لفظة نقعاً اللفظ العجيب المتعدد المعاني المختلفة والتي استخدمها المولى ـ عز وجل ـ بالكامل في سياق الموضوع الذي تتحدث عنه المرحلة الخامسة، وهذه اللفظة بحد ذاتها تحدٍ واضح لكل جهابذة اللغة العربية . من يستطيع استخدام لفظة لها عشر معان مختلفة ويسخر تلك المعاني في سياق الموضوع الذي يتكلم عنه؟!

مجلة تعنى بشؤون القرآن الكريم تصدر عن مؤسسة الثقافة والاعلام لمنظمة بدر/دار القرآن الكريم المركزي              الرئيسية

      Design by:    internetbadr@yahoo.com